كان غريغ ميتشيل مؤلف كتاب « الاستمرار طويلا في الخطأ» أحد أولئك الصحافيين القلائل الذين أعلنوا منذ مطلع عام 2003 أن الأسباب التي قدّمتها إدارة جورج دبليو بوش للقيام بغزو العراق لم تكن تقوم على أساس متين. وهو يعود في هذا الكتاب الجديد إلى نفس الموضوع وإنما من زاوية الكيفية التي تصرّفت فيها وسائل الإعلام الغربية عامة، والأميركية خاصة، حيال تلك الحرب.
وتتمثل إحدى النقاط الأساسية التي يؤكد عليها المؤلف في القول ان وسائل الإعلام المعنية قد انطلقت من موقف القبول بما قاله العسكريون بداية ثم أخذت بطرح الأسئلة لاحقا . هذا موقف يمشي على رأسه ، حسب رأيه. ذلك أن مشكلة الديمقراطية الحديثة تكمن تحديدا في كون أن المدنيين، وليس العسكريون، هم الذين يقررون قضايا الحرب والسلام هذا في الوقت الذي تدلّ فيه مؤشرات كثيرة على نقص ثقة العسكريين بحكوماتهم وفي أحيان كثيرة بقياداتهم السياسية المدنية . وتشير استطلاعات للرأي أن حوالي خمس العسكريين في الولايات المتحدة لا يولون أية ثقة بالسلطات العليا.
إن غريغ ميتشيل لذي كان قد أعلن مواقف نقدية »واضحة« حيال الحرب الأميركية في العراق منذ ربيع عام 2003، وأيضا حيال موقف وسائل الإعلام منها، يعود اليوم بعد خمس سنوات من اندلاع هذه الحرب واستمرارها حتى اليوم دون أي أفق واضح ينبئ بنهايتها إلى مناقشة كيفية تغطية وسائل الإعلام لها وللصورة التي آل إليها الجيش الأميركي اليوم. إنه يستعرض في هذا العمل ما كان قد كتبه و ثبّته في السابق مع مقدمة جديدة لجوزيف غالاوي.
هذا الكتاب يشكل أيضاً في أحد وجوهه تأريخا كاملا لحرب العراق الأخيرة. إن المؤلف يعيد شرح الأسباب التي كانت وراء نشوبها ولكن أيضاً الأسباب التي تجعل من العسير جدا الخروج منها . وهو ينطلق من القول أن الجيش الأميركي لم يجد نفسه في مثل الوضع الذي هو فيه منذ عدة أجيال.
الجنود الأميركيون موجودون في العراق منذ أكثر من 5 سنوات وفي أفغانستان منذ أكثر من 7 سنوات.
إنها سابقة« لا مثيل لها منذ الحرب الفيتنامية من حيث بقاء قوات أميركية في أرض خارجية. بالتوازي مع هذا، ووجود عشرات الآلاف من الجنود الأميركيين في العراق ومن وقوع ضحايا منهم كل يوم تقريبا، تتابع النقاشات أيضا، وتزداد حدّة، في مختلف وسائل الإعلام الأميركية وبحيث أن هذه الحرب قد أصبحت الموضوع الأكثر إثارة للاهتمام في النقاشات التي تنظمها قنوات التلفزة المختلفة ولافتتاحيات الصحف أيضا.
إن غريغ ميتشيل يرصد السياق و الأحداث التي عرفتها الفترة التي سبقت شن الحرب على العراق في ربيع عام 2003. ولا يتردد في أن يبدي دهشته من واقع أن العديد من المواقف التي صدرت عن شخصيات مرموقة قد جرى طمسها و تناسيها ، مثل كتابة توماس فريدمان على صفحات النيويورك تايمز: فيما يخصّني، إننا لسنا بحاجة للعثور على أسلحة الدمار الشامل من أجل تبرير هذه الحرب . هذا مثال من عشرات الأمثلة من نفس الطبيعة يسوقها المؤلف.
