بسنوات عمره الـ 81، لا يزال الكاتب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز يدهش العالم بمفاجآت لطيفة محببة. القنبلة الجديدة تتجسد في أنه كان قد كتب قبل رواية «مئة عام من العزلة» وبصحبة الاسباني لويس ألكوريزا سيناريو فيلم «ويسترن» من أفلام الغرب الأميركي ظل منسيا طوال أكثر من40 عاما، لكنه سيرى النور قريبا من خلال الشاشة الكبيرة في المكسيك.

كان الكوريزا (1918-1992) وهو مكسيكي اسباني الأصل هاجر إلى المكسيك إثر الحرب الأهلية الاسبانية، وكان المساعد المقرب للمخرج الاسباني الراحل لويس بونويل،عاقد العزم على تحويل هذه القصة السينمائية الفريدة من نوعها إلى عمل سينمائي، وكان عنوان تلك القصة «فرونتيرا» وهو اسم بطلها، القاتل المكسيكي المأجور المنكب على تصفية الهنود الحمر. لكنه يفقد عمله بين ليلة وضحاها، بعد قيام العقيد نيلسون ميليس بشن آخر هجوم له ضد أولئك السكان الأصليين في جبال «سييرا مادري» المكسيكية، التي تفصل بين الأراضي المكسيكية وأراضي الولايات المتحدة والتي تصفها قصة ماركيز هذه بأنها كانت تعج برجال العصابات وبالجنود والخيول والمسدسات والقتلة المأجورين المكسيكيين.

كل ذلك في بيئة جغرافية غير عادية تكثر فيها الحكايات والأساطير، تلك الجغرافيا التي يضع فيها كورماك مكارثي روايته المدهشة « ليس بلدا للمسنين»، التي شاءت الصدف أن تتحول، بدورها، إلى فيلم سينمائي وأن يفوز هذا الفيلم بجائزة أوسكار في الدورة الأخيرة لهذه المسابقة السينمائية الشهيرة. هذه الحكاية التي كتبها ماركيز في بداية مشواره الإبداعي، تشق طريقها في يومنا هذا متحولة إلى فيلم سينمائي طويل تدور أحداثه في المنطقة التي تعتبر في الزمن الحالي حدودا بين المكسيك والولايات المتحدة، إذ يؤكد صاحب المبادرة الجديدة الممثل والمخرج والمنتج المكسيكي رودولفو دي أندا سيرانو أن المسألة تتعلق «بفيلم من أفلام رعاة البقر تدور أحداثه التاريخية في نهاية حرب الهنود الحمر بين المكسيك والولايات المتحدة»، وذلك بعد أن قام دي أندا منذ بضعة أشهر بشراء الحقوق الفكرية للقصة عن طريق ورثة الكوريزا.

لكن كافة المصادر المتاحة تشير إلى أن الكوريزا نفسه هو الذي أراد منذ سنوات طويلة تحويل هذه القصة إلى فيلم سينمائي وعرض على دي أندا لعب دور القاتل المأجور الشاب الذي يتحول إلى شخص يعيش في ظل حماية صائد للهنود الحمر. ولقد كثرت الأقاويل منذ ذلك الحين حول أن دي أندا سيكون أحد أبطال الفيلم، لكن اتضح هذه المرة بأنه سيلعب دور شخصية القاتل المأجور العجوز فرونتيرا نفسها. ويستبق الممثل الحدث بالمفاجآت أيضا قائلا: «إنه أمر مغاير تماما. إنها حقا قصة إنسانية جدا تتحدث عن رجل عاش بطريقة معينة وراح يحاول تغيير حياته إلى أن يتمكن من بناء أواصر صداقة رائعة مع شاب آخر يؤمن له قليل من الحماية أيضاً».

مما لا شك فيه أن العنصر الساحر الكبير في هذا الفيلم السينمائي يتمثل في الاطلاع على شيء جديد عن غارسيا ماركيز، الذي يفترض أن ما كان يملأ مخيلته في تلك اللحظة من شبابه هي فراشات ماكوندو الصفراء. صحيح أن أندا بالكاد يفلت على لسانه شيء عن هذه القصة، لكنه يشير إلى أنها تنطوي على « سحر غريب من نوعه يتأرجح بين السحر نفسه والدين وأشياء غريبة».

كما أشار دي أندا إلى أنه سيحتفل بسنوات مسيرته الفنية الخمسين بتصوير هذا القصة السينمائية واصفا العمل بأنه « عمل غير منشور لغارسيا ماركيز وأن أحدا لم يعرف بوجوده أو بأن غابو كان قد كتب شيء من قبيل أفلام الغرب الأميركي». ويؤكد دي أندا أن ماركيز نفسه تذكر وجود النص ويقول «عندما تكلمت معه، قال لي إنه يتذكره، وأنه كان قد كتبه قبل رواية مئة عام من العزلة» في عام 1967.

يقول دي أندا متذكرا ماضيه الفني إنه قبل أكثر من أربعة عقود من الزمن، عرض عليه كاتب السيناريو المكسيكي الاسباني الأصل لويس الكوريزا القيام بإخراج الفيلم المذكور، لكنه لم يعلم قط أن ذلك المشروع لم يكتب له رؤية النور في نهاية المطاف. أخرج الكوريزا العديد من الأفلام التي لاقت إقبالا واسعا من قبل الجمهور مثل فيلم «ميكانيكا وطنية» عام 1872وكتب سيناريوهات أفلام أخرى مثل «المنسيون» الذي أخرجه المخرج الاسباني الراحل لويس بونويل عام 1950.

