بكثير من الفانتازيا التاريخية والتشويق المعروف به في سرد الرواية، يكتب أمين معلوف روايته الشهيرة «سمرقند»؛ الاسم الذي استقرّ عميقاً في الذاكرة البشرية إلى جانب عمر الخيّام، الشخصية الأشهر في التراث الصوفي الإسلامي، والعالم المشهود له في مجالات الفلك والرياضيات، وصاحب «رباعيات الخيّام» المشهورة، التي ضمنّها فلسفته ورؤيته حول إشكالية الموت والحياة، وقد تُرجمت إلى العربية مراراً منذ بدايات القرن العشرين، حيث اشتهرت ترجمة أحمد رامي بعد أن غنّتها كوكب الشرق أم كلثوم، وبات يرددها الصغير والكبير.
على الرغم من أن الرجل كاد أن يتحوّل إلى أسطورة بُعيد تناوله في الغرب والشرق على السواء، إلاّ أن ثمة مؤسطرين آخرين سوف يشاركونه أحداث هذه الرواية المركّبة، من مثل حسن الصباح صاحب قلعة ألموت وزعيم «الحشاشين» الفرقة الإرهابية السرية المعروفة، و«التايتانيك»، السفينة الغارقة التي استحالت بدورها إلى أسطورة من خلال السينما العالمية، هذا بالإضافة إلى «الرباعيات»، التي دخلت بدورها حيّز الأسطورة مع كاتبنا.
تنطلق الرواية من حدث تكرر كثيراً في السينما والكتابات الروائية العالمية، وهو ضياع نسخة فريدة من مخطوط «الرباعيات» في سفينة التايتانيك، فيعمل صاحب المخطوط بنجامين عمر لوساج؛ الشاب الأميركي الذي ورث عن أهله محبّة الخيام، على سرد الأحداث والوقائع بُعيد هذا الحدث، بالانتقال إلى زمن عُمر الخيام، وهو في سن الرابعة والعشرين من العمر، داخلاً سمرقند، المدينة التي كانت تعيش صراعاً عنيفاً ما بين السلطة ومعارضيها.
فيكشف عن سعي السلطة إلى قمع العلماء وتكفيرهم وجلدهم أو قتلهم إن اقتضى الأمر، وعلى هذا النحو من الإثارة سيعمد الروائي عبر مجموعة من اللقطات المشهدية لوصف حال سمرقند الاقتصادية والاجتماعية، ثمّ يزجّ بالخيام وسط مجموعة من الشبّان وهم يضربون بعنف رجلاً رثّ الثياب، وتبدو عليه ملامح الجنون، ليكتشف أن هذا الرجل هو «جابر» تلميذ ابن سينا المفضّل، والذي كان يعتبر متمماً لآرائه في الطبيعة والطبّ.
ومما يذكره السارد أن عقابه هذا كان بسبب آرائه الجريئة، واشتغاله في الفلسفة التي تعني في الذاكرة الشعبوية «الزندقة»، وهكذا فإن عمر الخيام سيوضع في موقف لا يحسد عليه، إذ يتعرّف عليه زعيم العصبة «الرجل ذو الندبة» نظراً لأن شهرته كانت قد سبقته إلى سمرقند، ولولا تدخّل كبير القضاة أبي طاهر لكان مصيره ليس أفضل من مصير جابر.
القاضي أبو طاهر، كما سيبدو لنا، شخصية براجماتية يسعى دائماً للسير مع التيار مع احتفاظه بآرائه الخاصّة، ومنها إعجابه الشديد بنتاج صاحب «الرباعيات» الحِكَمي والعلمي والشعري، فيعمل على إدخاله مجلس الأمير نصر خان، الرجل الطاغية، الذي بدوره يعيش حالة حصار من قبل السلاجقة ويسعى لحماية عرشه. وإلى ذلك فإن المؤلّف سيعقد فصلاً يجعل من بطله يعيش قصّة حبّ جميلة مع الشاعرة «جهان» الجارية المشبوبة العواطف.
وفي الوقت نفسه مطّلعاً على خفايا وأسرار القصر والقصور الأخرى، والأحداث الجسام التي حدّثت في المنطقة، والتي ستحدث مستقبلاً نتيجة للصراعات على السلطة بين القوى السياسية المختلفة من فرس وأتراك بالإضافة إلى الخليفة العبّاسي ببغداد، فلا يخلو الأمر من سرد تاريخي مملّ لكلّ هذه الأحداث المعروفة، حتّى وصول ملك شاه بن ألب أرسلان السلجوقي إلى السلطة، فتستقر الأحداث على نحو ما.
ومع «نظام الملك» الوزير الألمعي في عهد «ملكشاه»، و«حسن الصباح» زعيم فرقة «الحشاشين» المشهور، سوف تبدأ الأحداث الفعلية للرواية، حيث يمهّد الروائي لهذه الأحداث بتعرّف الخيام، بينما هو مسافر إلى أصفهان للقاء نظام الملك، على حسن الصباح الذي كان بدوره يقصد أصفهان بحثاً عن وظيفة هناك.
