«كيف طردت إسرائيل الفلسطينيين 1945-1949» هو كتاب في واقع الأمر إعادة نظر وتطوير ما كان مؤلفه دومينيك فيدال قد تعرّض له في كتابه: «خطيئة إسرائيل الكبرى» وذلك على ضوء المستجدات في قضية الشرق الأوسط.
ما يؤكده دومينيك فيدال الاعتماد على أعمال المؤرخين الإسرائيليين الجدد من أمثال بيني موريس وايلان بابي وتوم سيغيف وغيرهم هو أنه أصبح من المستحيل واقع طرد حوالي (000 800) ثمانمئة ألف فلسطيني من أرضهم وديارهم قبل وبعد قيام الدولة اليهودية في شهر مايو من عام 1948. وهذا ما يدل عليه العنوان الفرعي للكتاب والذي جاء فيه: ما يكشفه المؤرخون الجدد عناوين الفصول العشرة للكتاب لها دلالة كبيرة على المواضيع التي يتم التعرض لها. وقد جاءت هذه العناوين كما يلي بالتتالي: من الإبادة إلى تقسيم فلسطين ، دافيد ضد غوليات ؟ خمس حركات على مرحلتين ، ديرياسين، الاستثناء والقاعدة ، تدمير وتجديد واستيطان ، لوزان أو السلام الغائب ، دافيد بن غوريون، الطارد الأكبر ؟ على ضوء التشدد ، ييني موريس أو الفصام النفسي ، ايلان بابي، أو الطريق المعزول وأخيرا: من التاريخ الجديد إلى ما بعد الصهيونية .
تتم الإشارة أولا إلى أن عام 1987 شهد نشر الكتاب الأول للمؤرخ الإسرائيلي بيني موريس حيث أبرز مشكلة اللاجئين الفلسطينيين وتبعته كتب أخرى لـ «إيلان بابي» و«آني شليم» و«توم سيغيف» وغيرهم ممن جرت تسميتهم فيما بعد بـ «المؤرخين الجدد».
هؤلاء جميعا حاولوا إعادة كتابة الشروط التي قامت بها الدولة العبرية في فلسطين. وقد تجاوزوا في أطروحاتهم كل الأساطير والمحظورات التي كان قد التزم بها المؤرخون الرسميون الإسرائيليون وحتى الغربيون.
وبناء على أعمال هؤلاء المؤرخين الجدد يطرح الكتاب العديد من الأسئلة الجوهرية مثل: ماذا تكشف أعمال هؤلاء المؤرخين حول الأحداث التأسيسية للصراع الفلسطيني-الإسرائيلي؟ وما هي النقاشات التي أثارتها هذه الأعمال في الأوساط الإسرائيلية؟
وما هو التأثير الذي مارسوه على المجتمع الإسرائيلي؟ هذا الكتاب يمثل عملا توليفيا يحاول فيه مؤلفه الإجابة على الأسئلة وغيرها بحيث يطّلع عليها الرأي العام الغربي في وقت لم تتم فيه، إلا نادرا، ترجمة أعمال المؤرخين الإسرائيليين الجدد إلى اللغات الأجنبية الرئيسية.
وبعد أن يتم التأكيد على أن منطقة الشرق الأوسط تعاني اليوم من عواقب تلك الأحداث التي عرفتها فلسطين منذ ما يزيد على 60 سنة، يذكّر المؤلف بما يراه الأكثر مركزية بينها. هكذا يتم التذكير بتاريخ 29 نوفمبر 1947 عندما قررت الجمعية العامة للأمم المتحدة تقسيم فلسطين بين دولة يهودية ودولة عربية ومنطقة دولية بالنسبة للقدس والأماكن المقدّسة.
وفي 14 مايو 1948 أعلنت الدولة اليهودية عن استقلالها لتنشب في اليوم التالي الحرب مع الدول العربية التي رفضت التقسيم. وبتاريخ 20 يوليو 1949 جرى توقيع الهدنة بين الإسرائيليين و جيرانهم بعد 20 شهرا من الحرب.
«كيف طردت إسرائيل الفلسطينيين» كتاب تركز تحليلاته، من البداية وحتى النهاية، على واقع أن المؤرخين الجدد ألقوا الضوء بطريقة مغايرة جذريا على حرب 1948 في فلسطين، وذلك تحديدا بالاعتماد على الأراشيف الإسرائيلية نفسها، وأيضا على الكثير من الشهادات التي جرى الحصول عليها مباشرة.
