«ما بعد بوش» عنوان هذا الكتاب هو أيضاً عنوان مرحلة جديدة في تاريخ الولايات المتحدة الأميركية وربما في العالم. هذا ما يؤكده محللون كُثر، ولكن مؤلف هذا الكتاب يؤكد بالمقابل أن هذا الاحتمال في التغيير قليل جداً، ويتساءل «لماذا لن تتغير أميركا»؟ كما جاء في العنوان الفرعي للكتاب وهذا ما يشرحه أيضاً على مدى صفحاته الـ 256.

ما يتفق عليه الجميع هو أن الفترتين الرئاسيتين لجورج دبليو بوش تقاربان نهايتهما بـ «الفشل». فشل على الصعيد الداخلي على مستوى الاقتصاد والضرائب والسياسات الاجتماعية وعجز كبير في ميدان الضمان الاجتماعي وقلق في مواجهة العولمة. وأتت في هذا السياق الأزمة المالية العالمية الكبرى التي انطلقت من أميركا أخيراً ولكن مؤشراتها موجودة في الأجواء منذ فترة طويلة.

وفشل أيضاً على الصعيد الخارجي يمثله خاصة الوضع الذي آلت إليه الأمور في العراق، حيث دخلته أميركا منذ ربيع عام 2003 ولا تعرف كيف الخروج من ورطته. وفشل في أفغانستان حيث لا تستطيع القوات الأطلسية، تحت الزعامة الأميركية، أن تحسم الأمر، بل العكس هو الأقرب إلى الصحة. وفشل أيضاً على جبهة ما أسماه بوش الحرب العالمية ضد الإرهاب، فبوش «يرحل» عن البيت الأبيض والحرب ضد الإرهاب لا تزال مستمرة.

لكن بالمقابل لا أحد يستطيع أن ينفي واقع أن جورج دبليو بوش يجسد ذهنية أميركية متجذرة في أميركا ويعكس بـ «إخلاص» أميركا العميقة، المحافظة والمتدينة، كما يؤكد المؤلف. هذا على خلفية تبدّلات كانت عرفتها خلال السنوات الأخيرة وفي مقدمتها الزيادة الملموسة في وزن المهاجرين وزيادة ملموسة أيضاً في تأثير الكنيسة بالتزامن مع تعاظم العامل الديني في الحياة السياسية الأميركية.

لا شك أن الولايات المتحدة الأميركية قوة عظمى في عالم اليوم، ولكنها قوة تواجه الكثير من الاحتجاجات وكثير من التشوش في صورتها لدى الرأي العام العالمي، ومن أول المهمات التي ينبغي على الأميركيين القيام بها، حسب التحليلات المقدّمة، هناك ترميم الشرعية، شرعيتهم في احتلال موقف «الزعامة» العالمية.

ولا يرى المؤلف في الانتخابات الرئاسية الأخيرة سوى «محطة» في المسيرة الأميركية، إذ يولي اهتمامه الرئيسي للاتجاهات السياسية. وقد اختار للمقدمة العنوان يقول: «هل أميركا هي على مفترق طرق»؟ وهو يؤكد أن عودة الدور السياسي الكبير للدين بل وللنزعات القومية الأميركية ليست حصراً على «الجمهوريين» حسب التحليلات الشائعة.

ويؤكد المؤلف قوله: «إن التحول الكبير نحو النزعات السياسية المحافظة في أميركا يبقى العامل الحاسم من أجل فهم المستقبل. وهذا التحول سوف يبقى بعد انتهاء سنوات جورج دبليو بوش».

ويبقى رهان الانتخابات الرئاسية الأخيرة هو الخروج بالولايات المتحدة من «المآزق» التي وجدت نفسها فيها.

وتتم الإشارة إلى أنه منذ المبادئ التي أعلنتها أميركا عام 1789 ومروراً برئاسة ايزنهاور ووصولاً إلى الثورة الريغانية في مطلع عقد الثمانينات الماضي عرفت الولايات المتحدة كيف «توجّه مصيرها».

ويدرس المؤلف في هذا السياق آليات السيطرة التي عرفها التاريخ الأميركي كما يدرس قوة التيارات المحافظة و«حدود» هذه القوة.

ويرى أنه إذا كان جورج دبليو بوش قد ذهب أبعد من ريغان فيما يخص التأكيد على القيم الدينية ورغم العلاقات الوثيقة التي أقامها بين البيت الأبيض واليمين الديني، فإن مثل هذا التوجه ليس «حدثاً معزولاً».

ولكن ينبغي البحث عنه، حسب تحليلات المؤلف، في الجذور التاريخية للأمة الأميركية.وتتم المفارقة في هذا السياق بين جورج دبليو بوش والرئيس الأميركي الأسبق تيودور روزفلت.

نقرأ: «إن سنوات 1900 تشابه إلى حد كبير سنوات 2000». ومن وجه الشبه القول ان الرئيسين كانا، كليهما، من أنصار «النزعة التدخلية» لأميركا في العالم؛ وشبه آخر فيما يخص العلاقات بين المال والمجتمع في الحقبتين، وكذلك الانتقال إلى مجتمع رأسمالي في بدايات القرن العشرين وإلى قضية «انرون» في ظل رئاسة جورج بوش.

وفي الحالتين أيضاً كان هناك تركيز كبير على القيم الأخلاقية والدينية أكثر مما هو التعرّض إلى المشكلات الداخلية الكبرى التي «لم تواجهها إدارة بوش أبداً».

ويشرح المؤلف على مدى صفحات عديدة الأسباب العميقة لحالة الاستياء القائمة في المجتمع الأميركي اليوم. ويرى أن الخوف المتعاظم لـ «شرائح كبيرة من فقدان أعمالهم والرهانات الاقتصادية والاجتماعية المرتبطة بالأزمة المالية الأميركية تشكل عوامل جوهرية في هز استقرار المجتمع الأميركي.

ويتم التأكيد في هذا السياق أن الإرادة المعلنة للعودة إلى صيغة ما من «إجراءات الحماية» تشكل إحدى الحقائق الأساسية التي يعيشها الأميركيون وهي التي توجه إلى حد كبير سلوكهم السياسي وبالتالي الانتخابي.

وفي المحصلة يصل المؤلف إلى القول ان «صيانة العقد الاجتماعي» الأميركي تتطلب «المحافظة على الدور المالي الكبير للسلطات العامة»، وذلك بسبب «العولمة» وما رافقها من تحولات.

المؤلف في سطور

يحمل يانيك ميرور شهادة الدكتوراه في العلاقات الدولية من جامعة بوسطن الأميركية، وهو أخصائي بالتاريخ الأميركي الحديث وهو مؤسس ورئيس تحرير مجلة «السياسة الأميركية». عمل لفترة من الزمن مع الشركة الأميركية «كامبردج للطاقة» قبل أن يتحول نحو الدراسات والنشر. له العديد من الدراسات في مجلات ودوريات دولية مختصة. هذا هو كتابه الأول.

الكتاب: ما بعد بوش: لماذا لن تتغير أميركا ؟

تأليف : يانيك ميرور

الناشر: شوازول ــ باريس 2008

الصفحات : 256 صفحة

القطع: المتوسط

Après Bush : pourquoi I' Amérique ne changerapas

rueriM kcinaY

8002 siraP-luesiohC

652.P