بادرت صحيفة «ديلي تلجراف»اللندنية إلى إجراء هذه المقابلة مع الروائي والأستاذ الجامعي البريطاني جيمس ميللر، بعد النجاح الكبير الذي توجت به روايته «فتية مفقودون»، وهي أول رواية تنشر له، والثالثة من تأليفه، حيث ألقى الضوء على جوانب من العناصر التي ألهمته روايته، وفي مقدمتها ما وصفه بأزمة شباب الطبقات المميزة في المجتمعات الغربية، الذين وصفهم بأنهم يعيشون في أقفاص مذهبة.

وأشار إلى أن تجربته في التدريس في المدارس الخاصة جعلته يدرك الأبعاد الخطيرة للأزمة التي يعيشها هؤلاء الشباب. وتطرق إلى مسيرته الأدبية، مشيراً إلى أنه يعكف حالياً على تأليف روايته الرابعة التي تدور حول أخطر القضايا البيئية، ونفى في الوقت نفسه طموحه إلى اقتحام الحياة السياسية، حسبما أفادت بعض التقارير، وفيما يلي نص المقابلة:

يشعر جيمس ميللر بالحيرة حيال ردود الأفعال على روايته «فتية مفقودون»، حيث وصفته الناقدة بيرل بينبردج بأنه كاتب راسخ، وأطلقت عليه مجلة «تايم أوت» لقب «نجم لندن الصاعد في 2008». ورداً على سؤال حول مدى سعادته حيال ردود الأفعال هذه، أعرب عن اعتقاده بأنه ألف رواية تفحص التأثيرات الوحشية للحرب على الإرهاب. غير أن ذلك ليس ما يبدو أن الناس يهتمون به، وقال: يبدو أن كتاب عروض الرواية يظنون أنها تدور حول أزمة الشباب البريطاني».

وهو يوضح أنه يكتب من واقع تجربته المباشرة وعمله بالتدريس لشبان يعانون مما يدعوه ب«آلام الإفراط في التميز»، حيث إن آباءهم يعملون ساعات طويلة بعيداً عنهم وأمهاتهم لا يجدن أنفسهن في الصباح في حالة جيدة لأنهن يعشن حياة التسوق والتخطيط لحفلات العشاء، ومن هنا فإن هؤلاء الشبان يقضون حياتهم بصحبة الخدم والمرافقين والمدرسين.

وفي الغالب لا يدور حوار بين الآباء والأبناء باستثناء الأوقات المحددة التي يعكف فيها الآباء على تذكيرهم بواجباتهم المدرسية ويمنعونهم من ركوب المواصلات العامة حتى لا يختلطون بمن لا ينبغي لهم أن يقابلوهم. ويقول ميللر: هؤلاء الآباء ليسوا وحوشاً ولا مسوخاً، وإنما هم يحاولون القيام بأفضل ما يمكنهم عمله لأبنائهم، ولكن أزمة الأبناء لا تقتصر على أبناء الشرائح الاجتماعية المحرومة فقط، وإنما تمتد أيضاً إلى أبناء الشرائح العليا في المجتمع .

وهو يشير إلى أن أبناء الطبقات الموسرة: يراكمون في المدرسة ساعات عمل تساوي ساعات عمل رجال المصارف، بينما هم في الحادية عشرة من أعمارهم، ويصر آباؤهم على إدخالهم المدارس المناسبة وذهابهم للجامعات المناسبة والحفاظ على امتيازاتهم الطبقية، وبالتالي فهم لا يتركون أي شيء للصدفة فيما يتعلق بهم«.

وقد اكتشف ميللر أن هؤلاء الشباب الذين يتعرضون للإفراط في السيطرة عليهم من جانب آبائهم يهربون إلى العالم البديل الوحيد المفتوح أمامهم، وهو عالم ألعاب الكمبيوتر. ويقول: إنهم يشعرون بالقوة وهم يمارسون هذه الألعاب لأنهم في الحياة الواقعية مجردون من القوة تماماً. وقد قمت بالتدريس لفتاة في الثانية عشرة من عمرها تحمل لقب الساحرة في لعبة عالم الحرب، ويمكنها بسهولة التغلب على الكبار في المعارك السحرية التي تخاض في غمارها .

وليس عنف هذه الألعاب هو وحده ما يثير ضيق ميللر الشديد، وإنما: »تمتص الخيال من الشباب امتصاصاً. وعندما كنت طفلاً كنت أنسحب إلى عوالم فانتازية عبر الكتب التي منحتني نطاقاً أوسع من التجارب. كما كنت ألعب ألعاب الحرب العالمية الثانية، وكنت أرتدي زي المحاربين وأخرج إلى الحديقة للعب مع أصدقائي، بينما هؤلاء الفتية في داخل بيوتهم وحدهم يحدقون في شاشات الأجهزة .

