«الرجل الذي عاش مثل وحيد القرن» هو رجل حقيقي اسمه الكسندر كوزما دوكوروس ، الذي يطلق عليه المؤلف لقب متسكّع الهملايا ، كما يبدو في العنوان الفرعي للكتاب.
موضوع هذا الكتاب، كما يؤكّد مؤلفه سيلفان جوتي، هو قصة حقيقية لرجل استثنائي، لشخص وُلد في القرن الثامن عشر ـ عام 1783ـ وعاش أغلبية حياته وتوفي في القرن التاسع عشر، عام 1842. ويصف المؤلف على أنه مؤسس الدراسات حول التيبت مؤكدا أنه قد أصبح كذلك بحكم الصدفة التي جمعته ذات يوم مع طبيب بيطري مولع بالاكتشافات كان قد كلّفه بمهمة تحرير قاموس حول اللغة التيبيتية.
كان الكسندر كوزما دو كوروس قد انطلق من جبال الكارابات في وسط أوروبا نحو آسيا الوسطى دون أن يكون بحوزته قرش واحد ، كما يشير المؤلف، من أجل مهمة محددة برأسه هي البحث عن أصول اللغة الهنغارية ـ المجرية . ومن المعروف أن هذه اللغة تتمتع بخصوصية كبيرة بين مختلف اللغات السائدة في القارة الأوروبية.
ذلك أن المتحدثين بها هم الهنغاريون وحدهم دون سواهم. ثم إنها لغة مجهولة الأصول إلى هذه الدرجة أو تلك، وليس هناك حتى الآن إجابات كافية شافية ونهائية عن أصول هذه اللغة، وأيضا عن أصول الهنغاريين.
يسوق المؤلف في البداية دعابة تقول انه عندما وصلت بعض القبائل من شعوب قدّمت من سيبيريا والأورال إلى منطقة بوزتا ـ هنغاريا حاليا ـ صادفت لافتة مكتوب عليها الجملة التالية: العشب هنا أخضر تماما . أولئك الذين كانوا يعرفون القراءة أقاموا في عين المكان، وهؤلاء هم الهنغاريون.
أما الآخرون فقد تابعوا طريقهم إلى الشمال وأصبحوا فيما بعد »الفنلنديين«. هذا يعني أن الهنغاريين والفنلنديين هم «أخوة بالدم» على أساس أنهم ورثة القبائل السيبيرية ـ الأورالية التي ركب أبناؤها أحصنتهم وقطعوا السهوب الشاسعة متجهين نحو الشمس، كان ذلك منذ ما يزيد عن أربعة آلاف سنة. وهناك اليوم عدة «أطروحات» عن المسار الدقيق الذي كانوا قد سلكوه.
لم تعجب تلك الرواية الكسندر كوزما دو كوروس الذي رفض فرضية أن يكون للهنغاريين والفنلنديين جذر واحد. لقد كان يميل، وبدقة أكثر كان يفضّل كما يعبّر مؤلف هذا الكتاب، أن يجد لشعبه الهنغاري أصلا متفرّدا بهم. أصلا يقع على مفترق الطرق بين التاريخ والأسطورة . وكانت تلك الرغبة ، كما يرى المؤلف، تعبيرا عن روح المغامرة الكامنة لديه أصلا.وقد دفعه إلى الاعتقاد بذلك واقع أن اللغة الهنغارية ليس لها أي جذر مشترك مع اللغات المجاورة السلافية أو البلقانية أو الجرمانية.
وظل تداولها محصورا في جزيرة معزولة وسط محيط من البشر الذين يتحدثون لغات أخرى متنوعة. وكان الكسندر كوزما على قناعة تامة أن المهد الأصلي للهنغاريين موجود في بلاد السهوب السيبيرية البعيدة. وبناء على تلك القناعة تشكّل لديه فكرة البحث عن الأصول .
ويشير المؤلف إلى أن هذا العالم في ميدان اللسانيات لم يدخل جامعة سوى ذلك الدير الصغير الذي لجأ إليه وعاش فيه في منطقة زانكسار . هذه المنطقة الأكثر توحشا في جبال الهملايا العالية والتي كان أول إنسان غربي يصل إليها في تاريخها كله.
كما يشير المؤلف في هذا السياق أنه كان على قناعة أن سر اللغة الهنغارية الدفين يحتوي بداخله سرّ جميع اللغات الإنسانية الأخرى . وعلى نفس المنوال كان على قناعة أيضا أنه توجد في العالم قبائل الهونس، أي القبائل التي تعود أصول الهنغاريين إليها، والآخرون. كان ذلك هو مفهومه للعالم الذي نعيش فيه. لقد كان الكسندر كوزما ، كما يرسم المؤلف شخصيته، رجلا شديد التعلّق بـ «قوميته» الهنغارية وشديد الإصرار على تمجيدها.
على خلفية مثل تلك القناعات اختار أن لا يبحث بين دفّات الكتب في المكتبات ولكن زيارة الأماكن والبلدان. بتعبير آخر اختار أن يرى وليس أن يقرأ، لقد فكّر بذلك وتصوّره وسرعان ما انتقل إلى مرحلة التنفيذ. هكذا مشى ذات يوم الخطوة الأولى سيرا على الأقدام وبدون أي مبلغ من المال في جيبه ووحيدا باتجاه تركستان.
كانت تركستان، برأيه، هي البوّابة التي ستؤدي به إلى عالم أصول أجداده القدامى. إن مؤلف هذا الكتاب يقوم بعملية توصيف لرحلة بطله الهنغاري وما قطعه من فيافي وقفار وما عرفه من شعاب ومسالك. كما يحكي عن الصداقات التي نسجها مع الأعيان والأثرياء والأمراء والليالي التي قضاها بين المشرّدين والمتسوّلين الذين لا تفتقر إليهم آسيا.
لقد تقدّم في طريقه دون بوصلة محددة وانتهى به الأمر إلى تغيير هدفه بعد أن منعوه من المرور نحو وجهته الأصلية. واقترح عليه آنذاك أحد الانكليز ممن كانوا يتواجدون في آسيا ضمن إطار حملة الهند أن يكرّس جهوده لدراسة اللغة التيبيتية.هكذا أصبح الكسندر كوزما رغما عنه أحد أشهر أخصائي اللغة التيبيتية في العالم، وتحوّل ذلك المغامر الهنغاري إلى باحث مأخوذ ب«المعرفة» أو إلى راهب جندي في خدمة المعرفة ، حسب تعبير المؤلف.
الكتاب: الرجل الذي عاش مثل وحيد القرن
تأليف: سيلفان جوتي
الناشر: فايار باريس 2007
الصفحات: 338 صفحة
القطع: المتوسط
Celui qui vivait comme un rhinocéros
Silvain Jouty
Fayard-Paris 2007
P.338