بشرى عبدالله تلاحق قطرة ماء نازلة وقد اصطبغت بلون الورقة النازلة منها فمنحت اللون الأخضر بُعداً شفافاً تغلب على قتامة الصحراء المتروكة واكتنزت في هذه القطرة الوحيدة سر الحياة وديمومتها.

لحظة الكاميرا لحظة استثنائية في استقطاب اللقطة المطلوبة وتوثيقها. ويمكن اعتبارها لحظة حياة بارقة وخاطفة أمام العدسة. لذا تُعد مثل هذه اللحظات خاطفة في شريحة من شرائح الحياة العابرة؛ وسيبدو المصور البارع هو من يمسك في استثنائية ما هو عابر أو الذي لا تقع عليه الأنظار عادة. وهذه الصور المنتقاة من الطبيعة والبيئة لا تخرج عن هذا الإطار التوصيفي العام؛ غير أنها امتلكت حساسية عين ماهرة ومدربة في استقطاب المنزوي من الطبيعة أو الاستثنائي منها أو العابر فيها خاصة في موضوع البيئة وما تفرزه من مفارقات يومية سلباً وإيجاباً. جمعية الإمارات للتصوير الضوئي نشرت عدساتها هنا وهناك في محاولة حصر هذه الجوانب من منظار غير مباشر عبر عدد من المصورات والمصورين الإماراتيين الشباب في محاولة جذابة لتقديم النوع الفوتوغرافي الإبداعي وهو يحاكي البيئة ويقتنص منها الخفي، غير الظاهر، أو الظاهر المعلوم في ثنائية تصويرية نظنها نجحت في الإحاطة إلى حد ما بمثل هذه المشكلات البيئية ولكن هذه المرة جرى كل شيء تحت الضوء، ففي الضوء كلام كما جاء في شعار العرض، والكلام هنا صورة واضحة اكتسبت حريتها في التنقل بين تضاعيف البيئة وتشكلاتها المثيرة.

قطرة ماء... إذا كان «سيف حميد الزري» يمنح الصحراء بُعداً شبيهاً بالخيال من خلال جسدها وتكويراته الصلبة في المساحات المقفرة الشاسعة فإن «بشرى عبدالله» تلاحق قطرة ماء نازلة وقد اصطبغت بلون الورقة النازلة منها فمنحت اللون الأخضر بُعداً شفافاً تغلب على قتامة الصحراء المتروكة واكتنزت في هذه القطرة الوحيدة سر الحياة وديمومتها، غير أن «خولة شريف» تمسك بلحظة أخرى معاكسة لقطرة زميلتها حينما ترى اللون الأخضر وقد زحف عليه وباء خارجي فترسب بين أوراق صغيرة جاهدت أن تبقى على قيد الحياة حتى لحظة التصوير، فيما ذهبت «أسماء أحمد درويش» إلى معاضدة برعم ناتئ طلع إلى الحياة من جسد متخشب فأورق كي ينمو رغم معضلات بيئوية تحيط به في صورة شعرية أسبغت جواً من الألفة والحميمية على برعم الحياة الجديد؛ غير أنها تعود ثانية لتمسك بجو آخر فيه من الغرابة الشيء الكثير، فبدا كأنه محرقة هندوسية فيما ألمحت الصورة إلى تكدس أزبال ونفايات، لكن المحرقة بافتراضاتنا أنبأت عن طقس هندوسي قد لا تقصده المصورة وهي تنتقي لقطاتها هنا وهناك في أروقة البيئة الكثيرة.

