وقف الكاتب عند أسئلة كثيرة وهي كيف تحول ستالين من دارس لعلوم الدين إلى داع للاشتراكية ومعاداة الدين،ومن طالب نجيب إلى قاطع طريق؟
ومن عدو للقياصرة إلى قيصر جديد؟ومن صديق للينين إلى عدو له؟؟استعرض المؤلف حياة ستالين «جوزيف دجيوغاشفيلي» الذي ولد في ليلة من ليالي شهر ديسمبر سنة 1879 في احدى قرى جورجيا بالقرب من مدينة تفليس، في وقت كانت تعاني فيه جورجيا سوء الإدارة فيها بسبب ضمها لروسيا .
وذلك قبل مائة عام من مولد ستالين، كما كانت كغيرها من المدن الروسية قد تحولت من الزراعة إلى الصناعة، وبدأت فيها مشروعات استغلال آبار الزيت والمناجم برؤوس أموال أجنبية،وصارت المنتجات الزراعية رغم قلتها تصدر معظمها للخارج، مما أدى بكثير من الفلاحين للهجرة إلى المدن أملا في الحصول على أجور أحسن.
واستعرض الكاتب طفولة ستالين البائسة حيث عاش في فقر مدقع، وكان والده يشرب الخمر ويضربه بقسوة، بعدها تخلى عنه ورحل.
وتطرق ناصيف إلى المرحلة الدراسية لستالين حيث كان متفوقا في المدرسة، إلا أنه طرد منها في عام 1899 لعدم حضوره في الوقت المحدد لتقديم الاختبارات، وذلك تزامنا مع الحركة الاشتراكية،ليخيب ظن أمه به التي كانت تتمنى دائما أن يكون كاهنا، لكنه أصبح رئيسا، وطوال فترة حكمه كانت علاقته بها شبه منقطعة حتى إنه لم يحضر جنازتها.
وأشار المؤلف إلى فترة ما بعد ترك ستالين للمدرسة الكاثوليكية،حيث انتظم لفترة عشر سنوات في العمل السياسي الخفي وتعرض للاعتقال، والإبعاد إلى سيبيريا بين الأعوام (1902- 1917)، واعتنق المذهب الفكري لـ «فلاديمير لينين» ، وتأهل لشغل منصب عضو في اللجنة المركزية للحزب البلشفي عام 1912، وتسمى بالاسم ستالين في عام 1913 وتعني «الرجل الفولاذي».
واعتبر ناصيف عام 1894 هو بداية طريق العمل الثوري لجوزيف ستالين،حيث ثار ضد النظم القاسية التي تدار بها المدرسة التي كان ملحقا بها، وكان التحاقه الفعلي بالعمل الثوري في سنة 1898 حين انضم إلى شعبة تفليس لحزب العمال الاشتراكي الديمقراطي الروسي، حيث كان من رجال العمل الثوري بمعناه العملي أي الالتحام بالجماهير .
ثم استعرض الكاتب خطوات ستالين في طريقه نحو الحكم،والتي بدأت أثناء الثورة الشيوعية في أكتوبر1917 فكان دوره فيها ثانويا، ووقعت أولى مواجهاته مع لينين بعد الثورة على خلفية احتكار الدولة للتجارة الخارجية، وقام ستالين في عام 1920 وبدون تشاور مع القيادة بإنجاز ما يشبه الانقلاب في جورجيا ـ التي كانت جمهورية سوفييتية يحكمها البلاشفة حيث عمل على غزوها وإسقاط الحكومة المنتخبة فيها، وهكذا وضع لينين أمام الأمر الواقع.
وتطرق ناصيف إلى الصراع الذي كان قائما بين ستالين ولينين الذي اكتشف الجرائم التي ارتكبها ستالين وعصابته في جيورجيا، وقد طالب بإقصاء ستالين في إحدى الوثائق التي تم إخفاؤها من قبل اللجنة المركزية للحزب الشيوعي، واستمر الصراع بينهما، حتى موت لينين في العام التالي 1924، وليبدأ ستالين الخطوة الأكبر في طموحه.
