تبدأ سينما الكرتون حيث تنتهي جميع الفنون هذا ما قاله المخرج دوشان فوكتش للتأكيد على استقلالية فن الرسوم المتحركة وأهميته كأحد أبرز أدوات التعبير في العالم، إن كان على مستوى قدراته التخيلية اللامحدودة، أو كان على مستوى إمكانيته الهائلة في تناول كافة الموضوعات وفي مختلف مناحي الحياة.
إذا كانت الظهورات الأولى لهذا الفن المدهش قد تزامنت تقريبا مع ظهور السينما في الغرب، فإن المحاولات العربية قد تأخرت حتى نهايات القرن العشرين، وكانت التجربة السورية واحدة من التجارب الرائدة في هذا السياق إلى جانب مثيلاتها في مصر ثم السعودية. فمنذ التسعينات تسعى جهود القطاعين العام والخاص في سوريا لإنتاج الرسوم المتحركة، وقد أثمرت تلك الجهود عن عدة أفلام قصيرة للكبار وثلاثة أفلام طويلة للصغار، هي: الجرة ـ حكاية من الشرق إنتاج شركة نجم، ثم خيط الحياة و رحلة اليمام إنتاج المؤسسة العامة للسينما بالاشتراك مع شركة تايغر.
ضوء على المصطلح والتاريخ : تزامن ظهور أولى المحاولات لإنتاج الرسوم المتحركة في الغرب مع ظهور السينما تقريبا، وفي العقد الأول من القرن العشرين ظهر أول أفلام الكرتون، وفي العقد التالي ظهرت أولى الشخصيات الكرتونية التي تتمتع بمميزات خاصة مثل ميكي ماوس، وفي أربعينات القرن تنوعت المدارس الفنية، وفي الخمسينات بدأ الاعتماد على تقنيات الحاسوب في الرسم ثم التحريك.
وأدى ذلك في أواخر الثمانينات إلى إمكانية الدمج ما بين البيئة الكرتونية والبيئة المصوّرة في فيلم واحد، وليس فيلم «شريك» الذي عُرض ضمن المسابقة الرسمية في مهرجان كان عام 2001 سوى شاهد حي على سلسلة التطورات المدهشة التي أحدثها هذا الفن، لكن هذه التطورات لم تجد صداها في العالم العربي إلا في العقد الأخير من القرن العشرين. ومازالت تجارب الرسوم المتحركة العربية حتى اليوم محدودة، وقد اقتصرت في الغالب لا على الإنتاج المحلي، بل على دبلجة الإنتاج الأجنبي، ومقارنة بهذا السياق تبدو التجربة السورية واحدة من التجارب العربية الهامة التي حققت خطوة متقدمة على صعيد الإنتاج.
الرسوم المتحركة السورية
بالعودة إلى البدايات فقد أنتجت سورية أول فيلم رسوم متحركة في نهاية السبعينات، حين قدّم نزار غازي وسمير جبر عام 1979 فيلم »شارة مرور« للتلفزيون السوري، ولم تتكرر تجربة الإنتاج هذه حتى بداية التسعينات حين أدخلت المؤسسة العامة للسينما ضمن خططها مشروع إنتاج هذا النوع من الأفلام، وخلال خمسة عشر عاما من ذلك التاريخ اقتصر جهد المؤسسة على الاشتراك في إنتاج أفلام الكرتون القصيرة بمعدل فيلم واحد كل عام أو عامين، إلى أن قامت في عام 2005 بتقديم أول فيلم كرتون طويل للأطفال في قائمة إنتاجاتها بعنوان «خيط الحياة»،.
وكان من أبرز إنتاجات المؤسسة العامة للسينما في إطار أفلام الكرتون القصيرة: أفلام موفق قات «حكاية مسمارية» عام 1991 (جائزة النقاد العرب وجائزة لجنة التحكيم الخاصة لمهرجان دمشق السينمائي) و«ألف صورة وصورة» عام 1996 (الجائزة الأولى في مهرجان القاهرة لسينما الأطفال، والبرونزية في مهرجان قرطاج، والذهبية في مهرجان الفنون التشكيلية بتونس).
و«مذكرات رجل بدائي» عام 2005، أيضا من إنتاجات المؤسسة الهامة أفلام الراحل ناصر نعساني «العصا» (1994) وفيلم «هو وهي» عام 1995 (الجائزة الذهبية في مهرجان دمشق السينمائي 1995) وفيلمي عبد المعين عيون السود «فيتو» (1991) و«عفوا سيد اكس» (1993)، وفيلم «ديجيتال» للمخرج منير جباوي عام 2001.بالتوازي مع جهود القطاع العام تأسست في دمشق أواسط التسعينات شركة نجم الخاصة لإنتاج الرسوم المتحركة والقيام محليا بكافة الأعباء الفنية والتقنية.
شواهد التجربة
لقد بات من المعلوم ما لأفلام الكرتون من تأثير كبير على التكوين النفسي والذهني والتربوي للطفل، إن كان لجهة تنمية وتوجيه حسه الجمالي والعاطفي، أو كان لجهة غرس القيم الروحية والأخلاقية لديه وامتلاك المدارك الأساسية اللازمة في الحياة العملية، ومن هنا تنشأ حساسية هذا الفن في ظل افتقار الساحة السينمائية لأفلام الكرتون العربية الموجهة للأطفال التي تعبر عن هويتنا الثقافية.
