تحمل بلدة غورنيكا الواقعة بإقليم الباسك شمال أسبانيا، قيمة رمزية مقدسة لسكانها وبخاصة لابنها بابلو بيكاسو (1881-1973) الذي غادرها إلى باريس ليعيش مغتربا هناك، مدينة هادئة مسالمة بعيدة عن صوت المدافع ومجازر سنوات الحرب الأهلية، بعد ثلاث ساعات ونصف الساعة من ظهيرة يوم السادس والعشرين من أبريل 1937.
تعرضت غورنيكا الآمنة لقصف وحشي من قبل الطائرات والمدافع الألمانية التي أرادت تجريب نوع جديد من الأسلحة تطلق من الجو، على البيوت والمحلات والسكان والقرويين الّعزل، بناء على طلب من الجنرال فرانكو، وقواته المتمردة، تحولت تلك المدينة الآهلة بالسكان إلى خراب ومات القسم الأعظم منهم »بيكاسو كان أكثر إنسان ممن اعرفهم بعدا عن السياسة« هذا ما قاله صديق بيكاسو القديم تاجر التحف الفنية الباريسي (دانيال هنري كانفيلر)عندما رأى الجدارية لأن بيكاسو كلف برسم أخرى أثناء اشتعال الحرب الأهلية الأسبانية بطلب من الحركة الأسبانية التي أرادت أن تكون عملا دعائيا يناهض الوجود الفاشي، في حين كان دافع بيكاسو القوي بحسب الدراسات الأولية للوحة لدى الكشف عنها قبل أكثر من عشرين عاما، رسم زيتية عن الفن الزيتي.
صور سريالية لا يستجيب أحد لها سواه، ثم تخلى عنها بعد سماعه أخبار دمار وطنه وشرع في رسم غورنيكا ليضيف صوته إلى أصوات العديد من الرسامين الأسبان في المنفى المعارضين للفاشية، وليؤرخ لمرحلة جديدة هي الأكثر وحشية وبغضا في مراحل الحرب تكمن أهمية الجدارية من تناولها حقائق عامة وشاملة بحيث أصبحت لاحقا مركزا لاستقطاب المشاعر القومية وإثارة ردود فعل الجماهير، ورمزا للاحتجاج عل الحرب، إنها لوحة تهجو ليس الحرب وحدها، بل وحشية قوات فرانكو في قمعها الثورة الأسبانية التي اشترك فيها كبار مثقفي وفناني العالم.
وبما أن بيكاسو فنان له إبداعاته المتقدة ورؤيته الفنية المتميزة فقد رسم اللوحة كموقف من حدث شارك فيه صانعها تمثلت في زاوية إنسانية ضيقة وعامة تمثلت في رفض الحرب والعنف، وتجاوزها بعدها التسجيلي والتاريخي لتكون ندا لصورة الإنسان حين يتمزق بدنه ويتناثر إربا أو فتاتا يرى رسل مارتن مؤلف كتاب (حرب بيكاسو دمار غورنيكا واللوحة التي غيرت العالم أن الجداريةالزيتية (غورنيكا ) تحفة بيكاسو الخالدة قد اكتسبت شهرة عريضة لخصوصيتها القريبة من خواص فن البوستر أو الملصق.
بحيث يمكن وصف سطح اللوحة على انه مسطح وتم تنفيذ رسم المفردات على هذا السطح بأسلوب الملصقات، أي أنها لن تتضرر جراء عمل نسخ عديدة عنها، وبما أنها نفذت بالأسود والأبيض فهذا يعني الحصول على مطبوعة(البطاقات البريدية ? أغلفة الكتب ) من النماذج الأصيلة التي لا تعاني التشوهات الناتجة عادة عن الطبع على نطاق واسع.
بيكاسو كان الفنان الوحيد من بين الرسامين المعاصرين الذي رأى الأشياء الكائنة، ورأى القرن العشرين وأبصر حقيقته، عكس الذين رأوا القرن العشرين بعيونهم، لكنهم لم يبصروا غير حقيقة القرن التاسع عشر. في غورنيكا استخدم بيكاسو الرموز، ونفذها بطريقة اقرب إلى الصور الكاريكاتورية.
فتضمنت أشكالا مألوفة لكائنات بشرية معذبة، بمزج سريالي رائع بين الأشكال، امرأة تقف على حطام مبنى منهار، ترفع ذراعيها مستغيثة في أقصى يمين اللوحة، إلى جانبها امرأة خائفة تحمل مصباح في يدها، وأخرى جاثمة.. مصدومة،أم تحتضن رضيعها الميت في أقصى اليسار، جندي مبطوح على السطح الأمامي للوحة، مفصول الرأس عن الجسد، تقبض يده المبتورة على سيف.
ويحتل الثور والحصان الخلفية اليسارية بكاملها من الجدارية وهما يرمزان لأسبانيا نفسها استوحها بيكاسو من مشاهد مصارعة الثيران. وقد فعل ذلك لمنح اللوحة عمقا للمزاوجة والمزج بين الواقعية والرمزية، مركزا على تفاصيل هامة كنقطة الالتقاء بين معاناة الفرد والمعاناة القومية.
