بقيت «الدشداشة» سيدة العمارة الحديثة وهي صلة الماضي بالحاضر، وبقي النقاب معْلماً من معالم البداوة للمرأة الإماراتية وزينة محلية لا تشير إلا لها لا نبحث هنا عن العمارة بوصفها معماراً هندسياً.
لكننا نحاول الاقتراب من فكرة جمالية في (نص) العمارة في أبوظبي على وجه الحصر، عبر مراجعة انطباعية سريعة تتأمل شكل العمارة في حداثتها التي دخلت الألفية الثالثة في مستجدات هندسية ومعمارية، قوامها جمال الشكل في تكوينه وغرابته في بعض الأحيان، أو في مؤثراته البَصَرية المتشكلة من كتل الزجاج العاكسة لشمس صيفية على مدار العام.عمارة أبوظبي في تاريخيتها الواقعية قامت على أرض رملية، وتعالتْ على أديم صحراء مترامية الأطراف، وفي مناخ ساخن ورطب في معظم شهوره، لكنها ظلت قريبة من البحر، متطاولة على موجه، تمد ظلالها شاخصة لتشي بعصرٍ آخر، غير عصر الصحراء والبحر؛
منقلبة على هذه الثنائية الأزلية في تمرد حداثي في جوهره، لكنه ينتمي إلى روح الصحراء من الجوانب كلها، حتى ولو تعددت الأشكال واغتربت عن الواقع، ونأتْ إلى عوالم المدينة المكتظة بسلطة الزجاج الذي يزيد من الإبهار كلما كانت هناك عمارة تولد اليوم أو غداً.يقال إن الشكل المعماري يجب أن يتقرر لاعتبارات روحية وفنية ومناخية واجتماعية ووظيفية، وأهل العمارة أدرى بهذه التفاصيل من غيرهم، والمهندسون المعماريون قادرون على تبرير أشكالهم وجماليات إبداعاتهم على وفق تلك الاعتبارات، لكنهم لن يستطيعوا إقرار جمالياتهم على الأذواق العامة مهما تمكنوا من التغريب والترميز؛ فتكنيك العمارة يعني هويتها الفردية بأبسط المفاهيم، والهوية الفردية هي نتاج جماعي بالضرورة؛أي نتاج تاريخي - اجتماعي، له خصوصياته الوطنية والنفسية، وعندما يمتزج الخاص بالعام يتمخض الشكل الأنسب لجمالية العمارة الظبيانية .
وهكذا فرضية أولية تعيننا على استخلاص انطباعات عابرة وذوقية في الأشكال المتاحة، الواقعية منها والتجريدية، المُهَنْدَسة منها برؤيا غربية أو تلك التي تستقي تكوينها من مفردات البيئة، وصولاً إلى معاينة عمارة ما بعد الحداثة؛ تلك التي نراها شاخصة في شوارع أبوظبي؛على أساس إن ثقافة العمارة هي امتزاج الواقعي ـ البيئي ، بما هو متخيل ـ هندسي ـ شكلاني ـ تجريدي، ينهض من رؤيا الهندسة التجريدية بامتزاج اللغة المحلية، من حيث هي مفردات بيئية متشكلة في الوجدان الإماراتي، قابل على التفاعل مع مستجدات الحداثة في آفاقها المتطورة.
أسطورة الزجاج
الزجاج الملون أحد مصادر الجمال؛ فهو عاكس لوني لما حوله، وعازل ضمني لما خلفه . وسلطة الزجاج على العمارة الظبيانية سلطة نهائية في تشكّلها الحداثي، ووفرة الألوان وتعددها تسبغ أبهة على الصورة المعمارية من الخارج، لتشكّل عاملَ جذبٍ بصرياً لا يمكن أن يكون عابراً في ذاكرة المشاهِد.
وهذه الوفرة اللونية في زجاج العمارة الحديثة قد يتسم بقدر كبير من مفاهيم العمارة الجديدة، كبديل عن الأسمنت وثقله الذي يوحي بالضغط النفسي؛ فالزجاج هنا تنويع على ذاتٍ اعتادت ثقل العمارة كهندسة تمتاز بالكتلة الضخمة والعتمة والجبروت، غير أن التشكيلات الزجاجية الحديثة منحت العمارة الظبيانية نوعاً من الإرتياح والخفة والشفافية إلى حد كبير، بتناوب الألوان على الإبصار عبر شوارع العاصمة الناهضة عمودياً مع عماراتها !