وفي أصفهان سيكشف السارد عن شخصية نظام الملك كمستبد عادل يحلم بإقامة يوتوبياه الخاصة بدولة إسلامية، «يشرب فيها الذئب والحمل بأمان من ذات الساقية»، على حدّ تعبيره، إلى جانب إقامة المصحّات والفنادق والمدارس والقلاع وقصور الحكومة، ولذلك فإنه في مملكة كهذه يحتاج إلى رجال حكماء وشرفاء من معدن الخيّام.
ولكن الخيام بطبيعته المحاذرة، سوف يتملّص من هذه المهمّة، ويتوسّط لرفيق دربه حسن الصباح، الذي ستوكل إليه إدارة المخابرات، فيعمل على إدارتها على نحو بارع، وبذلك يصبح قريباً من ملكشاه، الأمر الذي سيقود نحو الخلاف بين الشخصيتين الفاعلتين في المملكة: الوزير ومدير المخابرات، وينتهي الصراع بفوز نظام الملك على حسن الصباح بحيلة ماكرة، مما استوجب إبعاده عن منصبه الخطير، ليمضي باتجاه المعارضة وبناء «فردوس الحشاشين».
ولكي لا يبقى الروائيّ أسير الحدث التاريخي وتفاصيله المملة، فإنه سيعمد إلى استعادة زمنه الروائيّ بالعودة إلى حياة شخصياته الخاصة للكشف عن بعض الجوانب الوجدانية فيها، كما لدى تناوله حياة الوزير نظام الملك، أو ملك شاه وهو يعيش حياته الخاصّة وأثر النساء فيه، وكذلك الأمر بالنسبة لعمر الخيام من جهة مخطوطه الذي يعمل على إنجازه.
ومن جهة علاقته مع جهان التي تطوّرت إلى الزواج، وليكشف عن جانب من فلسفة الخيام الوجودية، وبعض نظراته في الحياة والسياسة، ومن ثمّ إخلاصه لعمله وعلمه، فنلتمسه متفرّغاً لكلّ ذلك، هانئاً في عيشه وملذّاته ومتابعة نجومه وأقماره، فيبدع في إيجاد تقويم سُمّي ب «تقويم عمر الخيام»، إلاّ أن الحياة الهانئة لا تدوم، إذ سرعان ما يتّصل به حسن الصباح داعياً إياه للانخراط في تنظيمه السرّي، للخلاص من دولة السلاجقة السنّة.
وتحرير الفرس الشيعة منهم. وبذلك فإن التاريخ سيفرض نفسه مجدداً، وستغدو التفاصيل التاريخية، مهما كانت صغيرة، مهمّة أيضاً، نظراً لجسامة الأحداث التي شهدتها المنطقة في هذه المرحلة الخطيرة، فيقع الروائي في أسرها، ويمضي في سردها على حساب روائية الرواية، وفي النهاية تكاد هذه التفاصيل أن تعصف بالرواية.
كما عصف الأحداث المملكة السلجوقية و«نظام الملك» الذي كبر وشاخ وألمّت به الأمراض لينتهي به الأمر إلى الموت اغتيالاً على أيدي الحشاشين، بعدما تخلّى عنه ملك شاه الذي سيموت بدوره مسموماً، ثمّ تقُتل سائر نساء القصر بمن فيهم جهان زوجة الخيام.
أما المخطوط الذي كان الخيام يعمل على إنجازه، فإنه سوف يُسرق منه، ويتمّ نقله إلى قلعة ألموت، برغبة من حسن الصباح ذاته، وذلك لكي يستدرج الخيام للمجيء إلى قلعته، نظراً لحاجته إلى صديق يثق به، لأنه بات يعاني من الوحدة القاسية، بالرغم من أنه وسط جماعته.
ويمكن اعتبار هذه المعاناة نتيجة طبيعية لنظام الطاعة الرهيب الذي استنه لهم، ويشير السارد إلى حاله هذه قائلاً: «لقد روّع القيّم بأمر الحشاشين الشرق والغرب بعمليات القتل المشهورة التي أمر بها، وبالأساطير التي حيكت حوله وحول فرقته وقلعته.. كان يريد أن يضبط لمريديه كلّ لحظة من لحظات حياتهم..».
ولابد في هذا الصدد من التساؤل مع السارد عن طبيعة هذا الحاكم الذي لن يتوانى عن قتل أبنائه كأيّ مستبد غلّب العقيدة على الذات، نظراً لأنهم تجاوزوا نظام طاعته الصارم، وعندما تحتجّ الزوجة والبنات على حكمه سيطردهنّ خارج القلعة، لتزداد عزلته ويصبح رهين النظام الذي استنه، والقلعة التي شيّدها بالخنادق والأسوار والحجارة.
