«النزهة الصحية» التي يقصدها المؤلفان هي في الواقع ليست نزهة ، بل هي معاناة حقيقية، ولم يكن الدافع لها هو الصحة السليمة وإنما المرض . و الحكاية تخص بشكل أكبر الزوجة اولغا التي لم ترث عن أسرتها الفقر فحسب وإنما ورثت أيضاً مرضا خطيرا هو القصور الكلوي .
هذا المرض تطوّر ووصلت خطورته إلى درجة أن زرع كلية أصبح هو سبيل الإنقاذ الوحيد. ويبدأ المؤلفان سرد قصتهما منذ ذلك اليوم من شهر مايو عام 2005. كان كريستيان بودولو يجلس أمام مكتب عمله في منزلهما عندما وصلت اولغا وبادرته بالقول: إنني أعود للتو من المستشفى وزرع الكلية أمر ممكن. ومنذ فترة وجيزة أصبح من الممكن أن يتم ذلك بين الزوجين .
ويتذكّر كريستيان بودولو حالة الخوف الدفين الذي خلقه وضوح الأمر المطلوب عمله ثم أن الامتحان خطير في نهاية المطاف. يقول: فجأة لمحت إمكانية أن أقوم بتغيير الأشياء وأن أساهم في تحويل مسار مصير يرتسم أمامي. وبدون أي تردد أو نقاش وافقت حالا. فالمساهمة في عملية تحرير إنسان من مرضه لا تحتمل أي نقاش .
هكذا كان الزوجان كريستيان وأولغا من بين الأوائل بين شركاء الحياة الذين قاموا بعملية عطاء أحد أعضاء جسدهم لآخر يحبونه، اعتمادا على الإمكانية التي سمح بها القانون الأخلاقي المتعلق بأعضاء الجسد الذي أُعيد النظر فيه عام 2004. إن هذين الزوجين كانا يجهلان كل شيء عن عملية نقل الأعضاء ، ولكنهما التزما مباشرة في خوض المغامرة.
ويحكي كريستيان بودولو في هذا الكتاب عن الانفعال الكبير الذي اعتراه مع اقتراب ساعة الصفر والخوف من عدم النجاح في الامتحان فكرة الامتحان هذه أتت إلى رأس المؤلف-عالم الاجتماع بسبب عمله الطويل في ميدان التربية «إذ لا يمكن للمرء أن يخرج دون آثار من عمل 60 سنة في مجال التربية»، كما يقول.إن كتاب «نزهة صحية» يعالج أيضاً من خلال حالة عيانية خاصة ؟حالة الزوجين المؤلفين- مشكلة نقل الأعضاء البشرية بين أحياء .
وليس أقل المشاكل في هذا الإطار ذلك التردد الكبير الذي يعاني منه الجسد الطبي حيال زرع الأعضاء التي مصدرها واهب حي . إحدى القواعد الطبية الأساسية في المنظومة الأخلاقية التي تحكم عمل الطبيب تتمثل في القول ينبغي أولا عدم المساس بالجسد السليم . وهذه القاعدة هي التي يتم تعليمها لـ «الأطباء الشباب» تشكل نقطة الضعف الكبيرة.
كما يرى المؤلفان، أمام اللجوء إلى نقل الأعضاء من واهبين أحياء لها . تتم الإشارة في هذا السياق إلى أن نسبة 4,0 بالمئة فقط من عمليات زرع الأعضاء في فرنسا خلال عام 2007 كان مصدرها واهبين أحياء ، هذا في الوقت الذي تعاني فيه فرنسا من ندرة حقيقية في الأعضاء التي جرى أخذها من أجساد أشخاص فارقوا الحياة.
ويؤكد المؤلفان أنهما كانا يجهلان تماما كل ما يحيط بعالم زرع الأعضاء ولكنهما وجدا أنهما مدعوان لـ «خوض هذه المغامرة » بين عشية وضحاها. وكان تردد الزوجة، اولغا، التي ستتلقى الكلية المأخوذة من جسد زوجها، كبيرا في البداية. بل أعلنت عن رغبتها المصممة في أن تتلقى كلية شخص متوفى. ولكن شيئا فشيئا بدأت تتكون لديها فكرة أهمية أنها تعرف مصدر الكلية التي سوف تعيش فيها وسيتم زرعها في جسدها.
إن هذا الكتاب وفيما هو وراء الوقائع وما رافق من تساؤلات يطرح أيضاً مفهوم العطاء ، الوهب للنقاش. ويؤكد كريستيان بودولو، عالم الاجتماع، أن كتاب «مارسيل موسى» عن «دراسة حول العطاء» كان هو أحد أول النصوص التي قرأوها تشرّب بها في ميدان علم الاجتماع.
وتوصل إلى فكرة مفادها أنه لم يكن يريد بأية طريقة سحق اولغا بثقل ما يهبه لها وفي التي لم تكن تستطيع أن تقدّم له أي مقابل . هذا على الرغم من أن فكرة محددة لـ «العطاء» لدى معلّمه موس قد ترددت لديه باستمرار ويعبّر عنها بالقول: كنت أنتظر عطاء مقابلا .
وكتاب يطرح من خلال مؤلفيه- الزوجين وتجربتهما نزهتهما الصحية في أروقة عالم زرع الأعضاء مجمل القضايا التي تختلج في أعماق النفس البشرية. ويؤكدان في المحصلة على متعة العطاء التي تفوق متعة الأخذ . ويؤكدان في الخاتمة أن مشروعهما في كتابة تجربتهما، أو بالأحرى مغامرتهما كما يفهمانها، قد بدأ مع بداية بروز أفق زرع الكلية واعتبراه تجسيدا فكريا لتلك المغامرة.
ونقرأ: لقد ساعدنا عمل الكتابة هذا كثيرا في تجاوز الامتحان وكذلك لفهمه . وأمام ما كان ينتظرها من غسيل الكلى تقول اولغا اليوم: الحياة جميلة مع أملها أن يكرر آخرون التجربة كـ «هبة مقابلة من الحياة».
نقل الأعضاء
كان الزوجان كريستيان وأولغا من بين الأوائل بين شركاء الحياة الذين قاموا بعملية »عطاء« أحد أعضاء جسدهم لآخر يحبونه، اعتمادا على الإمكانية التي سمح بها القانون الأخلاقي المتعلق بأعضاء الجسد الذي أُعيد النظر فيه عام 2004. إن هذين الزوجين كانا يجهلان كل شيء عن عملية نقل الأعضاء ، ولكنهما التزما مباشرة في خوض المغامرة. وهذا ما شكّل لديهما، كما يقولان، امتدادا طبيعيا لعلاقة محبة واحترام بين إنسانين
المؤلفان في سطور
كريستيان بودولو، عالم اجتماع فرنسي. قام بالتدريس في الجامعات لسنوات عديدة. وهو اختصاصي بالقضايا التربوية وقضايا العمل وكان قد كرّس الكثير من جهوده لتدريس أطروحات عالم الاجتماع الراحل مارسيل موس المجموعة تحت عنوان »دراسة حول العطاء«. واولغا بودولو هي زوجة كريستيان بودولو، ومختصّة بعلم النفس للأطفال. وهي من أصول روسية، حيث كان أهلها قد هاجروا إلى فرنسا من روسيا التي كانت خاضعة للنظام الشيوعي.
الكتاب: نزهة صحية
تأليف: كريستيان بودولو، اولغا بودولو
الناشر: ستوك باريس 2008
الصفحات: 235 صفحة
القطع: المتوسط
Une promenade de santé
Christian Baudelot, Olga Baudelot
Stock - Paris 2008
P.235