وأضاف دي أندا: «في ذلك الحين، اتصل الكوريزا بي من أجل عمل فيلم، وروى لي القصة وأنا قبلت، لكني لا أعلم الأسباب التي حالت دون انجازه أبدا، وتوفي الرجل تاركا خلفه ذلك المشروع مؤجلاً». ذات يوم، حسبما رواه لوكالة الأنباء الاسبانية «إفي»، قال له صديق إنه كان قد تعرف للتو على الشخص الذي ورث حقوق أفلام الكوريزا وطلب إليه إجراء بحث حول الكتيب، الذي تبين أنه يضم بين دفتيه قصة فيلم من أفلام الغرب الأميركي تقوم على شخصيتين رائعتين، قاتل مأجور شاب وعجوز.

المنتج والممثل، الذي حلم بأداء دور القاتل المأجور الشاب، أخذته مفاجأة كبيرة عندما علم بأن تلك القصة التي كان قد عرض عليه الكوريزا منذ أربعة عقود من الزمن خلت لم تكن له، وإنما لمؤلف رواية «الحب في زمن الكوليرا».

«عندما أرسلوا الكتيب لي، كان عملياً الكتيب عينه الذي كان الكوريزا قد تحدث عنه،وكانت المفاجأة الكبرى بالنسبة لي عندما علمت أن الكتيب ليس له وإنما لغابرييل غارسيا ماركيز، على حد تعبير دي أندا، الذي أضاف: «منذ شهر، اشتريت حقوق الفيلم، وهو الفيلم الذي أود الاحتفال به بسنواتي الخمسين وأنا ممثل». دي أندا لم يرغب إعطاء المزيد من التفاصيل، لكنه قال: «لا يسعني القول إلا أنها قصة رائعة». مؤكدا أيضا أنه هو وابنه رودولفو دي أندا الابن سيشاركان في الإنتاج وسيبحثان عن مخرج مناسب.

كما أعرب عن رغبته بأن يشارك في فيلم «فرونتيرا» بعض مواهب السينما المكسيكية الجديدة مثل غايل غارسيا بيرنال ودييغو لونا. شارك رودولفو دي أندا ممثلا في أكثر من 200 فيلم، يبرز من بينها « ابن الفارس الأسود» عام 1961 و« ظل اليد السوداء» عام 1964، و فيلم «الأعسر» عام 1965 و«قديس ضد ذئبات» عام 1976و «إخوة الريح» عام و1977. مصدر مقرب من غارسيا ماركيز في المكسيك، حيث يقيم مؤلف رواية «خريف البطريرك»، أشار إلى أن الكاتب موجود خارج البلاد، الأمر الذي حال دون تأكيد قصة وجود السيناريو غير المنشور.

أصل الحكاية

هذه الحكاية التي كتبها ماركيز في بداية مشواره الإبداعي، تشق طريقها في يومنا هذا متحولة إلى فيلم سينمائي طويل تدور أحداثه في المنطقة التي تعتبر في الزمن الحالي حدودا بين المكسيك والولايات المتحدة، إذ يؤكد صاحب المبادرة الجديدة الممثل والمخرج والمنتج المكسيكي رودولفو دي أندا سيرانو أن المسألة تتعلق «بفيلم من أفلام رعاة البقر تدور أحداثه التاريخية في نهاية حرب الهنود الحمر بين المكسيك والولايات المتحدة»، وذلك بعد أن قام دي أندا منذ بضعة أشهر بشراء الحقوق الفكرية للقصة عن طريق ورثة الكوريزا.

أفلام رودولفو

شارك رودولفو دي أندا ممثلا في أكثر من 200 فيلم، يبرز من بينها « ابن الفارس الأسود» عام 1961 و« ظل اليد السوداء» عام 1964، و«الأعسر» عام 1965 و«قديس ضد ذئبات» عام 1976و «إخوة الريح» عام و1977.

تنظيف السهوب

كان العقيد نيلسون ميليس أحد المخضرمين في الحرب الأهلية الأميركية عندما أوكلت إليه مهمة «تنظيف» السهوب الفسيحة في الشمال من الهنود الحمر بعد أن كان العقيد كوستر قد هزم في معركة «القرن الكبير الصغير». في عام 1877 وجه ميليس قواته بالقوة نحو جبال «مونتانا» وأجبرها على عبورها بغية قطع الطريق على عصابة كان يقودها الزعيم جوزيف، الذي كان قد هزم أو أوقف تقدم جميع وحدات الجيش الذي كان قد أرسل لمحاربته في منطقة الـ 2400 كيلومتر الممتدة من أورغون حتى حدود كندا.

بعد النجاح الذي حققه نيلسون ميليس، صدرت له الأوامر العليا بالقتال في أريزونا ضد رجال العصابات الذين كان يقودهم خيرونيمو. وهكذا قطع مع قواته في أثر الهنود الحمر أكثر من 4800 ميل عبر جبال «سييرا مادري» الوعرة، حتى تمكنوا من فرض الاستسلام عليهم وإقصائهم. ذلك الهجوم الذي شنه نيلسون ميليس ضد رجال العصابات ترك بلا عمل رجالا مثل فرونتيرا (بالمناسبة هذه الكلمة تعني الحدود باللغة الاسبانية)، القاتل المأجور الذي كان عمله ملاحقة السكان الأصليين وقتلهم على كلا الجانبين من الحدود.

حياة القاتل المأجور المكسيكي الذي يحمل اسم «فرونتيرا» في السياق التاريخي الحقيقي للحرب ضد الهنود الحمر بين قوات نيلسون ميليس وخيرونيمو هي القاعدة الرئيسية لسيناريو فيلم رعاة البقر الذي كتبه غابرييل غارسيا ماركيز في وقت لاحق، وقبل وقت طويل من كتابة قصة ماكوندو وشخصياتها الكثيرة.

باسل أبو حمدة