هذا الكتاب من أواخر الكتب التي وضعها محيي الدين صبحي في النقد الأدبي قبل رحيله وفيه دراسة نقدية لأربعة دواوين أصدرها الشاعر جوزف حرب ما قبل 1996 وهى «شجرة الأكاسيا» و«الخصر والمزمار»، «مقص الحبر» (في المحكية اللبنانية)، و«مملكة الخبز والورد».
وفيما يشير إلى التقدير الكبير من المؤلف لحرب يقول بشأن هذا الديوان الأخير: كنت أتمنى لو أن النقد الأدبي لم يتطور ولم يتشعب في مساربه المتعددة إذا لقلت لجوزف حرب: أنت في ديوانك مملكة الخبز والورد أشعر العرب، فإن غلوت قلت له: أنت أشعر الإنس والجن في أيامنا هذه. وإن تحفظت قلت عنه: هو من أشعر أهل عصره.
وفي معرض تقييمه لشعر حرب يقول المؤلف إنه يجمع بين الجمالية السامية والجدية الهادفة، ولذا فإنه يعتبر نتائجاً يتهيبه الدارسون لأنه يحتاج إلى مناهج نقدية مختلفة عما هو متداول في سوق النقد. وفي إطار تحديد التجربة التي تنقلها الأكاسيا والخبز يشير إلى أنها هى تجربة التحرر الوطني والاجتماعي، وهما حسبه تنقلان رؤيا الصراع بين قوى التسلط والظلم والقهر والتجويع، وما يقاومها من أشواق الإنسان إلى التحرر والشبع والكفاح والتحول والسمو والصعود.
وفي تقديم رؤية عامة لشعر حرب يقرر محيي الدين صبحي أن أكثر من نصف شعره شعر في الطبيعة لكنه ليس شعرا في وصف الطبيعة، بل يمر الوصف عابرا ليتجاوزه الشاعر إلى غيره ليتجاوزه إلى تحويل الطبيعة لصورة بشرية، فالطبيعة عند شاعرنا حسب المؤلف تؤدي إلى فعل بشري أو وضع بشري.
في تحليله لشجرة الأكاسيا يشير المؤلف إلى أنها بما تحويه من أسطورة يعرض تفاصيلها إنما تمثل محاولة من الشاعر لتأكيد هويته القومية، والقومية قومية واحدة ولكنها بوجهين: رجعي وتقدمي، والشاعر هنا ينتمي إلى هذه القومية بوجهها التقدمي الثوري بحيث لا يصح هذا الانتماء إلا إذا كان ذا عمق تاريخي طويل يكون في أساس أي انتصار قومي جديد.
وعن أبعاد تقديره لمملكة الخبز والورد فإن المؤلف يشير إلى أن الشاعر نظم من خلالها ملحمة أعاد فيها كتابة تاريخ الإنسانية «الجواني» منذ الخليفة الأولى إلى طموحها الأخير والدائم في تحقيق جنة الله على الأرض. وهو يرتفع بهذا العمل بشكل كبير حتى أنه يشير إلى أنه قد لا يجاريه في العربية في إحكام البناء وشمول الرؤيا وشفافية التعبير سوى رومانس البحث والتحري للشاعر العظيم عبد الوهاب البياتي.
ونتابع مع المؤلف نقده لديوان حرب »السيدة البيضاء« والذي تمت مصادرته في معرض القاهرة الدولي السابع للكتاب، بدعوى أنه مضر بالأخلاق لإباحية تعابيره، وهنا وحسب رؤية محيي الدين صبحي فإن الملحمة الديوان- مع كل جموح التعبير فيها ملحمة اجتماعية ذات غايات أخلاقية ولا أنبل، فهي حسبه رحلة في مفهوم خلق الرجل والمرأة ورحلة في أعماقهما وتصوير للصراع الذي عاشه كل منهما مع نفسه ومع الآخر منذ بداية الخلق حتى اليوم.
وعن المرأة في شعر حرب يذكر محيي الدين صبحي أنه اذا كان شعر حرب في الطبيعة يرتد إلى نظرة أسطورية، فإن شعره بالمرأة يرتد إلى الطبيعة وخاصة ما يتعلق منه بالجسد الأنثوي، فهذا الجسد رحلة بطيئة يستكشفها الشاعر بكل حواسه.
