فُرض الحج في السنة السادسة من الهجرة، إلاّ أن زيارة الكعبة المشرفة والحج إلى بيت الله الحرام في مكة يعتبر أحد أركان الدين الإسلامي الحنيف التي يتوجب على كل مسلم أداء هذه الفريضة، ولذلك كان لأهل الشام وحلب تقاليدهم الخاصة في الاستعداد لموسم الحج كل عام كما في باقي الدول الإسلامية عبر العصور
جرت العادة في مدينة حلب، أيام حكم الدولة العثمانية، أن يطلب بعض الأشخاص إضاءة إحدى المآذن على حسابهم الخاص، ويطلبوا من جوقة مؤلفة من خمسة أو ستة مؤذنين الإنشاد من فوق المئذنة، ويتم اختيار أقرب جامع لهذا الغرض، وتصعد الجوقة حالما يحلّ الظلام، فيواصلون الإنشاد لمدّة ساعتين أو ثلاث ساعات بدون توقف، وفي غضون ذلك تجتمع النسوة في البيت ويحتفلن بطريقتهن الخاصة، ويستجبن إلى الإنشاد من المئذنة بإطلاق الزغاريد العالية، وينتهي المنشدون من إنشادهم عند صلاة العشاء، إلا أن النسوة يواصلن الغناء والاحتفال عند منتصف الليل، وتضج المدينة كلها بهذا الصخب المفعم بالبهجة عندما ترد الأخبار من قافلة مكة تبشر بعودة الحجاج. يتوجه الحلبيون إلى الحج إلى مكة المكرمة عن طريق دمشق، حيث تلتقي فيها أعداد كبيرة قادمة من بلاد فارس والأقاليم الشمالية، وتعتبر دمشق أكبر نقطة تجمع للحجاج الآسيويين، وتنطلق القافلة إليها بعد انتهاء العيد الصغير مباشرة، ويقود الوالي وكبار القوم موكب القافلة لمسافة أميال عديدة عند انطلاقها من حلب، ويرافق الكثير من الحجاج نساؤهم وأقاربهم إلى مسافة بعيدة، يسود الموكب هرج ومرج أثناء الطريق، وبعد انطلاق القافلة توفر لها الحماية اللازمة من إغارات بدو الصحراء عليها، وقد تتعرّض لشح المياه، عندما تضطرها المشاحنات والاقتتال بين البدو أنفسهم إلى تغيير طريقها المعتاد لتفادي الوقوع وسط القبائل المتنازعة.
كانت تسير بين الجمال خيالة من الرجال وبعض النساء اللواتي كن يرتدين الإزار ويعلو وجه الواحدة منهن نقاب وهن على صهوات الجياد مفعمات بالنشاط والحيوية. ويمر بعد ذلك أفراد الفرقة الموسيقية وهم يعزفون على آلاتهم المختلفة، وتأتي بعدها عربة الوالي ويأتي بعدها الموكب الرئيسي للقافلة. ثم تمر المدفعية ممثلة بمدفعين من النحاس على عربتين خضراوين، وأمامها تصطف مجموعة من الفرسان بأزيائها الحمراء القرمزية. ويلي المدفعين تختروان فارغ خاص بأمير الحج مزيّن بالذهب، يحمله بغلان مسرجان بسرجين أحمرين مزركشين، يتهدّل عن ظهرهما قماش أحمر مطرّز بجدائل وضفائر صفراء. ويأتي خلف التختروان العلماء والمحليون على صهوات جيادهم بأزيائهم الخاصة المميزة بياقات ستراتها العريضة والموشاة بالذهب، وتطوّق طرابيشهم الحمراء لفات شاش مختلفة وهم يرتدون المعاطف القرنفلية اللون المطرزة والموشاة بأشكال جميلة للغاية. ويأتي في مقدمتهم قاضي القضاة بعمامته البيضاء المزينة بشريط ذهبي وخلفه النواب بأزيائهم الرسمية، ثم رجال الدين وعلى رؤوسهم العمائم المختلفة في أحجامها واتساعها وألوانها.
