يبحث كتاب «حدود الفقر» كما يدل عنوانه، في التوزيع الجغرافي للفقر في العالم، وذلك من خلال ثلاثة أقسام أساسية تتوزع بينها مواده، وتحمل العناوين التالية: «مسألة اجتماعية وسياسية» و«آثار الفقر ومناطقه» وأخيراً «الحدود الحيّة القائمة».
وتشمل الشروح المقدّمة في هذا العمل عدة محاور تخصّ ما تسميه المؤلفة «الحدود الداخلية» للفقر وذلك على ضوء «السياسات العامة لمعالجة الفقر» والعلاقة بين «الفقر وأشكال التمييز الاجتماعي» وأيضا توزع الفقر بين المدن والأرياف. ومن بين المواضيع التي تتعرض لها المؤلفة أيضا تأثيرات الفقر على الأسرة والصحة والمدرسة، الخ من المعروف أن العالم منقسم بين بلدان غنية وبلدان أقل غنى وبلدان فقيرة وبلدان تعاني من حالة هي أدنى من عتبة الفقر. وهناك فكرة شائعة هي أن البلدان الغنية لم يعد فيها فقر ولا فقراء. ما تؤكده مؤلفة هذا الكتاب هو الخطأ الكامل لهذه الفكرة .
ذلك أن الواقع القائم بين مختلف البلدان المعنية يخالف المقولات السائدة عن المساواة وباسم الديمقراطية في أغلب الأحيان وغياب هذه المساواة، أي وجود واقع اللامساواة شكّل موضوع دراسة العديد من الكتب والمحاضرات والندوات، وهو أيضا أحد المواضيع التي تهتم بها العلوم الاجتماعية.
وما تحاوله مؤلفة هذا الكتاب من موقعها كباحثة في حقل الجغرافيا هو «تفنيد» المقولات والأفكار الشائعة حول ما يسمّى بـ «الشرخ الاجتماعي» و«جيوب الفقر» و«التهميش» و«مشاكل الضواحي» وغير ذلك من المسائل التي يتم طرحها تحت العنوان العريض لـ «الفقر».
وتقوم المؤلفة بدراسة هذا كله من خلال محاولة الربط بين الموقع الاجتماعي المتراجع الذي يتمتع به الفقراء في المجتمع وبين الموقع الجغرافي الذي يشغلونه في إطار الحيّز الاجتماعي. وتشير المؤلفة إلى التعريف الذي قدّمه الباحث الاجتماعي الشهير جورج سيميل للفقر عام 1907 وتعتبره بمثابة المفتاح الذي يسمح بـ «مقاربة اجتماعية للفقر».
وهي تتبنّى وجهة نظره القائلة ان الفرد الفقير يصبح مرتبطا بالمجتمع بل تابعا له من خلال ما يتلقاه من مساعدات من هذا المجتمع. ومثل هذه المساعدات تجعل الفقراء بنفس الوقت مدينين للمجتمع. بالتالي تصبح العلاقة بينهم وبينه مرهونة بـ «الحماية» و الحصر ضمن نطاق نوع من الحيّز المغلق ـ الغيتو .
وبهذا المعنى تتم إشادة الحدود الاجتماعية الداخلية للفقر. وأولئك الذين يعيشون داخل هذه الحدود يصبحون كمن يعانون من إعاقة كثيرا من حركتهم ومشاركتهم في الحياة الفاعلة لمجتمعهم. وتتم ترجمة مفهوم الحدود الداخلية عبر تبديات عديدة من أهمها الوجود في أحياء معينة تقع غالبا في المناطق المحيطية للمدن الكبرى كما هو الحال في القسم الأعظم من المدن الكبرى بالبلدان الغنية.
وهذه الأحياء المعروفة بـ »الضواحي« هي التي كانت قد انطلقت منها في فرنسا خلال شهر نوفمبر 2005 عمليات العنف التي أدّت إلى حرق الآلاف من السيارات ومن المؤسسات والمرافق العامة. ويمكن للفقر أن يتبدّى أيضا في بعض التجمعات التي تشهدها الأرياف.
