أكثر من خمسين عامًا من العطاء المستمر قدم خلالها الروائي إدوار الخراط عددا من الروايات أشهرها «رامة والتنين»، «الزمن الآخر»، «ترابها زعفران»، كما قدم عددًا من المجموعات القصصية من أشهرها «ساعات الكبرياء، محطات السكة الحديد، الأشواق الطائرة».
وقد صنعت له تلك الروايات موقعًا في الصف الأول للإبداع العربي، ولم يقتصر الخراط على القصة والرواية، بل إنه مترجم بارز، أنجز العديد من الأعمال على رأسها «الحرب والسلام»لتولستوي، كما أن له تجربة في الفن التشكيلي. مسارات» التقت الخراط الذي تحدث عن مسيرته الحافلة بالإنجازات متوقفا أمام محطات عديدة في مشواره. وفيما يلي نص الحوار:
كيف ترى المشهد الروائي المصري والعربي؟ منذ سنوات قليلة تمر الرواية العربية بصفة عامة بمرحلة ازدهار وتنوع وتعدد في الرؤى والاتجاهات بشكل يدعو للاعتزاز، فهناك تنوع ورؤى مختلفة تسهم في تعميق رؤية الواقع، فهناك قدر مرموق من الإنجازات والأعمال الواعدة، ولعلنا لم نعرف فترة ازدهرت فيها الرواية العربية والمصرية من قبل؛ كما هو حادث في المشهد اليوم. وفي تقديري أن الكتّاب الجدد ينهضون بعبء وبرسالة مهمة في هذا المجال، تحفزهم لذلك روح المغامرة والتجديد.
قانون المبدع
اتجه بعض الروائيين إلى رواية «السيرة الذاتية»أو الرواية التاريخية.. فهل يعني ذلك ضعف الخيال وعدم القدرة على استخراج صور من الواقع؟
ليس هناك قاعدة مسبقة أو قانون يحكم المبدع، ويتوقف الأمر على موهبة الكاتب وقدرته على الإبداع، واستطاعته أن يطوع أسلوبه في الرؤيا للواقع الموجود، وليست هناك مشكلة في أن يستخدم شرائح من السيرة الذاتية، أو مقاطع تاريخية.
أو ما يراه مناسبًا، بشرط أن يحدث نوعا من التناغم أو التناسب أو البنية المتسقة في العمل، لكن ليس هناك قانون مسبق أو قاعدة مفروضة على الكاتب أو الروائي، إنما بمقدرته وموهبته ورؤيته يستطيع أن يطوع الأمور بما يتفق مع الواقع، أو ما يرى أنه الواقع، والسيرة الذاتية والخيال جزء من الواقع.
ألم تسأل نفسك يومًا.. لماذا تكتب؟
أكتب لأنني لا أعرف لماذا أكتب، هناك قوة قاهرة تدفعني إلى الكتابة، والشيء الوحيد الذي أعرفه أنني لا أملك إلا الكتابة سلاحا للتغيير، تغيير الذات وتغيير الآخر، تغيير الوطن وتغيير العالم، ربما إلى الأفضل، وربما لأدفأ في برد الوحشة والوحدة، أو أروح في حر العنف والاختناق، لأنني أتمنى أن أقتحم مقدار خطوة في ساحة الحقيقية التي لا حدود لها.
لأنني أتمنى أن ترتفع معرفتي ومعرفتكم بالذات، وبالعالم، ولو كان ذلك مقدار قامة، لأنني لا أطيق أن أتحمل في صمت جمال العالم وأهواله، فلابد أن أقول، لأنني أريد أيضًا أن تظل العدالة حلمًا حيًا لا يموت، وصرخة لا تطفئها قبضة القهر، أتمنى أن يكون في كل كلمة من تلك التي أكتب، أو في مجمل ما أكتب، شيء يدفع ولو قارئا واحدًا أن يرفع رأسه في كبرياء.
وأن يحس معي أن العالم ليس أرض الخراب واللا معنى، لأن الكتابة حديث حميم أتكلم به إلى أناس أعرفهم ولا أعرفهم، وأنا أريدهم هؤلاء المجهولين الذين أعرفهم كما لا أعرف أقرب الأقرباء أن يسمعوني، وأن نسمع معا عن ذات أنفسنا معاً، أكتب لأنني أتمنى أن أرى هذه الأرض العريقة التي أعيش فيها قد أزاحت عنها تماما غاشية الظلم والظلام، وسحابات الردة الدينية السوداء.
