من لم ير هذه المدينة فقد سمع عنها، فمن منا من لم يردد أيام الدراسة بلاد العرب أوطاني.. من الشام لتطوان؟. لكن ليس من سمع كمن رأى تطوان، المدينة الجميلة التي تقبع على ضفاف البحر الأبيض المتوسط، وقد أحاطت بها تلال وهضاب وجبال الريف من كل ناحية.
فيما تحيل أحياؤها وأزقتها القديمة إلى زمن أندلسي غابر، كما لو أننا في قلب الأحياء الشعبية لغرناطة أو قرطبة، بل ليس هناك من مدينة في الوقت الحاضر مثل تطوان، ببيوتها البيضاء التي تعلو قصبة أكثر بياضا، وبمناراتها الموشاة بالزليج الأخضر، تذكرنا بالماضي العربي الزاهر. إنها المدينة الممتدة جذورها في عمق التاريخ، وآخر الرموز الأندلسية بعد أن أرغم عرب غرناطة على الرحيل بعيدا عن الفردوس المفقود حاملين معهم علومهم وفنونهم ومظاهر حضارتهم التي شكلت شخصية تطوان أو الحمامة البيضاء كما يطلق عليها، لمبانيها البيضاء الممتدة على شكل حمامة باسطة جناحيها على ما يحيط بها من تلال وجبال.
الدخول في العصر الإسلامي
فتح المسلمون تطوان مع مدينة سبتة في القرن الأول للهجرة، ولكن لا يعرف أي شيء عن حالة تطوان وأخبارها في القرنين الأول والثاني الهجريين، وأقدم تاريخ لها ورد في المصادر العربية هو أوائل القرن الثالث الهجري. وقد بنيت المدينة بناء جديدا في أوائل القرن الثامن الهجري إلى أن خربت في أوائل القرن التاسع الهجري (1399م) من قبل الغزاة الأسبان وظلت مخربة مدة 99 عاما.
وعندما غادر المسلمون الأندلس (1492) تفرقوا بين المشرق والمغرب، واتجهت إلى هذه المدينة المخربة والمهجورة جماعة من جيش المتطوعين يقودهم أبو الحسن علي المنظري، احد قواد بني الأحمر، الذي اشرف على إعادة بنائها وتولى الحكم فيها إلى أن توفي بها ومازال قبره مشهورا بها يزار إلى الآن.
واستقر اللاجئون الأندلسيون في أحياء عمروها وصارت تعرف بأسمائهم، وكان الكثير منهم يحملون داخل جيوبهم مفاتيح بيوتهم وبقايا من تراب الوطن الذي غادروه، أما في قرارة الروح فكانوا يحملون حلم العودة، ولكن كلما نأى هذا الحلم أو تلاشى أصبح من يفتح عينيه ويقول لست في غرناطة يفتحهما وهو يقول أنا في تطوان، حيث غدت هذه المدينة غرناطة الجديدة.
وتواصلت مظاهر الحياة في تطوان يختلط قديمها بجديدها، وتتمازج شخصيتها الأندلسية بما تلاحق عليها من أساليب العمارة ومظاهر الطابع الحديث، لتصبح احد أهم المراكز التجارية على البحر الأبيض المتوسط وعلى طول مصب نهر مارتل. وفي ظل هذه التغيرات المتلاحقة، تمتعت تطوان بمركز حضاري له أهميته الكبيرة في عهد السلطان مولاي إسماعيل مع أوائل القرن الثامن عشر.
أزقة ومتاهات
لتطوان أزقة تضيعك حتما متاهاتها، فهي أزقة ضيقة مغطاة مرة باعراش الكروم، ومرة بأحجار دائرية نلمح عبر فجواتها بالكاد بعضا من زرقة السماء، مما يضاعف من أسباب تيهك، فهي تدور وتدور، تتقاطع وتفضي دوما لنفس الأمكنة، أي لبعضها البعض، وبعد أن تنهي دورتك الحلزونية، فانك في الغالب الأعم، تجد أن النهاية لا تفضي سوى إلى زقاق ضيق لا مخرج له، إذ يردك الحائط من حيث أتيت.
