قال محمد عبد الوهاب إن صوت فيروز (حاجة تجنن.. صوت زي اللوز).. وأكدت أم كلثوم أن فيروز هي صاحبة الصوت الوحيد الذي سيرثها على عرش الأغنية العربية، واعتبر الرئيس جمال عبد الناصر أن ولادتها خارج مصر تنتمي إلى أخطاء المصادفات.
فيروز هذه التي ولدت في بيروت يوم 21 نوفمبر من عام 1935 كانت في الأربعينات تلميذة صغيرة في مدرسة راهبات مار يوسف، لا تعرف الحساب ولا جدول الضرب، وتحمل اسم نهاد وديع حداد، وكانت أسرتها فقيرة، وهي تقول عن الطفولة: كانت طفولتي سعيدة رغم عدم وجود ما يدعو إلى السعادة، كان بيتنا مؤلفاً من غرفة واحدة وكنا نتقاسم المطبخ مع الجيران، وكنت أرى أبي وهو يلف اللمبة بالجريدة كي يستطيع القراءة ونحن نيام.اكتشفها محمد فليفل، وهو أحد الأخوين فليفل اللذين لحنا النشيد الوطني السوري، حينما كان يجول على المدارس اللبنانية باحثاً عن فتيات لكي يغنين في كورس المعهد الوطني العالي للموسيقا (الكونسرفاتوار). ووظفها في الإذاعة بعدما نالت إعجاب اللجنة الفاحصة براتب قدره (100) ليرة لبنانية، أي ما يعادل واحداً وعشرين دولاراً!
الموسيقار حليم الرومي هو الذي دربها وعلمها أصول الغناء، وهو الذي لقبها فيروز، وفي أبريل 1950 لحن لها أغنية «تركت قلبي» ولحن لها فيما بعد: أحبك مهما أشوف منك، حق الهوى، قلبي لك، يا ورد يا أحمر، يا حمام يا مروح بلدك، ويسعد صباحك والمسا.
وهو الذي عرفها على عاصي الرحباني سنة 1951، وكانت أول أغنية يلحنها عاصي ومنصور الرحباني لفيروز هي (عتاب - 1953)، وفي السنة التالية تزوجت عاصي، ودعاهم الإذاعي المعروف أحمد سعيد إلى مصر، وهنالك شكلت مع المطرب كارم محمود ثنائياً غنائياً، وهذا ما يجهله الكثيرون من المهتمين.
عاصي ومنصور هما ابنا (القبضاي) حنا الرحباني الذي كان العثمانيون قد أصدروا عليه حكماً غيابياً بالإعدام فالتجأ إلى أنطلياس وافتتح مقهى (الفوار)، وكان شهماً ذا أخلاق نبيلة وعاشقاً للفن يعزف على البزق ويغني لأم كلثوم وسيد درويش ومحمد عبد الوهاب.
تلقى عاصي دروسه الموسيقية على يد الأب بولس الأشقر، وكان نبوغه مبكراً بدليل أن المعلم بولس اعطى لتلامذته ذات مرة نظرية موسيقية معقدة اسمها (التيتراكورد) وطلب منهم تفسيرها فلم يستطع أحد منهم ذلك سوى عاصي.
معروف أن ارتباط اسم فيروز بليالي معرض دمشق الدولي لا يمكن أن ينفصم، والحقيقة أن أول مرة أطلت فيها على خشبة مسرح المعرض كانت في سنة 1963 وغنت يومها (الليل والقنديل)، وغنت أيضاً على مسرح الأولمبيا بباريس، وجالت في الولايات المتحدة الأميركية حتى سنة 1981.
حينما بلغت فيروز أوج عطائها وشهرتها أشار الباحث الموسيقي الياس سحاب في دراسة عنها إلى أن حنجرتها الذهبية المتفردة في العالم كانت شاحبة الملامح في السنوات الأولى لممارستها الغناء.. وهذا ما دعا «الأخوين رحباني» ذوي الدهاء الإعلامي الكبير إلى استخدام نفوذهما في الإذاعات الخاصة والعامة لحجب معظم ما غنته فيروز في سنواتها الأولى، وعدم السماح بتسجيل هذه الأغاني وتناقلها.
إن قاموس «المنجد في اللغة والإعلام» يشير إلى أن دستور دولة الرحابنة يتألف من ثلاثة أقانيم هي الله والأرض والإنسان، وقانونها الحرية والعدل والمساواة، وعهدها الكرامة والتضحية والعنفوان، وركائزها الفكر والموسيقى والإبداع، وأركانها عاصي ومنصور وفيروز، ورئيسها الفخري عاصي الرحباني الذي ملأ الدنيا شعراً وألحاناً حتى تاريخ 21 / 6 / 1986 حينما انفجر دماغه ومات، في اليوم العالمي للموسيقى، بعد أن كتب في وصيته «على كل رحباني أن يتعلم الموسيقى حتى ولو لم يمارسها مستقبلاً».
وقُدمت دراسات كثيرة تشير إلى أن زياد مع فيروز شكلا تياراً تجديدياً في الموسيقى العربية يقوم على فهم التفاعل المبدع الذي يحتفي بالحياة والإنسان والفن والشعر. وقدم زياد لفيروز لونين من الألحان، الأول يعتبر امتداداً لمدرسة الأخوين رحباني وفيلمون وهبي، والثاني لونه الخاص المغاير لتلك المدرسة، رغم بقائه متأثراً بها.
يقول زياد عن أسلوب أبيه في التأليف الموسيقي: كتابته سهلة جداً، فتعتقد أن الذي كتبها مؤلف مبتديء، ولكنك تندهش حينما تعزفها وتكتشف أن هذه الكتابة البسيطة والسهلة جداً هي جميلة جداً عند سماعها، وفي دولة الرحابنة أيضاً الياس وريما ومروان وغدي وإلهام وأسامة وغسان وجاد.
إن مسرح الرحابنة علامة فارقة وبوصلة واضحة في توهان بوصلة المسارح التي تحاول التقليد. لقد أفرز أصواتاً مهمة منها صباح وجوزيف صقر وملحم بركات ووديع الصافي ونصري شمس الدين وجورجيت صايغ وهدى حداد (شقيقة فيروز) وغسان صليبا وإيلي شويري ومروان محفوظ.
وتخرج منه مبدعون في العزف والتمثيل والغناء والدبكة وسينوغرافيا المسرح والحياة بكل أبعادها، وقدموا فيه من عام 1960 إلى عام 1977: موسم العز، جسر القمر، بياع الخواتم، دواليب الهوى، أيام فخر الدين، هالة والملك، جبال الصوان، يعيش يعيش، صح النوم، ناس من ورق، ناطورة المفاتيح، المحطة، لولو، ميس الريم، وبترا.
الكتاب : فيروز ودولة الرحابنة
تأليف: أحمد عساف
الناشر: دار الرائي ـ دمشق2008
الصفحات : 304 صفحة
القطع: المتوسط
خطيب بدلة