«الاحتباس الكوني» كتاب عن العلاقة بين احتياجات البشر والموارد المحدودة التي يختزنها الكوكب الأرضي. هذه العلاقة كانت قائمة باستمرار منذ بدايات التاريخ وتنطرح في هذه الفترة بحدّة أكبر نظرا للتزايد الديمغرافي المتعاظم كإحدى ثمرات التقدم العلمي وثورة التكنولوجيات وفي مقدمتها التكنولوجيات الطبية.
وما يؤكده المؤلف منذ البداية هو أن «التسارع الكبير في استهلاك موارد الطبيعة وثرواتها لا بد أن يؤدي ذات يوم إلى «قطيعة». وربما إلى «تغير عميق في سلوكيات البشر» ويدرس المؤلف على مدى صفحات عديدة المكونات الاجتماعية لظاهرة الخلل الناجمة عن تزايد الحاجات الإنسانية ومحدودية موارد الطبيعة. إنه يؤكد على أن هذا «الخلل» سوف يتحول «لا محالة» ذات يوم إلى مشكلة حقيقية، ولكن دون أن يقول متى. ذلك على أساس أن ذلك يتعلق بالوسائل والأدوات الثقافية التي تمتلك عليها البشرية من أجل مواجهة النضوب المتزايد للموارد الطبيعية. كما يتعلق بالإمكانيات الأخرى «المحتملة» التي قد تتاح للجنس البشري.يتألف هذا الكتاب من عشرة فصول تحمل العناوين التالية ذات الدلالة على مضمونه: «الترقب والتنبؤ» و«البحث عن قناعات ثابتة» و«الانفكاك من الاحتباس» و«توقعات أشكال السلوك الإنساني» و«بنى اجتماعية» و«تطورات وأزمات» و«عدم التأقلم مع حالة الاحتباس» و«بروز المواجهة» و«مشكلة الغايات والفعل» وأخيرا «سياقات ظرفية».
إن المؤلف وعلى مدى هذه الفصول كلها، يحلل بأشكال مختلفة وفي سياقات متنوعة، واقع أن العالم، كما يراه، قد غدا «صغيرا جدا» وبالتالي تغدو «الإنسانية مهددة بالانفجار البيئي والاقتصادي والاجتماعي».
وهذا التهديد يتعاظم أكثر فأكثر بسبب ترافق ظاهرة الزيادة الكبيرة في عدد سكان العالم مع الإسراف الكبير لثروات الأرض من جهة ومع تلويث البيئة «بكل الاتجاهات» من جهة أخرى.
مثل هذه المعادلة «المختلّة» لا بد أن تؤدي إلى الكارثة النهائية. وإذا كان المؤلف لا يحدد بدقة زمن وقوعها، لكنه يشير بأشكال «مواربة» أنها قد تقع بعد قرن أو قرنين، أي في واقع الأمر «غدا» بالنسبة لتاريخ إنسانية عاشت مئات الملايين من السنوات. ولهذا تجد الإنسانية نفسها في حالة «احتباس كوني».
ويعني بهذا «الاحتباس» أن الإنسانية لا تمتلك واقعيا أية وسيلة من أجل «الهروب»، بأعداد كبيرة، من الكوكب الأرضي الذي تعيش عليه منذ البداية. لكنها بسبب هذا الواقع أيضا، تواجه محدودية موارد الطبيعة على أصعدة الطاقة والمواد الأولية والمواد الغذائية والمياه الصالحة للشرب وفي المجالات القابلة للعيش فيها.
هذا «الانحسار» الذي تعيشه البشرية اليوم على مختلف هذه الأصعدة، يولّد حالة من «التوتر» لا يمكنها بدورها أن تتعاظم دون أن تصل إلى حالات من «القطيعات» التي تلوح في الأفق. ذلك إلا في حالة واحدة هي أن يغيّر البشر المعنيون أولا وأساسا من سلوكياتهم بشكل جوهري.
ومن المطلوب أن يكون مثل هذا «التغيّر» جماعيا وممنهجا. إن عدم رؤية مثل هذا المنظور يشكل، برأي المؤلف، نوعا من «قصور النظر». من الملاحظ أن مؤلف هذا الكتاب لا يضع أية آمال مستقبلية في التكنوجيات ولا يتردد في توجيه إدانات صريحة واضحة للنهج الليبرالي الجديد الذي لا يضع أهدافا أخرى سوى تحقيق معدلات كبرى في النمو الاقتصادي .
ويحدد المؤلف القول انه ربما سيكون بمقدار الأرض التي نعيش عليها تأمين الغذاء لتسعة مليارات من البشر، ومثل هذا العدد متوقعا على أساس معدلات النمو السكاني الحالية والقادمة، في أفق عام 2050 لكنه يؤكد بنفس الوقت أن مثل الأمر لن يكون ممكنا إذا كان المطلوب هو تأمين قدرا من الموارد لكل فرد في العالم مثلما يتصرّف عليه أوروبيو اليوم، وتصبح المسألة أخطر إذا جرى أخذ المواطن الأميركي كمقياس.
النتيجة التي يؤكد عليها المؤلف هي أن المحافظة اليوم على مستوى حياة متميّز بالنسبة للبعض لا يمكن أن يتم سوى على حساب آخرين، بتعبير آخر سوى على بؤس آخرين.وفي المحصلة يجهد المؤلف في أن يقدّم، عبر هذا الكتاب، توصيفا «علميا» قائما على المعطيات والأرقام لحالة العالم اليوم، بعيدا عن «التفاؤل» أو «التشاؤم». ويترك بعد ذلك للقارئ أن يطرح على نفسه، وعلى الآخرين إذا استطاع، السؤال التالي: إلى أين يمضي هذا الكون الذي نعيش عليه؟
بمعنى آخر يكتب المؤلف من موقع «المراقب» العارف الذي عمل لسنوات طويلة في «رصد الأجواء». لكن هذا لا يمنع واقع أن النتائج التي يتوصل إليها مثيرة «للقلق» حيال الإرث الذي تتركه الأجيال الحالية للأجيال القادمة.
وينبئ الأفق الذي يقول به بإمكانية «تقهقر» المجتمع الإنساني وتحلل الروابط داخل المجتمعات والعودة إلى نوع من الحياة القبلية، مع فارق كبير عن قبائل الماضي وهو ما توفره التكنولوجيات اليوم من أسلحة تدمير وتقتيل متقدمة.
الكتاب: الاحتباس الكوني
تأليف: اندريه لوبو
الناشر: غاليمار ــ باريس 2008
الصفحات: 304 صفحة
القطع: المتوسط
L'enfermement planétaire
André Lebeau
Gallimard - Paris 2008
P.304