«المعركة الأكبر» موضوع هذا الكتاب هي معركة موسكو التي استمرت ما بين نهاية شهر سبتمبر 1941 ونهاية شهر أبريل 1942. وقد كانت من أضخم المعارك التي شهدتها الحرب العالمية الثانية وتواجهت فيها جيوش أدولف هتلر النازي مع قوات جوزيف ستالين سيّد الاتحاد السوفييتي (السابق) آنذاك.

وعنوان «المعركة الأكبر» لم يختره المؤلف جزافا، كما يقول، ذلك أنها كانت «الأكثر قتلا» و«الأكثر حسما» في الحرب العالمية الثانية. بل شكّلت المنعطف الحقيقي في تلك الحرب، كما يدل العنوان الفرعي للكتاب: «ستالين وهتلر الصراع المرير من أجل موسكو، تلك المعركة التي غيّرت مجرى الحرب العالمية الثانية». جرت تلك المعركة، كما يتم وصفها، في أقسى الظروف المناخية خاصة أثناء شتاءات موسكو الثلجية وقد اشترك فيها ما يزيد على 7 ملايين شخص وبلغ عدد الخسائر فيها حوالي 5 .2 مليون نسمة. وبهذا المعنى لم تكن المعركة الأكبر في الحرب العالمية الثانية فحسب، ولكن أيضاً في التاريخ الإنساني الحديث كله. وكانت نتيجتها هي التي حددت، إلى درجة كبيرة، الفائز والخاسر في تلك الحرب.

وما يشير إليه المؤلف في بداية تحليلاته هو أن معركة موسكو، التي تفوق في أهميتها الإستراتيجية والسياسية المعارك الأخرى التي شهدتها الحرب العالمية الثانية في ذلك ما يسمّى ب«ملحمة سان بطرسبورغ» أو معركة «كورسك» الشهيرة، لم تلق أي معركة موسكو- الأهمية التي تستحقها من اهتمام المؤرخين إلا في حالات نادرة، بل ولم يأت أحد على ذكرها إلا مرورا.

ولا يتردد المؤلف أن يشير بأصابع الاتهام لأولئك الذين يسميهم بـ «المؤرخين الرسميين» الذين يزعجهم تقديم توصيفات «تفصيلية» لتلك المواجهة «شبه المباشرة بين دكتاتورين هما ادولف هتلر وجوزيف ستالين».

إن مؤلف هذا الكتاب وبالاعتماد على مختلف الأراشيف التي جرى فتحها مؤخرا لاطلاع الرأي العام عليها، وبالاعتماد أيضاً على مجموعة هامة من الشهادات التي قدّمها أولئك الذين لا يزالون على قيد الحياة ممن خاضوا تلك المعركة، يقدّم معلومات يتمّ عرضها للمرة الأولى على نطاق واسع لتلك الأشهر السبعة من «الصراع الوحشي الذي لم يعرف الحدود». ولا يتردد في أن يتجاوز جميع المحظورات التي فرضتها «مقتضيات المصلحة العامة» أثناء فترة الحرب الباردة.

وتشير المعلومات المقدمة في هذا الكتاب إلى أنه يوم 22 يونيو 1941 وعند الساعة الثالثة صباحا فاجأ الألمان الروس في العملية المعروفة باسم «بربروس». كانت هناك تقارير روسية تشير إلى أن وقوعها كان وشيكا لكن ستالين لم يصدّقها بينما كان قد قام بعمليات تصفية عديدة داخل صفوف الجيش. فبالإضافة إلى «إزاحة» المارشال توخاتشفسكي، المعروف بـ «أب الجيش الأحمر»، جرى التخلص أيضاً من ثلاثة مارشالات من أصل الـ 5 في الجيش السوفييتي و13 من أصل 15 قائدا للجيوش و8 أميرالات و50 من أصل 57 من قيادات الوحدات العسكرية الكبرى.