وتكاد مشتقات الأزرق والأحمر(الأصفر والذهبي) تطغى على بقية الألوان، فهي من الألوان الجاذبة لمقدرتها المشعة ومسحتها النفسية الرائقة في توفير خلطة لونية تشبه غابة مرتفعة إلى السماء . وفي انعكاسات الشمس النازلة إلى الغروب تختلط العمارات المتقابلة بمراياها، فيتكون فيضانٌ لوني مترجرج؛ إذ تتبادل ألوانها بالانعكاسات الشمسية، ويبدو المشهد كما لو إنه ألوان ذائبة وقد ساحت عن مراياها، وتركت قممها الزجاجية لتهبط مائعة وقد أدركتها الحرارة؛ لكنها لا تهبط، فالزجاج وانعكاساته هو : خدعة بَصَريّة في نهاية الأمر.
ولكن السؤال هو : ما علاقة هذه العمارة الحديثة الموغلة كثيراً في أفق التحديث الشكلي بالبيئة الإماراتية ؟
لا مناص من الإقرار بالفجوة الضمنية التي تركتها عمارة ما بعد الحداثة وهي تضرب في متون التجريد الهندسي من تصميمات معقدة، وتقدم فصولاً في الإثارة المعمارية؛ دون النظر إلى الواقع الحاضن لهذه التصميمات، إلا بالقدر الشكلاني المبسّط في كثير من الأحيان، فالمهارات التصميمية قادت أغلب المعماريين إلى إنشاءات مبهمة ابتعدت عن حقيقة الواقع.
فوشّحتْهُ بالتحديث الضارب في التجريد، تحقيقاً لتغيير الدارج في الواقع وتغريبه عن مفرداته، بقصد استمالته إلى مفهومات جديدة وإقرارها كنتيجة لتغير جزء كبير من الواقع وإلحاقه بتكنولوجيا العصر وما يرتبط بذلك من تقنيات كثيرة أوصلت الواقع الخارجي إلى تحديثات مركّبة من دون أن تمس جوهره حتى الآن، فالحداثة بوصفها فاعلية حركية متجددة، أنتجت بوصلة جاذبة لكل ما هو قابل للتغيير في عصر يتطور ويتنامى ويتقدم فيه يومهُ على أمسهِ؛ فصحراء الأمس الشاسعة، أضحت في عمر قصير غابة ملونة من الزجاج.
والصيف الظبياني الملتهب تعلّبَ في (مبردات) ثابتة ومتحركة، واقترب البعيد بأزرار الحواسيب والهواتف المحمولة، وأزيلت بيوت الطين والشعر والخيام بفعل متطلبات العصر، وأصبحت من ذكريات الصحراء المتاخمة، ومع كل هذا فقد بقيت «الدشداشة» الإماراتية سيدة العمارة الحديثة وهي صلة الماضي بالحاضر، وبقي النقاب معْلماً من معالم البداوة للمرأة الإماراتية وزينة محلية لا تشير إلا لها .
لكن بقي ما هو أهم من هذا : بقي البحر دون أن يمسه جوهر التحديث؛ ولم تطلْهُ مشروعات الحضارة الوافدة من كل حدب وصوب؛ ويبدو إن هذا «الكائن» الكلاسيكي سيظل عصياً على المتحمس للحداثة والتحديث إلى إشعارٍ آخر.
لكننا نتساءل : ما هي سلطة البحر على عمارة أبوظبي؟
وما هي العلاقة التبادلية بين الاثنين إنْ كانت ثمة علاقة؟
عمارات الكورنيش، وهي تستقبل رطوبة البحر وتلتف مع التفاف الساحل، تشي أن للبحر سلطة قصوى على وجودها، فالمشاريع التجارية والحيوية والفندقية والسياحية تكتسب أهميتها من موقعها على ساحل البحر، وخير الغرف الفندقية ما أطلت على أفضية الماء؛ ومن هنا تجتهد الكثير من الشركات أن يكون لها موطئ في هذا المكان رغم ارتفاع الأسعار في الغالب الأعم .
الباهر والمبهر
لو تأملنا الشوارع الرئيسة فيها لوجدناها غابة من الزجاج والأشكال الهندسية المتنافرة في كثير من الأحيان؛ فالقديم الذي سيزول طلباً لمستجدات العصر، ينتظر خرائط معمارية جديدة وتصميمات هندسية مستجدة، لكن المدارس المعمارية المختلفة من الشرق والغرب لن تقدم إلا ما هو باهرٌ ومبهرٌ في شكله لتبقى في سوق البناء..
وارد بدر السالم