وتحدد المؤلفة عددا من الأسباب الجوهرية لخلق أماكن تواجد جغرافي للفقر، وليس أقل هذه الأسباب السياسات التي اتبعتها البلديات المعنية والتي تميّزت لسنوات عديدة بقدر كبير من التمييز. كما تتم الإشارة إلى أهمية عامل الهجرة من الأرياف إلى المدن بحثا عن فرص العمل ما يؤدي إلى تكدّس أعداد كبيرة من الوافدين في أحياء لا تمتلك الحد الأدنى من البنى الأساسية لمتطلبات العيش الكريم.
بكل الحالات، تشرح المؤلفة أن هناك تلازما بنيويا بين تجذر واقع اللامساواة في المجتمعات وبين تعزز حدود الفقر. لكن مثل هذه الحدود يتم طمسها وإخفاؤها عبر العديد من أشكال التمويه بحيث لا تغدو مرئية إلا بصورة ضئيلة جدا من قبل المجتمع، بل ويصل الأمر أحيانا إلى درجة القول أنها غير موجودة .
وتؤكد المؤلفة أن هناك أيضا علاقة وطيدة بين وجود متهمّشين في المجتمع وبين وجود مناطق خاصة بهم. ذلك بمعنى أنه في الوقت الذي أصبحت فيه الحركية و الانتقال من السمات البارزة لعصر العولمة فإن المجموعات المهمّشة كنتائج مباشرة.
أو غير مباشرة، للفقر محكوم عليها غالبا بالبقاء أسيرة بعض المجالات الجغرافية وحيث أن التوزيع الجغرافي للمعنيين من ضحايا التهميش الاجتماعي يبدو مرتبطا هو الآخر بشكل مباشر في الموقع الذي يحتلّونه بالمنظومة الاقتصادية السائدة. هاتان الظاهرتان الخاصتان بالتهميش الاجتماعي والتحديد الجغرافي تعزز كل واحدة منهما الأخرى.
هذا إلى حد أن الخروج من حالة التهميش الاجتماعي تعني في أغلبية الحالات نوعا من الانتقال الجغرافي والهجرة خارج الحدود. وتفتح المؤلفة هنا قوسين لتشير إلى أن الأكثر فقرا في المجتمع هم عامة الأكثر تمسكا بالمكان الذي يعيشون فيه.
وأنهم أيضا الأكثر نفورا من تركه و الذهاب إلى مكان آخر وذلك غالبا على خلفية الخوف من أن يفقدوا نقاط العلام أو المرجعيات التي تحفظ الحد الأدنى من التوازن لهم وخاصة الخوف من فقدان أشكال التضامن الودي وغير الرسمي القائمة عادة في الأحياء الفقيرة.
ثم إن الخروج من الحي أصبح مرادفا لدى العديدين للذهاب نحو المجهول، وغلاء كلفة المعيشة وكلفة السكن والتعرض لنظرات الآخرين الفضولية. ومثل هذه الظاهرة التي تتعزز أكثر فأكثر تشكل أحد الحواجز الأساسية أمام عملية «الاختلاط الاجتماعي» التي تقول بها سياسات المسؤولين في العديد من المدن الغنية.
المؤلفة في سطور
تحمل كاترين سليمانوفسكي شهادة التأهيل العليا (اغريغاسيون) في الجغرافيا وكذلك شهادة الدكتوراه في الاختصاص نفسه. تعمل أستاذة في جامعات مدينة مونبلييه، بجنوب فرنسا. قدّمت العديد من الأبحاث حول المسائل المتعلقة باللامساواة الاجتماعية ومناطق تواجدها في العالم، وكذلك حول تأثيرات العولمة على توزيع الثروة.
مبدأ المساواة وواقعها
يتم التأكيد على أن المجتمعات الديمقراطية عامة تجد نفسها أمام مشكلة كبيرة تتطلب تقديم تفسير لها وتتمثل في وجود هوّة كبيرة بين مبدأ المساواة الذي ترفعه السلطات السياسية وبين واقع المساواة السائد في هذه المجتمعات.
الكتاب: حدود الفقر
تأليف: كاترين سليمانوفسكي
الناشر: المطبوعات الجامعية رين باريس 2008
الصفحات: 294 صفحة
القطع: المتوسط
Les frontières de la pauvreté
Catherine Sélimanovski
Presse Universitaire Rennes (France)2008
P.294