ويتم التركيز في أعمالهم على الآلية التي طرد فيها الإسرائيليون الفلسطينيين في ظل موازين قوى كانت تميل آنذاك كثيرا لصالح الطرف الإسرائيلي. إنهم يؤكدون على أن ما جرى كان عملية طرد للفلسطينيين بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى، وليست عملية هجرة اختيارية .
على صعيد المؤرخين العرب، يؤكد دومينيك فيدال أنهم أصرّوا باستمرار، منذ البداية، على أن الغالبية العظمى من حوالي الثمانمائة ألف فلسطيني كانوا قد أُرغموا على الرحيل في إطار خطة سياسية ـ عسكرية عرفت مذابح عديدة. وتتم الإشارة في هذا الإطار إلى أعمال المؤرخ الفلسطيني وليد الخالدي منذ مطلع عقد الستينات الماضي.
أما الرواية التاريخية الإسرائيلية التقليدية فقد قالت أن اللاجئين الذين حدد عددهم الأقصى بنصف مليون شخص قد رحلوا بطوع إرادتهم بناء على نداءات تلقوها من القادة العرب الذين كانوا قد وعدوهم بالعودة السريعة بعد الانتصار القريب .
وأشارت تلك الرواية الإسرائيلية الرسمية إلى أن المجازر المأسوف لها قد قامت بها منظمات متطرفة مثل ايغرون بزعامة مناحيم بيغن أو منظمة إسحاق شامير. ويشير فيدال في هذا السياق أنه منذ سنوات الخمسينات المنصرمة احتجت شخصيات إسرائيلية، مقرّبة خاصة من الحزب الشيوعي، على تلك الأطروحة.
وشهد النصف الثاني من عقد الثمانينات ظهور آراء نقدية لها أيضا من قبل صحافيين وباحثين حيث كان ييني موريس هو أول من أثار مشكلة اللاجئين الفلسطينيين وطالب بـ «إعادة» النظر في التاريخ . ويعيد دومينيك فيدال بروز تيار المؤرخين الجدد إلى ظاهرتين أساسيتين، الأولى هي فتح الأراشيف الإسرائيلية الخاصة بتلك الفترة اعتبارا من عام 1978. والثانية تمثلت في حرب لبنان عام 1982 والانتفاضة الأولى مما دفع «المؤرخين الجدد» إلى طرح القضية بكل أبعادها واقتراح «حلول جديدة».
المؤرخون الجدد
ما يؤكده دومينيك فيدال هو أن هؤلاء المؤرخين لا يشكّلون مجموعة متجانسة إيديولوجيا، ويرى أن تنوعهم يعطي أطروحاتهم مصداقية أكبر . هذا مع الإشارة إلى أن ايلان بابي هو الوحيد الذي يعرف نفسه كـ «معادي للصهيونية».
بل إن بعضهم قد غيّر مواقفه لاحقا مثل بيني موريس نفسه رائدهم الذي اقترب من نهج ارييل شارون. لكن هذا لا يمنع مؤلف هذا الكتاب من التأكيد أنه لم يتنكّر لنتائج عشرين سنة من الأبحاث التي قام بها ويضيف: إننا مدينون لبيني موريس ولكتابه الأول في الكشف الأكثر تجديدا حول فترة 1947-1949.
المؤلف في سطور
عمل دومينيك فيدال لسنوات عديدة في مجلة «لوموند ديبلوماتيك» الشهيرة الصادرة عن مؤسسة صحيفة « لوموند» اليومية. كان قد عمل في بداية مسيرته الصحافية في مجلة «سريفولوسيون» الثورة - الشيوعية. له العديد من المؤلفات حول تاريخ الشرق الأوسط، وكان أحدها قد نال شهرة كبيرة هو: خطيئة إسرائيل الكبرى .
الكتاب: كيف طردت إسرائيل الفلسطينيين 1945-1949
تأليف: دومينيك فيدال
الناشر: اتولييه باريس 2007
الصفحات: 256 صفحة
القطع: المتوسط
Comment Israël expulsa les Palestiniens 1945-1949
Dominique Vidal
Atelier -Paris 2008
P. 256