ألوان البيئة... يذهب «حامد بدر مشربك» إلى البيئة عبر محورين ولقطتين، ففي الصحراء يجد شجرة يتيمة لكنها تغالب الجفاف بثباتها وفي القرية يجد القصب الأخضر الكثيف والماء الجاري. فتوثق عدسته لونين هما الأصفر المحمر والأخضر الفاقع وكلاهما ينتميان إلى بيئة معينة، فاللون الأول يحاكي هجير الشمس واحتمالية نمو الحياة فيه والآخر يحاكي القرية ونموها المتدفق عبر القصب الذي أضفى لمسات جمالية غاية في الدقة والتنوع والإبهار. أما «عمار محمد العطار» فاستهواه غروب البحر كبيئة لازمة لوجود الحياة وفي تشكل رمزي متآلف فيه من الشفافية والرومانسية الشيء الكثير، بينما عمدت «لبنى جاسم حبش» إلى المراقبة الدقيقة لفراشة صغيرة عبر خطين طوليين كأنهما شارعان مستقيمان يخترقان صحراء حمراء ولعل الألوان التي صبغت أجنحة هذه الفراشة الصغيرة هي ما يجب الانتباه إليه في هذا التجمع اللوني الطبيعي الذي يحيطه صمت وسكون.

الخليج الأزرق

يغرم «بدر عبدالله العوضي» باللون الأزرق وهو لون الخلجان عادة لكن من زاوية تتبع الخط الأزرق من نهايته وحتى امتداده عبر الأفق البحري والتحامه بالغيوم المارّة في السماء، غير أن لوحته قد لا تريد أن تقول هذا تماماً لأننا ابتعدنا إلى عمق اللوحة، لكنه أراد التنبيه إلى تنامي الطحالب والأشنات على الصخور وكل ما هو ضد البيئة والطبيعة، ولو استدارت عدسته إلى اليمين قليلاً لوجد تناسقاً لونياً أخاذاً بين صخور العين القريبة وبين صخور العمق البحري التي لم يلتقط إلا إلى حوافها البعيدة، وربما شغلته لحظة البيئة ومشاكلها أكثر مما شغلته الألوان الجميلة التي ترسبت على الصخور.

فيما «علي عبدالحسين النعيمي» يكشف عن إمكانية أخرى في اقتناص لقطة متناظرة يفترعها اللون الأزرق وهو لون السماء والبحر واللون الرمادي الذي تمثله الغيوم القادمة كما تمثله الصخور القريبة من عين اللوحة. قوة هذه اللقطة من قوة الطبيعة التي تنبئ عن احتدام محتمل تقوده أفواج من الغيوم المنتشرة على مساحة واسعة من عمق اللوحة وهي تتجه إلى اتجاهات مختلفة. بينما «حمدان بطي الشامسي» يتجه إلى لقطة عمودية علوية كشفت جانباً من جوانب البيئة التي تتعرض إلى التلوث بطرق شتى.

على أن «عبدالعزيز بن علي» ينبئ عن قوة خيالية إبداعية في لقطتين متوازيتين تبتعدان عن بعضهما كلياً لكنهما تقتربان من زاوية النظر الواحدة. وهي زاوية فنية في الأغلب رغم أنه أراد الإشارة إلى التلوث الواضح في البيئة البحرية والبيئة الزراعية من خلال الجرف الزراعي ونمو الطحالب البحرية على الصخور الساحلية، لكن نجاح لقطتيه يكمن في هذا التوازي الفني في التقاط بيئتين من زاوية نظر واحدة.

ثقافة التصوير

التصوير رسم بالضوء وعالم يأسر كل من وقف على عتباته ليجد النفس مرغمة على سبر أغوار هذا الفن والخوض في لجة متاهاته. ومن هذا العالم الضوئي انبثقت جمعية الإمارات للتصوير الضوئي التي تتخذ الشارقة مقراً لها، لتحتضن المبدعين في مجال التصوير الضوئي من المبتدئين والهواة والمحترفين لتسهم في الارتقاء بمواهبهم وصقلها والعمل على إبرازها ودعمها، إضافة إلى نشر ثقافة التصوير من خلال المشاركة في المعارض المحلية وإقامة علاقات ومعارض مشتركة مع مؤسسات على المستوى المحلي والعربي والإقليمي والدولي.

وارد بدر سالم