وبالتالي فإنه سوف يواظب على دعوة الخيّام للمجيء إليه مما يذكّر بانتظار «غودو»، وكان الخيّام بفطنته يدرك الحالة الجحيمية التي وضع حسن الصباح نفسه فيها، وقد عبّر عن ذلك قائلاً: «ما الذي يجمع بيني وبين هذا الرجل من أمور مشتركة؟
أنا متعبّد للحياة، وهو عابد للموت، إنه يحتقر أجمل ما في الخليقة، ويجرؤ على التلفّظ باسم الخالق وعلى الوعد بالجنّة! صدّقني، مخاطباً حارسه، إذا كانت قلعته باب الجنّة، فإنّي أستنكف عن الجنّة، ولست لأطأ أبداً غار النسّاك الزائفين ذاك..» ص180 ليعود بعدها إلى نيسابور مسقط رأسه.
ويموت هناك بعدما تجاوز الرابعة والثمانين من العمر، ويدفن في قبر تحيط به الطبيعة بكلّ أعراسها وألوانها. غير أن الرواية لا تنتهي بموته، نظراً لأن الروائي سوف يستكمل حكاية المخطوط الذي وصل القلعة، وانتقاله من يد لأخرى حتى مجيء الأميركي بنيامين لوساج إلى إيران، وفي ذلك كتابة أخرى.
صخرة طانيوس تفوز بـ «غونكور»
فاز أمين معلوف بجائزة غونكور الفرنسية لعام 1993 وذلك عن روايته صخرة طانيوس التي تتحدث عن شيخ يحكم قرية تدعى كفريقدا (يعتقد أنها قريته التي ينتمي اليها في جبل لبنان) وتكون له نزواته ورهبته، له ابن يدعى رعد، ومساعد له يدعى (جريس)، بعد أن طرد مساعده السابق (روكز).
ويكون هذا الشيخ في حالة حب ل(لميا) زوجة مساعدة (جريس) ينجح في إتيانها، وتحبل منه وتلد ولدا يدعى (طانيوس) بطل الرواية. ورغم شكوك أهل القرية وشكوك جريس في شرعية طانيوس، إلا أن طانيوس هذا يعيش في كنف أمه (لميا) وزوجها (جريس).
ويتعلم طانيوس في مدرسة انجليزية وسط حكم أمير مصري مدعوم ـ آنذاك ـ من الحكم الفرنسي، وأثناء ذلك يهدي قس المدرسة الإنجليزي بندقية إنجليزية إلى رعد ابن الشيخ والتي يقتل بها فيما بعد البطرك الفرنسي على يد (جريس).
والسبب: أن ابن الشيخ رعد، وطانيوس كل منهما يريد (اسما) ابنة (روكز) زوجة له، وعندما يذهب البطرك الفرنسي للتوسط في هذا الزواج يفاجأ بجمالها فيقوم ويخطبها لابن أخيه، فيترصده جريس والد طانيوس غير الشرعي، ويقتله بالبندقية الإنجليزية الآنفة الذكر، فتقوم الدنيا ولا تقعد، خاصة وأن القتل ببندقية إنجليزية في منطقة يحكمها الفرنسيون. فيضطر جريش وابنه طانيوس إلى الهرب إلى قبرص.
وبعد فترة يتمكن الأمير من تعقب طانيوس، وجريس في قبرص، وينجح في خداعهم عن طريق مخابراته الذين يذهبون إلى قبرص، ويخبرون جريس وطانيوس بأن الأمير قد مات، ويمكنها العودة. ولكن القدر يجعل طانيوس لا يركب مع أبيه في نفس السفينة العائدة من قبرص، وبعد وصول جريس يأمر الأمير بقتله.
«سمرقند »..عالم خاص
رواية «سمرقند» هي حكاية اللجوء إلى عالم مثالي رحب، لا يشبه الواقع المعيشي المؤلم الذي يصعب احتماله. فأمين معلوف يستوحي في هذه الرواية قصة الشاعر والعالم والفقيه عمر الخيام. إنها عن علاقته بالسلطة ممثلة بنظام الملك وعلاقته بالمعارضة ممثلة بشخص الحسن بن الصباح. أمين معلوف يرسم شخصية عمر الخيام على أنها متفلتة من الزمان والمكان، محاولة أن تعيش خارجهما، على طريقتها. إنها شخصية تحيا عالمها الخاص من خلال البحث والرصد وعلم الفلك.
المؤلف في سطور
أمين معلوف، كاتب روائي لبناني هاجر إلى فرنسا 1976، وكتب رواياته بلغتها منذ بداية الثمانينات، ومن أهمها: »الحروب الصليبية كما يراها العرب«، »ليون الإفريقي«، »القرن الأول بعد بياتريس«، »سمرقند« ، »موانئ الشرق«، »حداق النور«، وغيرها، ويرى الباحثون أن كتاباته عموماً ترتبط بفكرة التواصل الحضاري والتسامح والانفتاح على العالم.
عزت عمر