لا شك في أن سنة 2007 كانت من أصعب السنوات التي عصفت بالقضية الفلسطينية وخصوصاً بعد الانقسام السياسي والجغرافي الذي حصل ما بين قطاع غزة والضفة الغربية، وتردي أحوال الفلسطينيين بعد تبخر آفاق التوافق الوطني، وإرهاصات الفلتان الأمني والحصار الجائر والخانق المفروض على قطاع غزة. كل ذلك يؤكده التقرير الاستراتيجي الفلسطيني للعام 2007، الذي حرره د. محسن محمد صالح، وأسهم في كتابته أحد عشر خبيراً وباحثاً من المتخصصين في الشأن الفلسطيني.

ويبدأ التقرير بتناول الوضع الفلسطيني الداخلي، الذي داخله الخلاف والانقسام، بوصفهما، المظهرين البارزين، اللذين تميّزت بهما سنة 2007 على الصعيد الداخلي.

ويظهر ذلك جلياً من خلال عرض وقائع المشهد الفلسطيني العام خلال هذه السنة، بدءاً من استمرار حالة الخلاف بين حركتي فتح وحماس، وبين الرئاسة والحكومة، بأشكال مختلفة.

ويناقش التقرير العدوان الإسرائيلي والمقاومة الفلسطينية سنة 2007، موضحاً أن عدد الشهداء بلغ 412 فلسطينياً، في حين قُتل 13 إسرائيلياً في عمليات نفذها الفلسطينيون، ثم يتحدث عن موقف إسرائيل من الوضع الداخلي الفلسطيني، ويناقش بعدها التطورات المتعلقة بالتسوية السلمية وآفاقها، وموقف إسرائيل من مؤتمر أنابوليس ومن المبادرة العربية للسلام.

ثم ينتقل إلى استعراض المواقف العربية من القضية الفلسطينية، حيث يرى أن سنة 2007 شهدت تكشّف ثمار الغرس الرديء في مجرى إدارة الصراع مع إسرائيل، وأن متابعة الموقف العربي من التطورات الفلسطينية خلال تلك السنة، ومن حصار قطاع غزة تكشف أن الموقف الشعبي العربي افتقد الكثير من قوته وعنفوانه، وأن موقف النظام الرسمي العربي ممثلاً في جامعة الدول العربية كان ضعيفاً، حيث لم يستطع أن يكون على مستوى الحدث، وجاءت بياناته وإجراءاته الفعلية تقليدية ورخوة بمستوى رخاوة هذا النظام.

ويتعرّض التقرير إلى القضية الفلسطينية في بعدها الإسلامي، من خلال تحليل مواقف منظمة المؤتمر الإسلامي، وكل من تركيا وإيران وباكستان وإندونيسيا وماليزيا، من القضية الفلسطينية.

ويرى أن سنة 2007 كانت كسابقاتها، بشكل عام، في تفاعل العالم الإسلامي مع القضية الفلسطينية، حيث لم توفر الظروف الذاتية والموضوعية للبلدان الإسلامية ما يمكّن من إحداث تغييرات ذات مغزى طوال تلك السنة.

بالمقابل لم تنجح «إسرائيل» خلال سنة 2007 في تحقيق اختراقات حقيقية في العالم الإسلامي، لكن الفلسطينيين لم ينجحوا أيضاً في تحقيق تغييرات حقيقية في دعم قضيتهم، وفي فك الحصار عن شعبهم.