متعة خاصة
نعرف أنك روائي وقاص وناقد وكاتب.. فما علاقتك بالفن التشكيلي؟
أنا مفتون بالفن التشكيلي، مع أنني لم أدرس هذا الفن، ولم أسع إلى دراسته، لكنني أعتقد أن الكتابة لدي صورة أو نحت، لأن هاتين القيمتين اللتين توجدان في الفن التشكيلي هما نفس القيمتين في كتاباتي وكتابات بعض الآخرين، وأصدقائي من الفنانين التشكيليين أكثر من أصدقائي من الأدباء أو على الأقل مثلهم.
تعودت على زيارة أصدقائي من التشكيليين في مراسمهم الخاصة، كنت أحضر جلسات الرسم ولحظات ميلاد اللوحات الكبرى، كانت ومازالت هذه متعتي الخاصة، إحساس جميل عندي مثل ذلك الإحساس الذي يأتيني شخصيًا وأنا أبدأ في كتابة رواية جديدة.
مكبوتات عربية
هناك هامش واسع من الحرية في الغرب، في رأيك لو حصلنا على مثله في عالمنا العربي، هل كان سيتغير وضع الكاتب والإبداع؟
هناك ملاحظتان في هذا الشأن.. أولاً: كتّاب الغرب دفعوا الثمن، «أوسكار وايلد سُجن، د. ه. لورانس تمت مراقبته سنوات، وكذلك جيمس جويس، وفي فرنسا دفع الثمن فلوبير وبودلير وغيرهما، وإن كان السياق الحضاري والثقافي الاجتماعي هو الذي كان يحكم تلك الأوضاع، ولعل الروائي أو الشاعر في الغرب أصبح غير مهم وغير فعّال إلى حد كبير.
فإنه يقوم بأدوار فاعلة اجتماعيا، وينتظر منه أن يحققها، لهذا فإن العلاقة وثيقة جدًا بين فعل الكتابة والفعل الاجتماعي، وعليه فإن حريته محدودة لا مفر؛ لأنه يقف في مواجهة السلطات وله تأثير وفاعلية مهما كانت محدودة أو مقصورة على ما يسمى ب«النخبة».
لكنه مازال يسجن ويحظر ليس بالضرورة بسبب ما يكتبه فقط إبداعا أو تقدمًا أدبيًا، بل أساسًا بسبب دوره السياسي والاجتماعي، ذلك ما حدث في القرن التاسع عشر في أوروبا. أما عندنا فإن المكبوتات التي يعالجها الكاتب كثيرة، وإن كان ذلك التناول لا يأتي بالفوضى أو الجموح، ومازال انتزاع الحرية عملية معقدة ومركبة.
تحولت العديد من الأعمال الأدبية الكبرى إلى أعمال درامية نجح بعضها وفشل الآخر.. فهل يرجع الفشل إلى النص أم المعالجة الدرامية؟
معظم ما تحول من أعمال أدبية للشاشة لم ينجح بالمعنى الفني، قد تكون بعض هذه الأعمال نجحت في تشويق الجماهير، لكنها شوهت العمل الأدبي الأصلي، والمثال الواضح على ذلك ما قدمه حسن الإمام وشوه نجيب محفوظ نهائيًا، وأعطاه صورة غير التي يستشفها قارئ رواياته.
لم أجد في معظم الأعمال التي تحولت للتليفزيون نجاحًا حتى مسلسل «خالتي صفية والدير»على الرغم من أنه حقق نجاحًا جماهيريًا، لكنني لا أعتقد أنه كان جيدًا أو أنه نقل المناخ أو الفكرة الأساسية للعمل الأدبي، وعلى حد معرفتي فإن المؤلف بهاء طاهر لم يكن راضيًا عن العمل أثناء تصويره على الأقل.
