لم نكن نعرف أنا وأصدقائي (ظاعن شاهين، وعبد الحميد أحمد، وحسين درويش) اسم أول مقهى في الكويت التي كنا في زيارة لها، بالصدفة عثرنا على كتاب فريد ومتميز ونحن نطالع عناوين الكتب في مكتبة على قارعة الطريق.
انتبه عبد الحميد أحمد إلى عناوين الكتاب الداخلية، أول تلغراف، أول سيارة، أول مستشفى، أول طبيب، وهكذا إلى أن وصل إلى أول مقهى في الكويت، وسرعان ما قادنا للبحث عنها في الأسواق القديمة، نسأل عند كل مفصل شارع حتى وصلنا إلى سوق القيصرية القديم، وطالعنا اسم المقهى المنقوش على جدار قديم، لقد قضينا أكثر من ساعتين للوصول إلى هذه المقهى والجلوس على أرائكها القديمة.
هذه المقهى هي أول مقهى عرفتها الكويت في تاريخها المدون، وهي بالأصل مقهى للتجار، مضى على إنشائها حوالي مئتي عام، وقد شهدت أحداثاً جساماً، قد تكون سجلاً لتاريخ حافل بالدهشة. يرجع تاريخ هذه المقهى إلى عصر الأمير عبد الله بن صباح الأول، وقد أسس هذه المقهى رجل من أهل الإحساء، يقال له (أبوناشي) وكانت هذه المقهى عبارة عن منتدى يلتقي فيها الأمير برعيته من أهالي الكويت.
تقول المعلومات التي قرأناها في الكتاب الفريد الذي حصلنا عليه والذي استفزنا لاكتشاف بقايا المقهى أنه حينما مات أبو ناشي لم يكن له من الأقارب من يقوم بإدارة المقهى وامتلاكها، ولكن الصبي الذي كان في المقهى هو الذي ورث المقهى من سيده وهو أيضاً من أهل الإحساء يقال له خليفة بن شريدة، لكن اسمه تحول إلى خليفة أبو ناشي، ثم جاء ابنه فيصل عند وفاته.
ولما توفي فيصل جاء من بعده زوج أخته ويدعى خلف الخراز، وكان أخوه ناصر بن خليفة بن شريدة في البصرة يعمل في مقهى له بعد الحرب العالمية الأولى، وقد عادت له المقهى بعد عودته إلى الكويت في زمن الشيخ أحمد الجابر الصباح. ومن المعلومات النادرة التي عرفناها في هذه المسيرة الاستكشافية أن أهل الكويت لم يعرفوا الشاي إلا عام 1892 تقريباً، وكانوا يشربون القهوة على عادة العرب.
حينما وصلنا إلى مقهى أبو ناشي، سألنا عن آخر حفيد أو وريث لهذه المقهى فقيل أنه مات من زمن، وأن آخر الأحفاد وقد بلغ العقد التاسع من عمره يعاني من الشلل والعجز، وهو طريح الفراش، أما العاملون فكان أحدهم قد عمل في هذه المقهى زهاء ثلاثة عقود أو أكثر لقد نسى هو نفسه بداياته مع مقهى أبو ناشي. لقد قيل الكثير من القصائد في مقهى أبو ناشي لا يتسع المكان لذكرها.
إنما كانت رحلتنا جميلة وممتعة، وكان (أبو طلال) يحثنا للسعي لاكتشاف مقهى أبو ناشي الذي تمتعنا بالجلوس على أرائكه في حضرة التاريخ والشاي المعطر، ونتجاذب أحاديث حميمة مع رواد المقهى الذين استقبلونا بابتسامة وترحيب وفتحوا لنا قلوبهم في الحديث عن ماضي المقهى.