يثير رفعت السعيد في كتابه الجديد «أزمة الفكر العربي والإسلامي» جملة إشكالات اصطلاحية حول مفاهيم قد تبدو مستقرة، إلا أنها غير ذلك. فالتنوير كاسم يبقى مع صاحبه ولصاحبه ولا يتبقى له أثر إلا إذا تحول إلى فعل. والعدل كلمة استخدمت عند «علي بن محمد» قائد الزنج بمعنى مصادرة الاقطاعات من أصحابها وتحرير العبيد، وما أن حقق بعض الانتصار أصبح العدل عنده تمليك بعض قادته وجنده لهذه الاقطاعات.
كما قيل دوماً أن العقل العربي الإسلامي يواجه منذ القدم بروح الجمود والإصرار على أن الخير في الزمان القديم. وعندما يجيء مجدداً، يلقى العنت والنكران، كما حدث مع «جمال الدين الأفغاني» الذي أوعز شيوخ الأزهر إلى طلابهم بضربه بالنعال! ويبدو في التاريخ الثقافي العربي والإسلامي، أن المثقف العربي مطحون بين السيف والذهب. أما الكلمة «الفكر» فلم تستخدم مع العرب الأوائل، وكان مكانه مفردات: الفقه، الاجتهاد، النظر، العلم.. وهو لا يعنى أن العرب الأقدمين لم يعرفوا مصطلح «فكر» بمعناه الآن.. وقد وردت في القرآن اثنتي عشرة مرة.. ما أن الفكر هو ثمرة العقل، ومنه عبر العقل يكون الرأي.
والقضية الآن أن التراث ليس مرفوضاً كله، بل فيه ما يقبل وما لا يقبل.. مثلما فعل الأولون، نقلوا عن السابقين وأضافوا، أو قبلوا البعض ورفضوا البعض.. وهو ما يجب علينا النظر به الآن. وحول الموقف من التراث قال د. عاطف العراقي: إن أكثر ما يسيء إلى أجدادنا القدامى أن نقف حيال فكرهم جامدين... لن نستطيع أن نجد مستقبلاً مزدهراً لفكرنا العربي إلا إذا كان لدينا الحس النقدي، والذي بواسطته تكون لدينا القدرة على قبول فكرة من التراث، ورفض فكرة أخرى.
وفى عرض تفصيلي، تناول الكاتب بعض مظاهر الفكر العربي في التراث، منها معطيات علم الكلام، وعلاقته بالتراث والفلسفة، ثم كيف نتحول من الكلمة إلى السيف؟ والتوقف أمام «الخوارج» و«المعتزلة» و«ثورة الزنج».يرى الكاتب أن موضوع الكتاب يستند إلى منطلقين أساسيين: الحديث الشريف «إن الله يبعث على رأس كل مئة سنة لهذه الأمة من يجدد لها أمر دينها».
أما الموقف الثاني هو موقف الكاتب نفسه من كتب «التراث». فالتراث في تعريف «د. مراد وهبة» في المعجم الفلسفي: هو النقل، ويراد به دينياً اتباع الإنسان غيره فيما يقول أو يفعل من غير نظر إلى الدليل . لذا يرى «السعيد» أنه يجب علينا أن نعترف بوجود «التفكير الأسطوري»، وهو كامن في عقولنا، وهو الذي يغلب على أغلب كتب التراث.
ويتجلى في كتب التراث في عدة ظواهر: «العنعنة» وهو ما يعني محاولة تفسير ما لا يمكن تفسيره بالنقل الشفاهي، وهي أيضاً إضفاء صفة القداسة على ظواهر غير مقدسة. ووضح أن مقولة «لا أدري» يظنها البعض غير مناسبة لمقامه وفكره!
وقد رصد الكاتب العديد من الخرافات الأسطورية في كتب التراث، منها حكاية تلك السيدة التي أتت للسلطان أبوالعلا، وسألته أن يعيد إليها طفلها الذي خطفه التمساح، وبالفعل خرج معها السلطان وأمر التمساح بإعادة الطفل، فلما رفض، أمر السلطان مياه النيل أن تجف، فجاء التماسيح تبكي للسلطان، وأعادوا الطفل!!