حصلت كأول مصري على جائزة مهرجان الرواية العربية الرابع بالقاهرة.. فكيف تنعكس مثل هذه المهرجانات على مستقبل الرواية؟
المهرجان فرصة من قريب للتعارف بين المبدعين والنقاد والباحثين، لذا ينبغي الاحتفاء به وتشجيعه والاستمرار في تطويره، وإذا كان كما يقول البعض للالتقاء فهذا أيضًا لا بأس به، لكني أجد هناك جهدا في البحث والتسويق مهم يقوم به هذا المهرجان، ونأمل أن يزداد ثراء ويتطور إلى الأفضل.
مشروع كلمة
تشهد الترجمة حاليا أزدهارا واضحا كما نشهد قيام مبادرات ومشاريع طموحة في هذا المجال ما هو تقييمك لهذه الانجازات المهمة ؟
المأمول أن يقوم مركز الترجمة المصري الذي يقوده د. جابر عصفور، والذي أنشأ حديثًا بدوره، بالإضافة إلى أن هناك العديد من المشاريع الحديثة للترجمة في الدول العربية مثل مشروع «كلمة» بدولة الإمارات، لكن يجب أن يتم التنسيق بين كل المشاريع العربية، وأن يسند لكل منها بند معين للترجمة، ويتم تبادله مع الآخر حتى لا يحدث تكرار تضيع من ورائه الجهود لتطابق ما تقوم به كل دولة.
أمير الروائيين
أطلق عليك أخيرًا «أمير الروائيين العرب» فهل أنت راض عن مشوارك الإبداعي؟
أنا شاكر لهذا التقييم، وقال ضاحكًا: «نحن في عصر جمهوري وليس عصر أمراء وملوك» أما عن مشواري الإبداعي فهناك قدر من الرضا وقدر آخر من التطلع نحو ما هو أحسن وأفضل.
ما رأيك في دور اتحاد الكتّاب وتبرع حاكم الشارقة؟
الاتحاد لم يؤد حتى الآن الدور الذي يتطلع إليه الأدباء والكتّاب، لكنه يؤدي ما يستطيعه والمأمول أن يؤدي أكثر بكثير، أما بالنسبة لتبرع حاكم الشارقة فإنه من حق الاتحاد أن يحصل على أي مبلغ من أية جهة طالما أن التبرع غير مشروط، وحاكم الشارقة لم يضع أية شروط، وهو يساهم في العمل المهني للاتحاد، وهذا أمر جيد.
روح التجديد
هنالك العديد من تيارات التجديد والطليعة والمغامرة في الرواية العربية التي ظهرت مؤخرا وحققت حضورا مكثفا على الساحة الابداعية، خاصة في لبنان مع إلياس خوري وحسن داوود وهدى بركات، وفي سوريا حيدر حيدر وزكريا تامر وغيرهم من المبدعين، وفي المغرب محمد برادة وسالم بن خميس ومبارك ربيع، فضلاً عن إنجازات الرواية العربية في كل البلاد العربية.
البكاء على كتف القارئ
أن التجربة الفنية الحقيقية بما فيها التجربة الأدبية الروائية أو الشعرية إنما هي سعي إلى معرفة، أو بمعنى أدق سعي لوضع سؤال نحو المعرفة، بمعنى أن العمل الأدبي لا يريد لنفسه أن يكون موضوعًا طبقًا لقضية أو تبشيرا بها أو دعوة لها.
ومن ناحية أخرى فإن من التجربة الفنية الحقيقية في تقديري ربما كانت بالأصح تجنب أن تكون تزجية للوقت، أو إثارة للتسويق أو تفريجًا لضائقة نفسية، أو بوحًا فقط عن شؤون ذات رومانسية أو بكاء على كتف القارئ، إذا صح التعبير، لا دعوة ولا حضا ولا نجوى ولا مشاركة في خطاب عواطف، إنما هي دعوة للمشاركة في الخبرة في سياق له جمالياته.
فنان تشكيلي
يعترف أدوار الخراط أنه يهوى فن الكولاج، وهذا ما ظهر في روايته الأخيرة «بتاريخ الوقائع والجنون»، والكولاج ليس فن القص واللصق فقط، لكنه فن تشكيلي بالنسبة له، ويعمل على اعداد معرض يشتمل على أكثر من خمس وأربعين لوحة من لوحات الكولاج.
وكالة (دار الإعلام العربية)