بكل الحالات ما يؤكده جوزيف غالاوي في مقدمته لهذا الكتاب هو أن الحقيقة في أغلب الأحيان تكون الضحية الأولى للحروب، أما قتلتها فليسوا فقط هم رئيس ووزير دفاع ومجموعة من الناطقين الرسميين. ولكن أخونا وأخواتنا في وسائل الإعلام يشاركون أيضاً في إعدامها .
ومن خلال هذا التعليق يمكن فهم اختيار المؤلف لعنوان فرعي للكتاب يقول: كيف ساهمت الصحافة والخبراء والرئيس في الفشل العراقي .ويحدد غريغ ميتشيل خطأ الأول الكبير الذي اقترفه رجال الإعلام في أن أغلبيتهم قد قبلوا أو لم يرفضوا سوى بحياء كبير الحجج التي قدّمها الرئيس جورج دبليو بوش وإدارته والمقرّبون منه من أجل تبرير شن الحرب على العراق، قبل وقوعها وخاصة الحجة القائلة بامتلاك نظام الرئيس السابق صدام حسين لأسلحة الدمار الشامل و الخطر الذي كان يشكله على البلدان المجاورة.
وفي نفس ذلك السياق أبزرت صحف شهيرة مثل النيويورك تايمز والواشنطن بوست أخبارا عن سعي النظام العراقي السابق لامتلاك السلاح النووي. وبالمقابل جرى حشو بعض الآراء، التي قدّمها خبراء وشككوا فيها بالحجج الرسمية الأميركية، في الصفحات الداخلية إلى جانب الإعلانات عن الفياغرا . ولم تتردد صحف ومجلات كثيرة، ليس أقلها شأنا «التايمز» في اللجوء إلى شهادات لمعارضين عراقيين مزيفين .
إن هذه الصحف والعديد من وسائل الإعلام الأخرى لم تقم، حسب رأي ميتشيل، بالدور الأساسي المناط بها، وهو أن تكون أمينة لـ «واجب» الإعلام. وبالتالي طرح التساؤلات حول مصداقية ما يقوله الرسميون الأميركيون. لكن الحرب قامت وبدا من الواضح أن قرارات سيئة قد جرى اتخاذها على قاعدة حجج سيئة هي الأخرى.
ويرى المؤلف أن الحاكم بول بريمير والسلطة المؤقتة للتحالف ووزير الدفاع السابق دونالد رامسفيلد قد ساهموا، جميعهم، في تأجيج المقاومة ضد الاحتلال. وما يتم تأكيده في هذا السياق أيضاً هو أن رامسفيلد، ونائب الرئيس ديك شيني، لم يجدا حولهما، سوى ماندر، من يدعوهما إلى التعقل والتأمل.
دور الإعلام
الصحف والعديد من وسائل الإعلام الأخرى لم تقم، حسب رأي غريغ ميتشيل، بالدور الأساسي المناط بها، وهو أن تكون أمينة لـ «واجب» الإعلام. وبالتالي طرح التساؤلات حول مصداقية ما يقوله الرسميون الأميركيون.
المؤلف في سطور
غريغ ميتشيل هو رئيس تحرير مطبوعة سعالم الأعمالء وهو يكتب فيها زاوية تحت عنوان «مشاكل ملحّة». كان رئيسا لتحرير مطبوعة « الأزمنة النووية»، وساهم في الكتابة بالعديد من الصحف الكبرى مثل «نيويورك تايمز» و«واشنطن بوست» و«شيكاغو تريبيون». من كتبه «هيروشيما في أميركا: نصف قرن من الإنكار» و«عقوبة الإعدام والضمير الأميركي ونهاية الإعدامات»، الخ.
الكتاب: الاستمرار طويلا في الخطأ
تأليف: غريغ ميتشيل
الناشر: يونيون سكوار برس ـ بوسطن 2008
الصفحات: 320 صفحة
القطع: المتوسط
So wrong for so long
Greg Mitchell
Union Square Press- Boston- 2008
P.320