توقف الكثير من القراء عند كتاب المذكرات الفريد الذي أصدرته الروائية الأميركية كيم بارنز قبل سنوات بعنوان «في البرية» عن النشأة في غابات أيداهو الهائلة، حيث تشكل الجغرافيا والعزلة ملامح الحب والعائلة. وهؤلاء القراء أنفسهم كانوا الأكثر حماساً لاستقبال روايتها الجديدة «بلد اسمه الوطن»، حيث تعود إلى هذه الأراضي لتروي أحداث رواية فريدة تحكي عن الأمل والمثالية، عن الإيمان والجنون، ولكنهم بالقطع لم يكونوا وحدهم في هذا الحماس.

في مستهل الرواية، سنجد أنفسنا في الستينات من القرن العشرين، ذلك العقد العجيب والفريد من نوعه، الذي شهد إنهيار عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية، ونهضة عالم حافل بالمخاطر وبالوعود والآمال أيضاً.

ونحن نلتقي، في مستهل الرواية أيضاً، مع هيلين وتوماس ديراكوت، الشابين الأميركيين اللذين تخليا عن مستقبل مضمون في إطار النخبة الرفيعة من أبناء كونيكتيكت، ومضيا إلى رحاب مغامرة مثالية في برية ايداهو، حيث يشتريان مزرعة يكتشفان أن مبانيها متداعية، وحقولها مدمرة، ولكنهما لديهما خيمة ونهر مفعم بالأسماك وأرض فسيحة مليئة بالخضر والفواكه البرية.

بسرعة تتعلم هيلين، التي تعاني من متاعب الحمل، كيف تعد القهوة على نيران الحطب في الهواء الطلق، وتمضي مع توماس لإعادة تشييد أبنية المزرعة.

وعلى الرغم من أن توماس، الذي تخرج من كلية الطب في جامعة يال، يكتشف أنه ليس بارعاً في استخدام المطرقة أو البلطة، إلا أن ماني، وهو فتى من أبناء المنطقة في الثامنة عشرة من عمره وبلا عائلة، يبرهن على أنه مفيد للعائلة الشابة، حيث يوافق على إدارة الحقول لقاء غرفة يقيم بها وطعامه وشرابه. وهكذا يحملهم التفاؤل والرغبة في حياة أفضل على المضي قدماً في أيامهم الأولى الحافلة بالمتاعب في المزرعة.

لعل أبرز ما في هذه الرواية أن كيم بارنز تذكرنا على امتداد صفحاتها بما يعنيه أن يكون المرء شاباً في مقتبل العمر وعاشقاً، وهي توضح لنا إلى أي حد يبدي الناس استعداداً للمضي حتى نهاية الشوط تجنباً للعزلة وسعياً وراء الخلاص في رحاب العائلة.

عندما تلد هيلين ابنتها إيليس، يبادر ماني إلى القيام ببذل المزيد من الجهد في الدار والمزرعة على السواء، ولكن ذلك لا يحول دون شعور هيلين بالارهاق الشديد وأن العبء الواقع على كاهلها أكثر مما تستطيع احتماله أو التعامل معه، وهكذا فإنها تعود إلى ما اعتادته من تمرد، وتجد نفسها منجذبة بقوة إلى ماني، وتترتب على صلتهما نتائج مروعة لكل الأطراف المعنية، خاصة بالنسبة لهيلين نفسها وبالضرورة بالنسبة لإيليس. ولكن الخلاص لا يأتي سهلاً ولا يسيراً.

يشكل غرق هيلين بينما لا تزال إيليس طفلة صغيرة المنعطف الكبير الذي ينتهي به الجزء الأول من الرواية، بفتح المجال لجروح تظل بعيدة عن الاندمال مع انطلاقنا في قراءة الجزء الثاني.

في هذا الجزء سنلتقي إيليس في عامها السادس عشر، لنجد أن ماني يتولى مهام تعليمها في الدار إلى جانب قدر لا ينتهي من الأعمال في الدار والمزرعة أيضاً، بينما يمارس أبوها مهنة الطب التي كان قد هجرها مؤقتاً.

تخوض إيليس غمار مغامرات مروعة، تنتهي بها في مؤسسة للعلاج النفسي، بعد محاولتها الانتحار بتجويع نفسها حتى الموت.

وفي غضون ذلك كله، لا يملك القارئ إلا التوقف عند نثر بارنز البديع، الذي توظفه باقتدار هائل خاصة في وصف المشهد الطبيعي لبرية ايداهو المذهلة.

يتوقف القارئ أيضاً عند تلك الرقة المدهشة في رسم بارنز للشخصيات، وبصفة خاصة شخصيات سكان بلدة فايف، الذين يخففون مشاعر الوحشة والألم والعذاب عن الابطال الذين تجتاحهم هادرة التطورات المدهشة للحبكة.

وعلى مهل تصلنا رسالة بارنز، فكل شخص هنا يعاني بطريقته الخاصة، في غمار التوق إلى الحب والسعي إلى ملء الفراغ ببدائل متنوعة غالباً ما تحمل الضرر معها.

ومع حلول الوقت الذي يولد فيه طفل آخر بعد حمل تواصل في ظروف مفعمة بالخطر في الغابات، فإن الكثير من القراء سيتوقفون لتأمل ضروب التوازي المتعدد والمحكمة في الرواية، والتي تجتذبنا ببروزها عبر موضوعات الحنين والفقدان والبحث عن الخلاص.

وعلى الرغم من أن كيم بارنز لم تتردد في تأكيد مقاومتها لاصطلاح الأدب الإقليمي، إلا أن كتاب الغرب الأميركي والمهتمين به قد أبدوا اهتماماً فائقاً بروايتها.

هكذا فإننا نجد أن برادي أودال مؤلف رواية «حياة إديجار مينت العجائبية» يبادر إلى القول: «إن رواية كيم بارنز الجديدة رواية مركبة على نحو رائع، تشير على التوالي إلى كل ماله أهمية: العائلة، الولاء، الدين، الذاكرة والحب».

ويقول مارك سبراج مؤلف رواية «حياة غير منتهية» بدوره: « انتهيت من قراءة هذه الرواية منذ بعض الوقت لكنني لم أستطع الابتعاد عن التجربة التي تتناولها».

ويقول وليام كيتردج مؤلف رواية «بستان الصفصاف» إن «رواية (بلد اسمه الوطن) هي نسيج من الحنين الإنساني، وتتسم بالدقة في تصويرها للطرق التي يتراكم بها، وهي انسانية دائماً ومحيرة وتكسر الفؤاد غالباً، ولكنها في نهاية المطاف تمنحنا الشجاعة والتفاؤل.

وعلى الرغم من الانطباع السائد لدى بعض القراء بأن روايات الغرب الأميركية هي روايات إثارة وتسلية ومغامرات قبل أي شيء آخر، فإن رواية كيم بارنز قد تدفع الكثير من القراء إلى تغيير هذا الاعتقاد.

الكتاب: بلد اسمه الوطن

تأليف: كيم بارنز

الناشر: نوف نيويورك 2008

الصفحات: 228 صفحة

القطع: المتوسط

A Country Called Home

Kim Barnes

Knopf, N.Y., 2008

P.228