يتضمن كتاب «الحب في الفلسفة اليونانية والمسيحية» مجموعة المحاضرات التي ألقاها المفكر والفيلسوف السوري الراحل أنطون مقدسي على طلاب قسم الفلسفة في جامعة دمشق، وكانت تحت عنوان «الحب في الفلسفة اليونانية والفلسفة المسيحية». وقد جمعها على القيم وقدمها إلى وزارة الثقافة للنشر. يعالج الكتاب مفهوم الحب عند اليونانيين، من خلال دراسة نظرية أفلاطون في هذا المجال بشيء من التفصيل.
وكما وردت في محاورتيه «المأدبة والفيدر»، ثم من خلال دراسة سريعة لوجهة نظر أرسطو ووجهة نظر أفلوطين في الحب. ثم ينتقل المقدسي إلى تبيان مفهوم المحبة في المسيحية بشكل عام، ثم عند القديس أغسطين بشكل خاص، وذلك من وجهة نظر نقدية وفكرية، مبيناً أن تأثير معنى الحب على أهم المعاني الفلسفية، كالخُلق، والشخصية، والأخلاق، إلخ... ويظهر الحب عند المقدسي بوصفه هو علاقة بين ـ ذاتية علاقة حميمة أو صممية، تفترض الفرد المتخارج، غير المغلق على أناه الخاصة، فهو في حالة تعال على ذاته. والحب لا يطلب ثمناً، فهو عطاء مجاني نزيه، سخاء نفسي، أو كرم روحي لا ينضب معينه. أما مفهوم الشخص فيشكل تقدماً عظيماً بالنسبة لمفهوم الإنسان، فهو قد أغناه بأبعاد جديدة أهمها بعد الحياة الداخلية والحوار مع الذات ومراقبتها بصفتها مسؤولة أمام نفسها وأمام الله والمجتمع، ولذلك فهي تمتلك الوعي والإرادة والحرية والذات أو الشخص تتجلى في مصير يؤلف المنحنى الشخصي لها، فزمانها ليس دائرياً كالزمان الإغريقي، ولكنه خط بياني مفتوح على اللانهاية.
وقد بقي مفهوم الشخص في الحضارة اليونانية ملحقاً بالميتولوجيا وحتمية القدر اللامعقولة، تلك الحتمية التي تلف البشر والآلهة على السواء، ولم يبلغ مستوى النضج والتفتح الكامل لإمكاناته إلا في الأديان الشخصانية. فالحضارات متفاعلة متثاقفة وليست معزولة بحدود صارمة كالحدود السياسية، ولكن المفاهيم الثقافية تتنقل في مناخاتها وتتغذى منها.فليس هناك مفاهيم خاصة بحضارة دون سواها ولكن المفاهيم إرث إنساني مشترك، فمفهوم الشخص ليس وقفاً على الأديان الشخصانية، ولكنه ينتشر في العالم، انطلاقاً منها. إن مفهوم الشخص مولود في عصر الأسطورة البدائية ولم يمر مروراً عابراً في الحضارة اليونانية، لكنها كانت محطة أساسية في رحلته العالمية.
وتتعدد مواضيع الكتاب وقضاياه التي يطرحها ويناقشها المقدسي، حيث يغلب عليها الطابع الفلسفي التحليلي والفكري، كما تتعدد أبعادها الفكرية والفلسفية، إذ تحمل النزعة الجمالية الحب على الهيام المجنون بالجمال المطلق، ولذلك جعله أفلاطون، الذي لا تنفصل فلسفته عن النزعة الجمالية، نابض الجدل الصاعد في فلسفته.
حيث يمثل عالم المثل الأفلاطوني الوجود الحق للعالم، وعليه فهو يمثل الجمال المطلق. وتعتبر العلاقة بين الذاتية الايجابية والسلبية الانفتاح والانغلاق هي مقياس الحضارة، لأن الحضارة تتجلى من خلال انعكاسها في الشعور الفردي، والفرد أو الشخص هو مقياس الحضارة، وهذا يعني أن جوهر الحضارة على المستوى الأخلاقي.
ويمكن القول ان موقف الانفتاح هو موقف الحب، أما موقف الانغلاق فهو موقف الكراهية التي تنذر بالعدم. والعدمية هي مرض في الحضارة، ويعني الشفاء منها عودة الحضارة إلى الحالة السوية والصحية.
وهنا يمكن القول ان أنطون مقدسي عاش عصره وتفاعل معه وعانى مشكلاته، وفي مقدمتها بؤسه العدمي، ذلك المرض القاتل الذي ينبغي الشفاء منه بالحب، فالحب والعدمية على طرفي نقيض، الأول يمثل الانفتاح والثاني يمثل الانغلاق. لذلك بحث في معنى المحبة المسيحية، بوصفها عنصراً لم يكن بإمكان العقلية الأغريقية، ولا أية عقلية أخرى شبيهة بها أو متأثرة بها، أن تدركه أو أن تقبله.
هذا العنصر هو العنصر الذاتي، بمعنى أن تحب شخصا معناه أنك تريده لذاته، أو أن تختاره وتفضله على أي شخص آخر، وبالتالي تمنحه وجوداً خاصاً أو مرتبة ممتازة هي الوجود ذاته، ولما كان الموجود بذاته ولذاته، أي الوجود التام هو الله، فإن المحبة تتوجه في كل إنسان لله. في حين أن الحب اليوناني يبدو كنزعة تركز كل النزعات وتجمعها حولها، ولكن النزعة نقص، والحب دليل النقص، أما المحبة المسيحية فتبدأ بالكمال.
وعليه فإن التفكير اليوناني لا يبدأ بالحب، بل يبدأ بالكمال والجمال، والحب ليس أكثر من وسيلة ممتازة، أو أكمل وسيلة ممكنة لتحقيق الهدف. هكذا تتجلى أفكار المقدسي الفلسفية في الكتاب، والتي تنم بمعرفة الفلسفة بوصفها جواباً على كل سؤال تطرحه على الفكر الإنساني في مرحلة تاريخية معينة، كي تتمكن من وضع كتاب الوجود والعدم في إطاره التاريخي والفكري، ولكي تجيب عن سؤال إمكان انتقال الوجودية إلى الوجود.
الكتاب: الحب في الفلسفة اليونانية والمسيحية
تأليف: أنطون مقدسي
الناشر: وزارة الثقافة دمشق، 2008
الصفحات : 273 صفحة
القطع: الكبير
عمر كوش