واجهت غورنيكا رفض الزوار لها عندما أزيحت الستارة عنها للمرة الأولى، وبدت لوحة مشكوكا بها، ربما لتميزها أو لتحديها الأساليب التقليدية والتواءاتها الفنية، اللذين شكلا بدورهما لاحقا عوامل قوتها الدائمة وسحرها الدفين ورحلتها إلى عالم الشهرة حيث وجدت طريقها لمتحف الفن الحديث في نيويورك.
اعتبرت الجدارية بجاذبيتها وشموليتها التي عبر فيها بيكاسو عن مشاعره البغيضة إزاء فرا نكو،وموقفه المناهض للحرب، أعظم عمل فني.. وإبداع كل العصور، كونها رمزا قوي التعبير من كل الجوانب، من جانب حكومة الجمهورية الأسبانية التي كانت تخوض المعركة، ومن جانب الحركة اليسارية العالمية.
وبمرور الزمن من جانب الفنانين المناهضين للحرب في فيتنام، ومنظمات السلام العالمية، وانفصالي إقليم الباسك، والناجين من الهجوم على مركز التجارة العالمي في الحادي عشر من سبتمبر 2001، بل ومن جانب البشر المحبين للسلام في كل أنحاء العالم على حد زعم المؤلف الذي جسد في كتابه صورة لا تنسى عن العبقرية الفذة التي جعلت أصداء جراحات الحرب تتردد عميقا حتى يومنا هذا.
»اللوحة الزيتية ليست لتزيين جدران البيوت، بل إنها أداة وسلاح حربي«. »أناضل من اجل الحياة ضد الموت ـ ومن اجل السلام ضد الحرب ـ تؤكد هذه الكلمات لفنان تعتبر إبداعاته المتقدة ورؤيته الفنية متميزة في التاريخ المعاصر هو بيكاسو، على مقولة الفن في مواجهة فظائع الحرب.
فقد تعمد إهداء كل من جنرالات الجيش الهتلري المحتل لفرنسا من الزائرين له بين الحين والآخر صورة فوتوغرافية لغورنيكا، وزار مندوب هتلر في باريس مقر الفنان بيكاسو عارضا عليه زيادة نصيبه من الأغذية والوقود والتي رفضها بيكاسو بإباء، ولدى خروجه وقعت عينا المندوب على اللوحة فسأله »أهو أنت إذن صانع اللوحة يا سيد بيكاسو« أجابه »كلا، انتم الذين صنعتموها«.
قصة مدينة وسيرة مبدع
في كتابه الجذاب (حرب بيكاسو دمار غورنيكا واللوحة التي غيرت العالم ) يكشف المؤلف راسل مارتن التأثير العميق للفن وأهميته الحيوية بالنسبة إلى الحياة البشرية، وعلى قضايا السياسة والثقافة، وكيف انه يغير وجه المأساة والعالم أحيانا. من خلال إلقاء الضوء على جداريه »غورنيكا« الزيتية التي رسمها رسام عالمي مثقف هو بابلو بيكاسو إحدى العلامات البارزة في القرن العشرين.ذلك الشاب العشريني الأسباني النحيل، المتعد بنفسه وكبريائه.
وأيضا بألوانه وخطوطه وعوالم لوحاته المغرقة في حزنها الأندلسي الأصيل، ذلك البارع الذي غزا باريس وبهرت لوحاته نقادها وفنانوها بخطوطها البنية وعنف ألوانها، في عصر جنون وعصر تجديد بداية القرن، يطلعنا المؤلف على خلفية وتاريخ إنجاز الجدارية الزيتية (غورنيكا) وتنفيذها، كيف أبصرت النور وكيف ؟؟ ولماذا أصبحت من أكثر الأعمال الفنية شهرة وإثارة للجدل، رابطا بين قصتها وسيرة مبدعها الذاتية، مهتما بتفاصيل الفترة الزمنية والحجم والأسلوب الإبداعي، كفترة استقرار الفنان بباريس أثناء اشتعال الحرب الأهلية الأسبانية.
ضد التقليدية
واجهت غورنيكا رفض الزوار لها عندما أزيحت الستارة عنها للمرة الأولى، وبدت لوحة مشكوكا بها، ربما لتميزها أو لتحديها الأساليب التقليدية والتواءاتها الفنية، اللذين شكلا بدورهما لاحقا عوامل قوتها الدائمة وسحرها الدفين ورحلتها إلى عالم الشهرة حيث وجدت طريقها إلى متحف الفن الحديث في نيويورك.
راسل مارتن في سطور
عمل (راسل مارتن) مؤلف هذا الكتاب مراسلا صحفيا لسنوات في مدينة كولورادو الأميركية قيل أن يتفرغ للكتابة، ومارس التدريس في جامعتها لمدة ثمانية عشر عاما ومن ثم منحته تلك الجامعة التي كان قد تخرج منها دكتوراه فخرية، له مؤلفات عديدة أبرزها كتاب (شعرة بيتهوفن) الذي صدر عام 2000، وأعيدت طباعته خمس عشرة مرة في مختلف أنحاء العالم وتحول إلى فيلم وثائقي تلفزيوني.
فاتنة صالح الكردي