الأزقة المغطاة باعراش الكروم هي حي التجار، وعلى امتداد جدرانها فتحت دكاكين غاية في الصغر والضيق، يجلس القرفصاء بها بائعون مشهورون بعمائمهم وهدوئهم الكبير، وهم موزعون على أزقة معينة كزقاق باعة الأثواب، حيث الدكاكين تعرض الحرير أو «الخزي» كما يلفظ بالعامية، ومطرزات مذهبة، على نسوة بيضاوات بخمار ملفوف تحت طربوشهن الكبير، وزقاق بائعي الجلود، حيث تعلق آلاف السروج الملونة الخاصة بالجياد، وكل لوازم الصيد من وعاء البارود المنقوش بالفضة، وحامل البنادق والسيوف وحتى جراب السفر.
وثمة زقاق بائعي النحاس، حيث تسمع من أول خيوط الشمس حتى آخر المساء، مطارق العمال وهي تنزل برفق أو بقوة على الصفائح المحمرة بفعل نار الكيران، وزقاق الطرازين والخياطين وبائعي البابوج أو «البلغة» المغربية الشهيرة، وأخيرا زقاق صانعي البنادق، وهي بنادق طويلة من فضة تتسع عند المؤخرة التي توضع على الكتف وتستخدم في عروض الفروسية، المسماة بالفانتازيا. وكما يبدو، فان المغاربة لا يفكرون إطلاقا في تغيير نظام الأسلحة الذي ورثوه عن أجدادهم، فشكل البنادق هو هو لا يتغير، حتى ليخال للرائي انه في حلم وهو يشاهدهم لا يزالون يصنعون كل هذا العدد من أسلحة الأزمنة الماضية.
سطوة أسبانية
خضع شمال المغرب للحكم الأسباني بين عامي 1913 و1956، واتخذ الأسبان تطوان عاصمة لمنطقة حمايتهم، وأصبح بها مقر خليفة السلطان الذي يختاره سلطان المغرب من بين مرشحين تقدمها أسبانيا ليتولى شؤون الحكم تحت الإشراف الأسباني على المنطقة الشمالية. وفي بداية عهد الاستقلال عام 1956 نزح عشرات الآلاف من أبناء الريف إلى المدينة وتعاطوا التجارة وأسسوا صناعات جديدة ذات طابع محلي ليحلوا محل الأوروبيين والأسبان واليهود الذين غادروها.
واستطاع النموذج الأسباني أن يفرض حضوره على المدن الشمالية لا سيما تطوان على عدة مستويات. فعلى مستوى اللغة، تكاد السيادة المطلقة تكون للغة الأسبانية التي يتكلمها سكان المدينة بطلاقة من الصغير إلى الكبير، ومن الرجال إلى النساء، وحين يكون الحديث باللغة العربية فهو يتحول دائما إلى خليط مشحون بكلمات أسبانية.
المعمار أيضاً احتذى النموذج الأسباني، فأعمال مثل السوق الكبير (1941) أو محطة الحافلات (1946) المجاورة له، وفندق برينسيبي (1945)، من إبداع المهندس المعماري الأسباني كاستو فيرنانديث ـ ساو، الذي أمضى جزءا من حياته المهنية في شمال المغرب، وقد تميزت أعماله بأسلوبين متناقضين، وهما الأسلوب المستقبلي الجامح والكلاسيكية المحلية المحافظة.
وفي كل الأحوال، ما زالت تطوان مدينة محافظة وان كان الصراع بين ما هو أصيل ودخيل واضح للعيان، رغم أن الأبنية الحديثة بدأت تفقد الطابع المغربي، فالأحياء الجديدة التي بنيت في الأعوام الأخيرة لا تختلف في شيء عن أبنية المدن الأخرى كالرباط والدار البيضاء، وهو ما يجعل تطوان تفقد بالتدريج خصوصيتها وسماتها العريقة.
