يقدم الكاتب والصحافي السوري نذير جعفر في كتابه «مرايا التلقي ـ قراءات في القصة السورية» تجربة كتابية جديدة على المستوى النقدي الأدبي في سوريا حيث لم يشتغل احد من قبله - في سوريا- على هذه النوعية من الكتابة، تماما مثلما فعل جعفر في آخر كتاب له «تحت سقف واطئ» وهو رواية جريئة تتحدث عن المرحلة الحساسة جدا في سورية تعرف بمرحلة الثمانينيات - القرن المنصرم. ومن المعروف ان تلك المرحلة كانت مثقلة بالهموم والشجون حيث كانت الاعتقالات سيد الموقف خصوصا في الأوساط النخبوية (طلاب الجامعات، والنقابيين، ومناصري الأحزاب).

ويؤكد المؤلف في المقدمة: لا يدّعي هذا الكتاب الإحاطة بالمشهد القصصي السوري، أو تقديم تأريخ أو توثيق له، إنما يحاول أن يقدّم قراءات (مرايا) نقدية تطبيقية في نماذج منه مستلهما بذلك معطيات المنجز النقدي الحديث، ومفاهيمه، وأدواته الإجرائية. ويوجه جعفر خطابه إلى إبراهيم صموئيل ويقول: «إذا كان العنوان هو المفتاح التقني والعتبة للنص بما يؤديه من وظائف انتباهية، واغوائية وتسويقية وجمالية فان الاستهلال هو بؤرة التحفيز الاستباقي لما ينطوي عليه من أهمية بالغة في جذب المتلقي وتشويقه وحثه للمضي في القراءة والولوج في تلافيف النص». وبحسب المؤلف ان تناغم العنوان مع الاستهلال والخاتمة سمة فنية بارزة في قصص إبراهيم صموئيل. أما عن احمد عمر فيرى جعفر بأنه تمكن من تقديم البيئة والشخصيات وأشكال الصراع عبر تقنيات فنية مختلفة، فهو ينوع في طرق السرد فينتقل من الغائب إلى المخاطب ومن المخاطب إلى المتكلم مما يثير اهتمام المتلقي ويلفت انتباهه.

وعن الكاتب حسن حميد يرى جعفر بأنه لا يتوقف انحيازه لأبطاله على المستوى الإيديولوجي فحسب، وإنما يتعداه إلى المستوى الفني أيضا. ويبرر هذا الانحياز أيضا عبر النزعة التبشيرية الحادة لصوت الكاتب لا الراوي. أما قصص عبدالحليم يوسف، خصوصا «الرجل الحامل» إذ تقدم نفسها صوتا جديدا في مسيرة القصة القصيرة السورية. وهو ينوع في طرق السرد.

فيما يرى جعفر ان عبدالكريم المقداد فان الأخير في مجموعته الأولى كان مجربا لكل ألوان القص وملما بتقنياته، وملفتا للانتباه في كثير من قصصه التي تباينت في مستوياتها بين محاكاة تجارب الآخرين ومحاولة إثبات حضوره وخصوصيته. في حين يعتمد القاص عبدو محمد في قصصه على الأمثولة الشعبية خصوصا وان الأكراد يملكون تراثا شفهيا غنيا.

اما عن فواز حداد حيث يلاحظ انه يطغى في قصصه أكثر من الهم السياسي/الثقافي، والهم الاجتماعي، والهم الوجودي. ومحمد أبو معتوق حيث يلعب بالأسرار.. والكلمات. معتوق لا يضع ثقته بالنص الذي يسرده بالقدر الذي يضع فيه هذه الثقة بالمتلقي الذي سيمنح نصه الحياة فيكل قراءة جديدة يقترب فيها روحه ومعناه ومغزاه.

وهذا الكلام لا ينطبق على محمود الوهب الذي يفصل الخيط الرفيع بين الواقع والفانتازيا في قصصه(مثلا) على المستوى الفني تنوس بين النزعة الواقعية والرمزية والفانتازيا، وتخلص في مجملها لمفهوم الحبكة وما تشتمل عليه من عناصر الإثارة والتشويق.

ويعلق جعفر على أعمال نيروز مالك ويقول بان ملامح الاتجاه الواقعي يحكم في إبداعاته. يمكن القول ثمة شبه بينه وبين وفواز حداد.

و يرى جعفر بان وليد معماري قدم قصصا متنوعة وغنية في موضوعاتها وأحداثها وشخصياتها وتقنياتها الفنية بعضها يعلق في القلب والذاكرة، وبعض الآخر يمر مرور السحاب. وما هذه القراءات سوى مدخل لملامسة أجوائها العامة وخطوطها العريضة، وفتح باب الحوار عنها ومعها في قراءات أخرى.

والحق أن هذه القراءات قد التفتت إلى العتبات النّصية بشكل خاص، بعدما غيّبت طويلا عن التناول النقدي. كما التفتت إلى البنية الكليّة للنّص، محاولة تبيان مدى اشتغال كل عنصر فيها على تحقيق التناغم والانسجام النّصي معنيً ومبنيً. إنها قراءات متلقٍ واحدٍ بمرايا متعدّدة، وكل مرآة لا تعكس النّص ذاته بقدر ما تعكس دلالاته في وعي هذا المتلقي الواحد/ المتعدّد.

المؤلف في سطور

نذير جعفر كاتب وناقد سوري-حلب يحمل إجازة في اللغة العربية ؟جامعة حلب ودبلوم الدراسات العليا في اللغات السامية-جامعة حلبكان سكرتيرا لمجلات مثل: مجلة البيان الكويتية- سلسلة «إشراقات» الصادرة عن منتدى المبدعين في الكويت وشارك في لجان تحكيم لعدد من الجوائز الأدبية له عدد من الكتب مثل:- رواية القارئ-نقد-دار شرقيات ؟القاهرة1999 وجماليات السرد وبلاغة المعن وقراءات في عالم ليلى العثماني الروائي والقصصي-إعداد وتحرير الكويت 2004 وملامح من المشهد القصصي والروائي في الكويت ورواية تحت سقف واطئ.

الكتاب: مرايا التلقي قراءات في القصة السورية

تأليف: نذير جعفر

الناشر: دار نون ــ حلب 2008

الصفحات : 103 صفحة

القطع: المتوسط

فاروق حجي مصطفى