فقد الجيش الروسي إذن قياداته «رؤوسه» وكان سيئ التجهيز بالأعتدة ويعاني من قلّة الأسلحة. بل ويؤكد المؤلف أنه كانت هناك بندقية واحدة لكل عشرة جنود في بعض الوحدات العسكرية. كانت التعليمات واضحة هي أن الجنود العزّل من السلاح يتبعون الجنود المسلّحين كي يأخذوا سلاحهم في حالة سقوطهم قتلى. وكان ستالين مشغولا بعمليات التصفية داخل الجيش الأحمر.

لقد وصلت الدبابات الألمانية آنذاك إلى بوابات موسكو في شهر أغسطس من تلك السنة 1941. كانت موسكو هي عقدة المواصلات والمركز الصناعي للبلاد. لكن وأمام دهشة الجنرالات الألمان رفض هتلر متابعة الهجوم، وقال لهم: «أريد الاستيلاء على أوكرانيا بحيث لا يستطيع أحد أن يجعلنا نجوع.

كما جرى أثناء الحرب الأخيرة». هكذا غيّر الهجوم الألماني من وجهته باتجاه كريمي ودونتيز جنوبا ونحو لينينغراد شمالا. كانت وجهات النظر متباينة تماما بينه وبين جنرالاته الذين كانوا يريدون متابعة الهجوم على موسكو. وبكل الحالات كان الفوهرر، هتلر، كما يقدمه المؤلف «يحتقر كثيرا التردد الأبدي» لجنرالاته. لكن في تلك المرة يؤكد اندرو ناغورسكي بشكل قاطع قوله: «في تلك الأيام خسر هتلر معركة موسكو والحرب في روسيا والحرب كلها». كان هتلر وجنرالاته يحاربون على جبهتين.

كانت موسكو «تنتظر بقلق». وساد الهلع بين صفوف أهلها الذين هربوا، بما توفر لديهم وسائل نقل، إلى مناطق روسيا الأخرى. ويصف المؤلف يوم 16 أكتوبر 1941 بالقول: «ليس هناك أي يوم آخر يكذب بهذا الشكل القاطع أسطورة الشعب البطل وحسّه الوطني العالي». وكانت موسكو قد «فقدت» في شهر يناير 1942 نصف سكانها.

كان هتلر وستالين «يحتقران» كلاهما، جنرالاتهما، وكان كل منهما يعتبر نفسه «الاسكندر في العصر الحديث». وفي مطلع عام 1942 وصل 000 400 جندي سوفييتي قدموا من الشرق، من سيبيريا. كانوا يألفون البرد وقد غيّروا الموازين تماما.

ويرى المؤلف أن «بقاء ستالين في موسكو بينما كان الجزء الأساسي من الدولة قد غادرها، واستماعه لآراء جنرالات من أمثال جوكوف، ورهانه المجنون في تنظيم عرض عسكري في الساحة الحمراء يوم 7 نوفمبر 1941 بمناسبة الذكرى 14 للثورة البلشفية، رغم مخاطر القصف، هذه أمور أعادت كلها للسوفييت المعنويات». بنفس الوقت كان الجنود الألمان في المواجهة يحسّون بـ «التخلّي» عنهم، هذا بالإضافة إلى هلعهم أمام موجات المشاة الروس الذين يهاجمونهم دون أي اعتبار للموت الذي ينتظرهم.

في المحصلة الأخيرة يقول المؤلف «لقد انتصر الروس في المعركة بسبب أخطاء هتلر ورغم ستالين».

المؤلف في سطور

عمل اندرو نوغورسكي، مؤلف هذا الكتاب، صحافيا لمدة ثلاثين سنة في «النيوزويك». وتولّى إدارة مكاتب هذه المجلة في العديد من عواصم البلاد وعلى رأسها موسكو وروما وبون ووارسو وبرلين وهونغ كونغ. ويعمل الآن مديرا للقسم السياسي في «معهد الشرق والغرب» في نيويورك.

الكتاب : المعركة الأكبر

تأليف : اندرو نوغورسكي

الناشر: سيمون وشوستر ــ نيويورك 2008

الصفحات: 384 صفحة

القطع: المتوسط

The greatest battle

Andrew Nogorski

Simon and Schuster 8002 kroY weN

P.384