المطبخ يقودنا إلى الكثير مما يخص أسرار العائلة الواحدة، المناسبات التي يكون الطبخ حاضراً فيها، ما يجري في المطبخ وحوله من كلام مختلف، أو ما يدور فيه من «مؤامرات ودسائس»، فالطعام، لا يعرف سرَّه، إلا من أعده، أو يُلزم بإعداده.

تدبير الفتنة، ذلك ما يمكن تعريف المطبخ وتوصيفه به! فالمطبخ رافق مسيرة الإنسان مذ كان حتى وهو يلتقط الثمار، أو يلاحق الطريدة الحيوانية، ويتم الحديث هنا عن المطبخ أحادي الجانب، والذي يتطلب زمناً طويلاً، ليشهد تعايشاً بين أكثر من صنف وصنف، أو التأريخ له، إثر اكتشاف النار، والذي أدخل تغييراً في التذوق. إن ما يخرج من المطبخ يشكل بانوراما التاريخ المثير، والذي يجلو غرائب الإنسان فيما يشتهيه وينتقيه مأخوذاً ببطنه، إذ الذوق المطبخي في لوحة الرغبات الحية، متلونٌ وهو يستدرج أيَّاً كان إليه، في نوع من الصراع أو كما سميَّتها بالفتنة.

ولا يمكن أن يسلَم منها أيٌّ كان، إذ يتوقف ذلك على سياسته البطنية! المطبخ فتنة جامعة، وبقدر ما تتنوع علاقات المرء، وتتوسع حدود الأذواق، يتطلب ذلك تدبيراً لفتنته، والطباخون يحملون ذاكرات متخمَة بالصور والمعلومات التي تخص رغبات زبائنهم، أو من يحملون علامة خاصة، هم ولاتهم، أو أولو أمرهم، وكيفية معايشتهم لفتنة الطعام وضروبه هنا!

المطبخ موروث حضاري، تشكَّل كتاريخ، في سياق علاقة الإنسان المزدوجة مع البيئة التي يعيش فيها، وعلاقته مع نفسه، وبينهما، جاء الطبخ، ليحيل الموجود الطبيعي القابل للأكل، إلى سلعة مستهلَكة «بطنياً»، فالحديث إذاً، عن المطبخ وكيف كان البيت الواحد المكوَّن من غرفة واحدة، في زمن ما، يجلو كل أنشطة أفراد العائلة الواحدة، والمطبخ ضمناً، حيث يُحضَّر الطعام، وتختلط رائحة الطعام مع رائحة الكلام، وليحصل العزل أو التعزيل لاحقاً، كما لو أن ذلك جاء إيذاناً بضرورة الفصل الظاهري، بين ما يخص البطن وفتنته، والكلام في طابعه العقلي وفطنته، ولينقسم البيت غرفاً بحسب المنشود منها!

حديثاً، جداً، وفي أمكنة مختلفة، صار المطبخ كلمة السر، لمعرفة حقيقة بيت ما، في مستواه الثقافي والاجتماعي، إذ لم يعد بالإمكان التخطيط لبناء بيت ما، دون التفكير في موقع المطبخ ومستلزماته. إن المطبخ يقودنا إلى الكثير مما يخص أسرار العائلة الواحدة، المناسبات التي يكون الطبخ حاضراً فيها، ما يجري في المطبخ وحوله من كلام مختلف، أو ما يدور فيه من «مؤامرات ودسائس»، فالطعام، لا يعرف سرَّه، إلا من أعده، أو يُلزَم بإعداده.

إن أدوات المطبخ، تمثّل العلامات الفارقة الموجّهة للأذواق والتوجهات الثقافية، من ناحية المواد الداخلة في تركيبها، وكيفية ترتيبها، بمواقعها وأشكالها ومصادر صنعها، وحول الأدوات تلك، كما هو المنظور المطبخي، يمكن تحديد توجهات الأفراد، والروائح التي يكون المطبخ مختبراً أو مصهراً لها، لتكوين الجديد من خلالها، كالألوان في لوحة فنان، تبعاً لذائقته الجمالية.

المطبخ مرشدُ بطون، ومذبح رغباتها، مثلما يكون محيلاً أفراداً إلى كيانات بطنية، وفي العموم، وكما هو الوجه الأكثر مكاشفة لعالم اليوم، حيث تتنوع المطابخ، يبقى المطبخُ سر البيت، لا يسمَح لأيٍّ كان بدخوله، وفي أي وقت كان، وربما قابلَ المطبخ في بيوت معينة، غرفة الضيوف التي ينسبها الرجل إلى نفسه، وهذا يكون حاملاً لعلامات أنوثة وذكورة فارقة.

إن المتمعن في بنية المطبخ، يمكن أن يحدد الكثير من الصفات الخُلقية والاجتماعية والمعتقدية لأفراد الأسرة الواحدة، بدءاً من الأبوين موقعاً، وربما جاز القول: قل لي كيف هو مطبخك، أقل لك من أنت. إن تدبير فتنة المطبخ، ليس أكثر من ضبط الرغبة المنبّهة للجوع، حيث مؤثراته المحيطية كثيرة، ووجود المطبخ يجعل الجوع شعورياً أكثر، وهذا يظهر مدى الرهان عليه، في مجتمعاتنا المعاصرة.

كما هو الانتشار الهائل للمطاعم داخل المدن وخارجها، بمطابخها المتفاوتة، وهي في جملتها، ووفق سياسات استدراجية واستحواذية متنوعة، عبر الاستجابة لتلبية «طلبات» البطون ومناسباتها الكرنفالية، والرغبات المتعددة تلك التي تتولد معها، حيث تتنافس على استحداث الفتنة التي لا مفر منها، وخصوصاً، حين تستثير دوافع مختلفة في ذات الوقت، كما هو المرئي أو المستقرَأ في المطبخ وأفانين فتنته الذوقية المختلفة ودعاويها، وهواة البحث عن المطاعم وجماليات التذوق المطبخية ومغرياتها، وما وراءها خبراء في هذا الجانب.

ابراهيم محمود