وتعكس واقعنا وتطلعاتنا المستقبلية، وتشكل بديلاً لما يتعرض له الطفل العربي من قيم وأخلاقيات دخيلة تحملها برامج الأطفال الغربية التي تُبث بغزارة عبر الفضائيات والقنوات المحلية، ومن هذا المنطلق بالذات تنبع أهمية الفيلمين السوريين «الجرة» و«خيط الحياة»، أو أية أفلام عربية أخرى أُنتجت، أو سوف يتم إنتاجها، فهي تصب في إطار بداية واعدة لمشروع فني عربي طموح عليه أن يتحقق في المستقبل القريب.
الجرة ـ حكاية من الشرق
«الجرة» هو أول فيلم كرتون سينمائي عربي طويل، استغرق إنتاجه أربع سنوات، وبلغت كلفته مليون دولار، وتم عرضه جماهيريا في سوريا عام 1999، كما عُرض في عدة دول عربية وأجنبية، وقد حاز على جائزة لجنة التحكيم في مهرجان القاهرة لسينما الأطفال في نفس عام إنتاجه، كما نال جائزة أفضل فيلم أطفال في مهرجان نيويورك الدولي عام 2003.
يسير سيناريو الفيلم وفق خطين دراميين متوازيين: الأول يروي قصة أسرة طيبة تشتري دارا تعثر فيها على جرة مملوءة بالذهب، فتقرر بعد المناقشة إعادتها إلى صاحب الدار، لكن الجار الشرير يكتشف الأمر ويحاول سرقة الجرة، وبعد مجموعة من المغامرات ينتصر الخير طبعاً.
ويُوزّع الذهب على فقراء القرية وينال الشرير عقابه، أما المسار الآخر فيروي قصة الفئران الذين سرقوا البيض، ثم يتم اكتشاف أمرهم وقصاصهم، والخطان الدراميان يؤكدان على قيم أخلاقية وتربوية نبيلة تحضّ على الصدق والكسب الشريف.
خيط الحياة
على خلاف أفلام الكرتون الموجهة للأطفال، والتي تقوم عادة على بؤر الصراع بين ممثلي قوى الخير وقوى الشر، الجمال والقبح، على خلاف ذلك قام فيلم «خيط الحياة» على فكرة الصراع مع الزمن انطلاقا من أمنية يحملها كل طفل في أعماقه، وهي الرغبة في تجاوز عمره والوصول إلى سن الشباب مبكرا، وقد كتبت سيناريو الفيلم ديانا فارس بالاعتماد على قصة من التراث الشعبي العالمي، وقامت رزام حجازي بإخراجه.
تدور أحداث الفيلم حول طفل صغير تعيله أمه التي تعمل بحياكة الأقمشة، وهو يتمنى أن يكبر سريعاً كي يشتغل ويحمل العبء عنها ويتجاوز صعوبات الحياة ويكتشف مستقبله، وتأخذه أمنياته إلى عوالم متخلية، ينسجها وهو يجالس حيواناته الأليفة التي يعيش معها.
حيث يفترض وجود ساحرة تختبئ تحت الأرض تمتلك حلاً للزمن، فيمضي إليها برحلة مليئة بالمغامرة والتشويق عبر سرداب طويل يرمز إلى دروب الحياة المنوّعة المضيئة والمظلمة، حتى يصل إلى الساحرة التي تعطيه علبة صغيرة تحوي على خيط يمثّل سنوات حياته.
وبإمكانه كلما أراد أن يسحب الخيط قليلا كي يتجاوز المرحلة التي يعيشها، لكنه لا يمكنه أن يعود إليها، هكذا وبعدة سحبات من الخيط يمضي الزمن مسرعا بالصغير، فيكبر ويتزوج وينجب أطفالا بشكل مفاجئ ودون مقدمات حتى يصل إلى نهاية المطاف، إلى الشيخوخة، فيكتشف أن ذاكرته لم تكن دقيقة بما يكفي، وأنه لم يعش حياته كما يعيش الآخرون، وهنا يدرك أن الحياة قصيرة جدا، وعلينا أن نقبلها كما هي.
الجرة بداية المشروع
«الجرة» هو أول فيلم كرتون سينمائي عربي طويل، استغرق إنتاجه أربع سنوات، وبلغت كلفته مليون دولار، وتم عرضه جماهيريا في سوريا عام 1999، كما عُرض في عدة دول عربية وأجنبية، وقد حاز على جائزة لجنة التحكيم في مهرجان القاهرة لسينما الأطفال في عام إنتاجه نفسه، كما نال جائزة أفضل فيلم أطفال في مهرجان نيويورك الدولي عام 2003.
نهاية السبعينات
أنتجت سورية أول فيلم رسوم متحركة في نهاية السبعينات، حين قدّم نزار غازي وسمير جبر عام 1979 فيلم «شارة مرور» للتلفزيون السوري، ولم تتكرر تجربة الإنتاج هذه حتى بداية التسعينات حين أدخلت المؤسسة العامة للسينما ضمن خططها مشروع إنتاج هذا النوع من الأفلام.
تهامة الجندي