كتاب «الناس الفقراء» للكاتب وليام ت. فولمان يبدو كأنه تحقيق مطول كما تبدو التحليلات التي يقدمها الكتاب بمثابة الإجابة عن سؤال واحد هو «لماذا أنتم فقراء»؟ أما موضوع الاهتمام الرئيسي فهو محاولة فهم طبيعة الفقر، وذلك من خلال عدة تجارب محددة عايشها المؤلف عن قرب وشكّلت لقاءاته مع أصحابها المادة الرئيسية التي اعتمد عليها من أجل تحليل ظاهرة كونية مثل الفقر.
ومن خلال ما شهده وليام ت. فولمان في أفغانستان وكولومبيا والولايات المتحدة وروسيا والفلبين والصين واليمن وهنغاريا وكينيا، أي عبر القارات وفي بلدان غنية وفقيرة، يبيّن أن الفقر ليس مجرد التعبير عن «عوز مادي» ولكنه آفة اجتماعية تهدد المصابين فيها ب«التهميش» و الجمود . هذا لاسيما أن الأغنياء ينظرون إلى الفقراء غالبا وكأنهم مرضى ينبغي الابتعاد عنهم. هذا إذا لم يكن الفقير غير موجود أصلا، إنه محكوم عليه بالعيش خارج إطار ما تمكن رؤيته . ثم إن الفقر الظاهر يثير الرعب وكأنه قبر مفتوح ، حسب تعبير المؤلف.
ويشير وليام ت. فولمان إلى فكرة تتردد كثيرا في تحليلاته ومفادها أن الفقراء في العالم يعانون من حالة خنوع متطرفة.
ويؤكد قوله: في جميع مناطق العالم التي قمت بزيارتها ترددت أمامي الشكوى التالية: وماذا يمكننا أن نفعل ؟ ثم يضيف: هذه الجملة رددها أمامي زارعو الأفيون والإرهابيون وبائعات الجسد وأشخاص آخرون يمارسون مهنا مثيرة للجدل . الحالة البشرية تبدو كـ «خيار» بما في ذلك البؤس.
وما يلاحظه المؤلف هو أن الإجابات التي قدّمها غالبا أولئك الذين توجّه إليهم بسؤاله عن سبب فقرهم لم تقدم له ما يمكن أن يفيد في فهم المشكلة. يقول: إن إجابات الفقراء تكون غالبا فقيرة على غرار الحياة الفقيرة التي يعيشونها .
النموذج للإجابات الفقيرة التي سمعها ويسوقها في هذا الكتاب هو ما قاله له بائس ياباني وجاء فيه: إن المال يذهب حيث يطيب له ذلك .
ويعلق المؤلف على الإجابة بالقول: يا ليت أحدهم أفهمني ذلك من قبل، فلربما ما كنت قد شغلت نفسي بهذا البحث عن فكرة الفقر وربما ما كان لكم أي القراء ـ أن تضيعوا وقتكم في قراءة كتابي .
بل ويرى المؤلف أن سؤاله: «لماذا أنتم فقراء»؟ يفقد الكثير من فعاليته بل ومن علّة وجوده نفسها أمام إجابات من نوع: أنا لست فقيرا فأنا رجل كحولي ثم أضاف باعتزاز: لدي ما يكفي من المال كي أشتري ما انتشي به .
مثل هذه الإجابة الفقيرة تجعل السؤال المطروح أصلا دون أية أهمية كبيرة. ثم إنها تجعل ضربا من العبث التصنيفات الرسمية والعلمية للفقر. ثم إن المؤلف نفسه يؤكد على أهمية الابتعاد عن مثل هذه التصنيفات، خاصة أنه يقترب هو نفسه في تحليلاته من التأمل الفلسفي والشعري .
وكتاب الناس الفقراء هو أيضا في أحد أبعاده، كتاب في الوصف أكثر مما هو كتاب في التحليل . ولا يكتفي المؤلف بوصف الواقع العياني الذي يعيشه الفقراء من كل الأصناف والألوان والدرجات والبلدان، ولكنه يصف أيضا وبكثير من التركيز، مواقف الاغنياء حيال الفقراء، وخاصة طريقة حديثهم عنهم. وهم يرددون في أغلب الأحيان أن حالة الفقر لا تعود أبدا لسياقات اجتماعية واقتصادية ولآليات تقسيم العمل. ويؤكد المؤلف نفسه قوله: الفقر ليس سياسيا على الإطلاق وينقل وليام ت.
فولمان في هذا الإطار، كما يفعل على مدى صفحات هذا الكتاب، الكثير من الحكايات والأقاصيص التفصيلية عن دقائق أحاديث أجراها مع فقراء قابلهم مثل ناتاليا الروسية التي يعتبر أن وجهها هو أجمل وجوه أولئك الذين قابلهم من الفقراء يحتوي الكتاب في صفحاته الأخيرة على صور هؤلاء- خلال تجواله في العالم. وعلى سؤال: أيهما أفضل الشيوعية أو الرأسمالية ؟ أجابته ناتاليا: لا أعرف، لكن هناك أيضا فقراء في أميركا ويعلّق المؤلف: أحسست آنذاك أنها تمقتني .
الملاحظ في جميع المقابلات التي يجريها المؤلف مع الفقراء هو أنه يحرص على عدم دفعهم على الاعتراف بما يمكن أن يكون جارحا وقاسيا الاعتراف به. وهذا على خلفية قناعته أن مقاييس السعادة و الثراء تختلف من فرد إلى آخر. نقرأ: بالنسبة لي لا يعني الفقر مجرد العوز المادي. ذلك أنه يمكن لبعض الأشخاص أن يمتلكوا أقل منّي بكثير من الإمكانيات المادية ويكونون بنفس الوقت أكثر ثراء. فالفقر هو البؤس الإنساني بالمعنى الكامل للكلمة .
ويشير المؤلف أنه كان قد شاهد البؤس لدى «بائعة هوى» أميركية كانت قد قالت له: إنني أجلس على منجم من الذهب ، لكن هذا لا يمنع واقع أن حياتها مختزلة و مجزوءة مثل أعداد هائلة من البشر في العالم ليس لحياتهم سوى بعدا واحدا. بكل الحالات يحاول المؤلف عدم الخوض في أحكام القيمة ذات الطابع الأخلاقي، إذ كيف يمكنني أن أكون متأكدا بصواب إدانة العبودية في عصر أرسطو ؟
إنه لم يدخل في مثل هذه الأحكام وهو الذي كان قد اكتفى بالقول صراحة في مقدمة كانت إجابات بعض الذين توجّه لهم المؤلف بالسؤال عن سبب فقرهم تدعو إلى الثورة العنيفة ، كما يشير، فإنه يسوق بشيء من الحماس إجابات ردّت عن ذلك من نوع تلك التي قالتها له سيدة جزائرية لا تولي أي اهتمام للعالم على غرار النسّاك البوذيين كما يصفها، وجاء في قولها: لكن ليس من الخير قتل الناس فقط من أجل الحصول على المال .
الكتاب: الناس الفقراء
تأليف: وليام ت.فولمان
الناشر: هيربير بيرنيال لندن 2008
الصفحات: 464صفحة
القطع: المتوسط