أما بخصوص الوضع الدولي، فيتناول التقرير مواقف كلّ من الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، وروسيا، والصين، واليابان، والمنظمات الدولية، تجاه القضية الفلسطينية، حيث يعرض لسياسات كل من تلك الدول نحو السمتين المركزيتين اللتين حددتا الإطار الذي تحركت فيه السياسات الدولية تجاه الموضوع الفلسطيني، وهما الأزمة الداخلية الفلسطينية، قبل اتفاق مكة وبعده، ومحاولات بعث الحياة في مسار التسوية، ويبيّن أن سياسات بعض القوى الدولية اتسمت في توجهاتها المركزية بالعمل على الحيلولة دون تشكيل حكومة وحدة وطنية فلسطينية في المرحلة الأولى، وعند تشكيلها سعت إلى إفشالها من خلال إرهاقها بمطالب مختلفة وتدخلات من وراء ستار، كما أن السياسات الدولية أسهمت، إلى جانب عوامل أخرى، في حدوث انشطار حاد في البنية الفلسطينية الحكومية والإقليمية.

ويركز التقرير على الاعتداءات الإسرائيلية على الأرض والمقدسات، وخصوصاً مدينة القدس، حيث ينبه إلى تسارع وتيرة السياسات الإسرائيلية الهادفة لجعلها عاصمة أبدية ل«إسرائيل» بأغلبية يهودية مطلقة، وبأقلية عربية تسهل السيطرة عليها، ضمن مشروع واضح المعالم، يستغل مفاوضات التسوية والمعاهدات العربية الإسرائيلية لتمريره.

ثم يستعرض أبرز التطورات المتعلقة ببناء جدار الفصل العنصري في الضفة الغربية، مشيراً إلى زيادة مساحة المنطقة المعزولة خلف الجدار من 555 كم2 إلى 713 كم2، وزيادة طول الجدار من 703 إلى 770 كم.

وعلى المستوى السكاني يشير التقرير إلى نتائج التعداد السكاني الثاني في الضفة الغربية وقطاع غزة، بما فيها محافظة القدس، الذي نفذه الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني خلال سنة 2007، والذي أظهر أن إجمالي عدد السكان في هذه المناطق بلغ حوالي ثلاثة ملايين و771 ألف نسمة.

أما مجموع الفلسطينيين في العالم في نهاية سنة 2007 فذكر أنه يقدّر بحوالي 10 ملايين و342 ألف نسمة، يقيم حوالي مليون و184 ألفاً منهم في الأراضي المحتلة عام 1948، وحوالي ثلاثة ملايين و102 ألف في الأردن.

ويستعرض التقرير الوضع الاقتصادي في الضفة الغربية وقطاع غزة، موضحاً ذلك بالأرقام والبيانات الحسابات العامة وأداء القطاعات الاقتصادية، ونصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، والمالية العامة، والمساعدات الخارجية، والحصار والإغلاق الإسرائيلي، وغيرها. ويذكر أن قيمة الناتج المحلي الإجمالي بلغت أربعة مليارات و8,135 مليون دولار في سنة 2007.

وكان العام 2007 هو الأسوأ على الصعيد الاقتصادي منذ بداية الاحتلال الإسرائيلي للضفة والقطاع عام 1967، مع العلم بأن التباين في مستوى التدهور والتراجع في مجمل الأنشطة الاقتصادية في القطاع كان كبيراً مقارنة بالوضع في الضفة، حيث ارتفعت نسبة السكان الفلسطينيين الذين يقعون تحت خط الفقر من 22 سنة 2000 إلى حوالي 67% سنة 2007 على مستوى الضفة والقطاع، أما في قطاع غزة فقد وصلت النسبة إلى 90% مع نهاية السنة.

يتميز التقرير بحداثة معلوماته التي تصل حتى نهاية 2007، ويسندها بالجداول والرسوم البيانية، إلى جانب الدقة والمنهجية العلمية الأكاديمية. وعليه تمكن التقرير الاستراتيجي الفلسطيني من أن يكون وثيقة مرموقة في الدراسات الفلسطينية، ومرجعاً للباحثين والمهتمين وطلبة الجامعات.

الكتاب: التقرير الاستراتيجي الفلسطيني لسنة 2007

تأليف: مجموعة من المؤلفين

تحرير: د. محسن محمد صالح

الناشر: مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات بيروت 2008

الصفحات: 188 صفحة

القطع: الكبير

عمر كوش