وعلى الرغم من دهشة ميللر المفعمة بالصدمة حيال السبل التي يلجأ إليها الأغنياء، فإنه لم يأتِ من الجانب الخاطئ من المسار، فقد كان أبوه محاسباً تخرج في جامعة أكسفورد، وعملت أمه بالتدريس طويلاً، قبل أن تتفرغ لتربية أبنائها الأربعة. وقد أمضى جيمس، الذي كان أكبر اخوته، معظم سنوات مراهقته في ضواحي وارفة الظلال، وتلقى تعليمه في مدرسة رايجيت الخاصة الراقية.

ومع ذلك فقد بدت له المدرسة مصنعاً كئيباً لإنتاج أبناء الطبقة الوسطى، وكان أكثر سعادة عندما انتقلت عائلته إلى بنشورست في كنت، ليتاح للأبناء الأربعة تلقي التعليم مجانياً في مدرسة جاد الراقية أيضاً. وهو يقول: كانت بنشورست قرية جميلة، ولكنها كانت مكاناً فظيعاً من حيث نشأة المرء فيه. فلا شيء يحدث، ولا يمكنك الذهاب إلى أي مكان لعدم وجود مواصلات عامة.

وليس هناك إحساس بالجماعة لأن الجميع كانوا إما من المتقاعدين أو ممن يمضون جيئة وذهاباً إلى لندن كل يوم. وقد وجدت المدرسة هناك عنيفة وسخيفة والجميع أغبياء، وكرهت الألعاب والانضباط الصارم المفروض هناك«. هكذا فإن من السهل فهم السر في طرده من إحدى شركات أبحاث التسويق على يد رئيس قال له: يمكنني أن أرى في عينيك الاحتقار لما نقوم به .

ويقول ميللر: كان هذا صحيحاً، وأنا ممتن لأنني أدركت عند ذلك أنني أنتمي إلى عالم الأدب، وبدأت في إعداد رسالتي لنيل درجة الدكتوراه . وفي الوقت نفسه قام بتأليف روايتين لم يجد لهما ناشراً، وعاش مع كاتبة يصرح باسمها مكتفياً بوصفها بأنها كاتبة ناجحة للأدب الأنيق على حد تعبيره، لكنهما انفصلا لأنه لم يكن مستعداً لمرحلة الإنجاب وتربية الأبناء بعد.

ولو أنه كان مسؤولاً عن العملية التعليمية في بريطانيا لبادر، حسب تعبيره، إلى نفي التكنولوجيا من الفصول الدراسية، لأن أجهزة الكمبيوتر وشاشات عرض الشرائح لها علاقة أكبر بالتدريب الوظيفي أكثر مما لها صلة بتطوير القدرة على التفكير، ولبادر إلى تقليل مصاريف التعليم الجامعي، لأن المصاريف الباهظة الحالية ـ حسبما يعتقد ـ تشجع الخريجين على التوجه إلى مهن تستهدف العائد الكبير، مثل الخدمات المالية، وليس التعليم، أو العمل الخيري، أو غيرهما من الميادين التي يحتاجها المجتمع بصورة أكبر.

المؤلف في سطور

ولد الروائي والأستاذ الجامعي البريطاني جيمس ميللر في لندن في يوليو عام 1976 لعائلة ميسورة، حيث عمل أبوه الذي سبقه إلى التخرج من جامعة أكسفورد محاسباً، وعملت أمه بالتدريس، والتحق بمدارس خاصة مميزة، تم درس اللغة الإنجليزية في أكسفورد وحصل على ماجستير في الأدب الإنجلوأميركي من جامعة لندن، وعلى الدكتوراه في الأدب الأفرو ـ أميركي من كينجز كوليج في لندن أيضاً، وعمل فيها بتدريس الأدب الأميركي في القرن العشرين والنظرية النقدية.

أنجز المؤلف روايتين، لم يعثر على ناشر لهما، غير أن روايته «فتية مفقودون» قبلت للنشر فور الانتهاء منها، ويعكف المؤلف حالياً على إنجاز روايته الرابعة التي تدور حول أخطر قضايا البيئة في أجواء كابوسية مروعة.للمؤلف اهتمام خاص بسياسات الشرق الأوسط وتاريخ الحقوق المدنية والنظرية ما بعد الكولونيالية، فضلاَ عن اهتمامه الكبير بالموسيقى الأفرو ـ أميركية وموسيقى جامايكا.

منى مدكور