وعن لغة الشعر عند حرب يقول المؤلف أنها سهلة وسلسلة طيعة قريبة من الإستعمال اليومي الراقي، فيتجلى الحب من خلال لغة شفافة غير مقاومة كما أنها ناقلة للإنفعالات والعواطف غير أن الشعر في حالات قليلة يتراجع أمام طغيان اللغة ويتركها تتجلي حسب انفعالاتها وطاقاتها الصوتية والدلالية والترابطية فتقوى الجمل وتتراكب إلى حد التعقيد ويعتريها التقديم والحف أو الزيادة. ويقدم المؤلف رؤية متميزة لفكرة الموت في شعر حرب والتي جاءت بعنوان «غياب»:
جاء الغياب
لا تفتحوا هذا التراب لكي يعانقني فإن لم تعرفوا عرف السحاب أني أتيت كما أتيتم غير أني لن أعود إلى التراب. فيذكر المؤلف أنه اذا كان الموت لغزا لم يستطع أحد حله، حيث لم يأت أحد من عالم الموتى ليروي ما جرى كما أن لا أحد من هنا تمكن من الاتصال أو التكهن بما في العالم الآخر، لا السحرة ولا العرافون ولا الفلاسفة، إلا أن الشاعر يتبصر لنفسه بمصير مختلف فهو لن يواري في الثرى بل سوف يدفن في السحاب، ربما لأن الرؤى والخيالات والتهيؤات التي تساوره والمثل والقيم وحالات السمو التي يعيش فيها ولأجلها قد تكفل له مصيرا مختلفا.
وعن الشعر والزمن يذكر المؤلف أن علاقة شاعرنا مع الزمن علاقة واعية تراكمية تجريبية ولذلك يصدر شعره عن ملاحظة حسية تفصيلية تأتي بنتيجة مؤلمة. ويستعرض خطاب الشاعر لأمه وأبيه فيذكر أنه في خطابه لأمه يمزجه بنفسه وبالطبيعة والحياة، فيما أن خطابه لأبيه ـ على العكس من ذلك ـ يتصف بالحنين والمواجهة والندم.
فالأب يمثل السلطة والنظام والتقاليد والأخلاق وبقدر ما ترتبط صورة الأم باللاوعي والرحم والبحر فإن صورة الأب ترتبط بالوعي والذكاء الذي يتمثل بعنصري الهواء والماء. ثم يتطرق إلى قصيدة للشاعر عن سته فيذكر أنها تحفة فنية يندر وجود مثيل لها في الشعر بلطف مأتاها واكتناز مضمونها وخفة الحركة في خيالاتها والسمو المتصاعد في روحها المحلقة بين السماء والأرض، وتدور القصيدة حول حلم يرويه الشاعر عن عودة جدته من العالم الآخر وزياراتها لهه ولأسرته.
وفي إطار انشغاله بهموم الوطن رصد الشاعر تجربة الحرب في لبنان الذي عاني على مدى ربع قرن حربا أهلية ضارية وعدوان إسرائيلي متكرر وقد كان الشاعر قياديا مستقلا إلى جانب الأحزاب الوطنية مما يساعد على فهم توجهاته في شعره عن الحرب، حيث يرصد في مرثيته «موتى الحرب» مشهد إعدام جماعي تحت شجرة نخل. فضلا عن عدد من القصائد المباشرة الأخرى مثل «كرمالن» وهى عن حب الوطن و« موت البطل» وهى حكاية مجازية عن مجابهة الموت بشجاعة وغيرها مما تقرر فكرة وتثبت موقفا.
شجرة تمل
يرصد في مرثيته «موتى الحرب» مشهد إعدام جماعي تحت شجرة نخل. فضلا عن عدد من القصائد المباشرة الأخرى مثل «كرمالن» وهى عن حب الوطن و« موت البطل» وهى حكاية مجازية عن مجابهة الموت بشجاعة وغيرها مما تقرر فكرة وتثبت موقفا.
المؤلف في سطور
محي الدين صبحي يعتبر من أبرز المفكرين والنقاد العرب الذين ظهروا في النصف الثاني من القرن العشرين. كان واسع المعرفة بعيد الرؤية عميق التحليل وموضوعي الرأي. ولد في دمشق عام 1935 وتلقى تعليمه فيها وتخرج في جامعتها حاملاً الإجازة في اللغة العربية.
ونال الدكتوراه من بيروت، وقد عمل رئيساً لتحرير عدد من المجلات والصحف وكان عضواً في هيئة تحرير مجلة الموقف الأدبي وعضو جمعية النقد الأدبي. ومن مؤلفاته الكون الشعري عند نزار قباني، الرؤيا في شعر عبد الوهاب البياتي، الشخصية العربية في الكتابات المعادية، وكذا: عرب اليوم.. صناعة الأوهام القومية.
مصطفى عبد الرازق
الكتاب: جوزف حرب وأمطار الوردة السوداء
تأليف: محيي الدين صبحي
الناشر: رياض الريس للكتب والنشر بيروت 2008
الصفحات : 342 صفحة
القطع: المتوسط