لما كانت «العقلانية» في مواجهة التفكير الأسطوري والخرافة، وجد الفكر العربي والإسلامي نفسه، وسط تناقض جدلي. وان انتبه البعض لأهمية العقل قديماً، قال الغزالي: إن العقل يرى الأشياء كما هي، وهو يصلح معياراً لا يخطئ، عندما تحاول التميز بين الحق والباطل.
وقد نشأ علم الكلام، نظراً لاتساع الأمة الإسلامية، والانفتاح الثقافي، وتعدد الآراء مع تعدد المعضلات الفكرية الجديدة، وفى المقابل انقسمت الجماعة إلى قسمين: الأشاعرة وهم المتشددون، واتهام أي جديد بالمبدع، وتمسكوا بأن القرآن وجد قديماً. والعقلانيون وهم «المعتزلة» الذين أخذوا بالاتجاه العقلاني، لأنه يقوم على أساس العدل والتوحيد، ويقولون بخلق القرآن.
وقد قدم «علي بن أبي طالب» نموذجاً للحوار مع المعتزلة، ذاك الحوار الذي امتد وطاوله الفقهاء من أمثال «الإمام أبو حنيفة»، «الإمام الشافعي»، و«الإمام أحمد».. وغيرهم.وإذا كانت الشريعة تقرر مبادئ عامة، لم تغلق الباب أمام استنباط الأحكام الشرعية مع مستجدات الحياة.. «يريد الله بكم اليسر، ولا يريد بكم العسر». وبذلك يكون الفقه هو المعطى الإنساني لتطبيق الشريعة السماوية السمحاء.
كما نشط علم الكلام من خلال دائرتين، الأولى بين تأويل القرآن والحديث وتفسيرهما.. والثاني حول الحوار مع الملل والأديان الأخرى. واتسعت دائرة/ دوائر الحوار في علم الكلام، حتى تعدد الآراء حوله فيما بعد. فالغزالي وصف علماء الكلام أنهم لا يقصدون البرهان بالعقل كما يبدو للرائي..
وقال ابن تيمية بإدانة الخليفة المأمون لأنه أمر بتعذيب الإمام أحمد بن حنبل لرفضه فكرة خلق القرآن، ولأن المأمون ترجم الكتب عن اللاتينية.. أما «أبو يوسف» وهو على المذهب الحنفي فقال: «ان من طلب الدين بعلم الكلام فقد تزندق».. وهكذا. وأيضاً مع تفاعل علم الكلام مع المنطق، ولدت الفلسفة الإسلامية، خصوصاً بعد شيوع الترجمات المتعددة للثقافات الأخرى.
المؤلف في سطور
رفعت السعيد كاتب ومفكر مصري من مواليد 11 أكتوبر 1932، يعتبر من أبرز وجوه المعارضة في مصر. ترأس حزب التجمع الوطني الوحدوي خلفاً لخالد محيي الدين. يعتبر من الأسماء البارزة السابقة في الحركة الشيوعية المصرية منذ الأربعينات وحتى نهاية السبعينات.
تم اعتقاله مرات عديدة حتى إنه حصل وهو في الرابعة عشرة من عمره على لقب »أصغر معتقل في مصر«، حاصل على الدكتوراه في تاريخ الحركة الشيوعية من ألمانيا، له العديد من المؤلفات النقدية لحركات الإسلام السياسي أبرزها: عمائم ليبرالية. في ساحة العقل والحرية والسكن في الأدوار العليا و..البصقة وتأملات.. في الناصرية وحسن البنا متى كيف لماذا؟ والصحافة اليسارية في مصر 1950 ـ 1952.
السيد نجم
الكتاب: أزمة الفكر العربي
والإسلامي
تأليف: د. رفعت السعيد
الناشر: مكتبة الاسرة
العربية
القاهرة 2008
الصفحات: 159صفحة
القطع: المتوسط