وفي هذا السياق ذهب المؤلف إلى فترة حكم ستالين التي بدأت مع نهاية لينين،حيث قام ستالين بالانفراد بالسلطة وذلك بعد القضاء على كل زعماء الثورة وفي مقدمتهم تروتسكي، وقضى على عدة ملايين في حملة تطهيرية، وأرسل عددا مماثلا إلى المنفى والأشغال الإجبارية، لتكون نهاية للعديد من قادة الحركة الثورية منذ الأممية الأولى.
وأحدث إنجازات في مجال الصناعة والتجارة الخارجية لتتفوق معدلات النمو فيها عن كل من ألمانيا واليابان،وتمكن من ذلك عن طريق التضييق على المواطن السوفييتي في المواد الغذائية،مثلما هو الأمر في مجال الزراعة حيث فرض الزراعة التعاونية مما أدى إلى الشد والجذب بين الحكومة والفلاحين،وصولا إلى المجاعة التي ألمت بالاتحاد السوفييتي بين عامي 1932- 1933، بسبب نحر الفلاحين لماشيتهم، وراح ضحيتها ما قرب من 5 ملايين روسي في وقت كان فيه الاتحاد السوفييتي يصدر ملايين الأطنان من الحبوب لشتى أنحاء العالم.
ومن جهة أخرى أشار الكاتب إلى قطاع الخدمات الاجتماعية الذي اهتمت به حكومة ستالين اهتماما ملحوظا، وخاصة المجال الصحي والتعليمي، إلا أن ستالين لم يكتف بهذه التغييرات وحسب ولكنه عمل أيضا على إبادة أعضاء اللجنة المركزية البلشفية وأعقبها بإبادة كل من يعتنق فكر مغاير لفكره أو من يشك في معارضته ونفذ أحكاما بالإعدام إو الإبعاد بحق خصومه، ولم يسلم «تروتسكي» رفيق درب ستالين من سلسلة الاغتيالات الستالينية في منفاه في المكسيك عام 1940، ولم يتبق من الحزب البلشفي غير ستالين ووزير خارجيته «مولوتوف».
وتطرق المؤلف إلى دور ستالين في الحرب العالمية الثانية التي خرج فيها منتصرا بعد القضاء على الزحف الألماني، وقد عملت أجهزة إعلامه على إظهار عبقريته الحربية التي حققت هذا النصر، وخرج من الحرب حاكما مطلق الصلاحية .
وسلط ناصيف الضوء على وحشية ستالين حيث مات الملايين برصاصة في مؤخرة الرأس، أو من الإعياء والمرض في معسكرات العمل أو المجاعات التي نتجت عن سياسة الزراعة التعاونية الإجبارية، ومن الإحصائيات التي تعرض لها الكاتب هي إعدام مليون نسمة بين الأعوام (1935-1938 ) و(1945-1950) وتم ترحيل الملايين قسريا، كما قام ستالين بنفسه بالتوقيع على صك إعدام 700,25 من المثقفين البولنديين في سنة 1940، وقضى تقريبا على 000,40 من المساجين فيما يعرف «بمذبحة المساجين»، ويتفق المؤرخون على أن ضحايا الإعدامات والإبعاد وكذلك المجاعات السوفييتية تقدر بـ 8 إلى 20 مليون قتيل.
أما عن موت ستالين فقد أصيب بمرض ما، ولكن كل من حوله اعتقدوا أنه أقوى من أي مرض...ولكنه فارق الحياة بعدها بأربعة أيام، فكانت وفاته كأنها زلزال هز كل من حوله بعنف...ولكن بعد ثلاثة عقود من الحكم والطغيان كان لا بد للطاغية أن يموت كما يموت أي كائن حي.
الكتاب: ستالين..القيصر الأحمر يعود
تأليف: أحمد ناصيف
الناشر: دار الكتاب العربي حلب 2008
الصفحات : 168صفحة
القطع: الكبير
هالة محمدعلي