غنى ثقافي
تزخر مدينة تطوان العتيقة بمعالم تاريخية وعمرانية كثيرة، تتمثل في مجموعة من المساجد والزوايا والأضرحة والمباني ذات الأهمية المعمارية والفنية الكبيرة، خصوصا معالم الحضارة الأندلسية التي مازالت نابضة بالحياة إلى يومنا هذا، وهو ما تكشف عنه قصبتها ومنازلها وقصورها بما تتميز به من أفنية ونافورات وحدائق، وبما تحتفظ به صوامعها وأضرحتها وفنادقها القديمة، عدا الاحتفاظ بالموسيقى الأندلسية والطرز والصناعة التقليدية.
من بين هذه المعالم القصبة المرينية وتقع على إحدى مسطحات جبل درسة الذي يشرف على المدينة من الجهة الشمالية، ويرجع تاريخ بنائها إلى عام 1286م على يد السلطان المريني يوسف بن يعقوب بن عبد الحق الذي اتخذها مقرا لجنوده ومركزا لعملياته العسكرية، وكانت هذه القصبة النواة الأولى التي بنيت حولها مدينة تطوان القديمة. وفي وسط المدينة، هناك حصن سيدي المنظري الذي بناه القائد أبو الحسن علي المنظري حين تم تجديد بناء مدينة تطوان في نهاية القرن الخامس عشر للميلاد، وجعل منه مقرا له ومركزا لإدارة شؤون المدينة. ويعتبر هذا الحصن بطرازه الفني والمعماري امتدادا للمعمار الإسلامي الأندلسي.
ويرجع تاريخ بناء الأسوار الحالية للمدينة التي يبلغ طولها حوالي خمسة كيلومترات، إلى منتصف القرن الثامن عشر الميلادي، على يد كل من القائدين محمد تميم والحاج محمد لوقش في عهد السلطان المولى عبد الله ابن المولى إسماعيل.
ذاكرة الأمكنة
لم تعد ساحة الفدان الشهيرة من أهم ملامح مدينة تطوان وذاكرتها الملهمة، فقد أخذت هذه الساحة بالاندثار بعد أن رفعت السلاسل الحديدية المحيطة بها ولم يبق منها سوى التسمية، إذ غدت، فجأة، معبرا وممرا للمشاة وساحة يمارس فيها الأطفال ألعابهم.
عبق التاريخ
أصل تطوان كما هي أصول مدن مغربية كثيرة مأخوذ من البربرية «الأمازيغية» لغة سكان المغرب الأصليين، فهي «تطاوين» التي تعني العين الجارية نظرا لكثرة عيون المياه فيها، وقد شيدت المدينة الحالية أواخر القرن الخامس عشر (القرن التاسع للهجرة)، على أنقاض مدينة قديمة كانت موجودة قبل ذلك التاريخ بقرون، ووفقا لما ذكره المؤرخ المغربي الأندلسي الحسن الوزاني المعروف بـ «ليون الإفريقي»، فان مؤسسي تطوان هم الأفارقة الأقدمون.
معالم ثقافية
من بين أبرز معالم تطوان الثقافية الخزانة (المكتبة) العامة، وقد تأسست عام 1939، وتعد من أغنى الخزانات في المغرب لما تحتوي عليه من كتب ومخطوطات، ووثائق نادرة، ما جعلها تتمتع بسمعة دولية بارزة. وكذلك «المعهد الوطني للفنون الجميلة» الذي أنشئ في مقر «مدرسة الفنون الجميلة»، وقد تخرج من هذه المؤسسة التي أقيمت عام 1945 كبار الفنانين التشكيليين المغاربة مثل محمد السرغيني واحمد بن يسف.
رضا الأعرجي