ويلي هذا الموكب المحمل الشريف، يعقبه رتلان من الحرس الخاص ومن ورائهم جنود يقرعون الطبول، ويأتي بعدهم ما يقرب من مئة رجل من البدو الشجعان، يركبون الهجن وهم يتمايلون على ظهورهم ويتسلحون بالبنادق الصغيرة، وتتدلى من جمالهم شرابات طويلة، وتسير خلفهم جمال تحمل صناديق تحتوي حقائب الحجاج وبضائعهم. وكان أبناء دمشق يتزاحمون على أبواب المدينة وهم في أبهى حللهم، فتمر الشخصيات البارزة وهي تمتطي صهوات جيادهم بسروجها المذهبة والنساء تقف أمام المخازن على المصاطب النافرة أمامها والأطفال على أسطحة المنازل والمحلات، فكنت لا ترى بقعة صغيرة ألا مشغولة بالنساء المتلفعات بالأزر الزرقاء والبيضاء وبعضهم يحملهن أطفالهن.
والمحمل هيكل مغطى بقماش مخملي أخضر، كتب عليه بالقصب آيات من القرآن الكريم، يحمله جمل مزيّن بأقمشة مزركشة وجلود جميلة خيطت عليه أصداف صغيرة ومرايا، يرافق أمير الحج من دمشق إلى الأماكن المقدسة في الحجاز، واعتبر شعاراً للسلطان العثماني ورمزاً لسيادته على الحرمين الشريفين. ويمكن أخذ مثال على وصف محمل الحج، كما ورد في كتاب توماس رايت.
حيث يقول: «ثم جاء بعد هذه الخيول المحمل الذي هو عبارة عن سرادق من الحرير الأسود منصوبة على ظهر جمل ضخم للغاية، تتدلى شراشيبه من حوله حتى تصل إلى الأرض وتزين قمته كرة ذهبية، تتدلى منها أيضاً شراشيب ذهبية، وكان جمل المحمل مزيناً بما لا حصر له من الزينات، كالمرايا والصدف وفراء الثعالب وأقمشة الزينة المختلفة.
وكان هذا المحمل يرسل سنوياً لتغطية ضريح النبي محمد (ص) في المدينة من قبل السلطان، ليحل محل القديم الذي تصطحبه القافلة أثناء عودتها إلى دمشق ن ويأتي بعد المحمل الباشا وحراسه وخلفهم عشرون جملاً محملاً، ومن خلفهم تأتي بقية القافلة، وكان مرور الموكب يستغرق أربعين دقيقة تقريباً». «وكان أمير الحج لهذا العام والي طرابلس سنان باشا».
أما الصنجق فهو علم النبي (ص) وكان يحمل على جمل هو الآخر، يمسك به موظف خاص يلبس هنداماً خاصّاً مزركشاً، ويقال: إنه ستارة خيمة عائشة أم المؤمنين، ولم يسمح إلا لقلة من المسلمين بلمسه نظراً لقدسيته، وكان الدمشقيون يحترمون هذين الجملين ويتمسّحون بهما تبركاً.
قافلة متنوعة
موكب قافلة الحج الشامي كان يضم حجاجاً من جنسيات وقوميات مختلفة، يعدّون بالآلاف بين رجل وامرأة، وهم من العرب والفرس والأكراد والتركمان والهنود واليزبك والجرجانيين والشركس والألبان والبيشناق والأفغان، وبعض أبناء جنوب شرق آسيا الذين يأتون براً.
ولأهمية قافلة الحج عيّنت الدولة أميراً عليها والي دمشق وأعفته من جميع الالتزامات تجاه الدولة العثمانية مقابل تأمين القافلة وسلامتها. وقد انشغلت دمشق على المستويين الرسمي والشعبي بقافلة الحج، من حيث إعدادها واستعراضها وتوديعها وإمدادها بما تحتاجه.
فيصل خرتش