يفتتنا السرير بنعومة ملمسه لكنه الانزلاق في هاوية مسطحة تقذف بنا في منحى ما لا إرادي لا يمكن التنبؤ بما سيحصل.. يبدو السرير للوهلة الأولى، ملاذاً آمناً للجسد، لكن السرير هذا، يفيض على كل ما قيل فيه، أو دوّن باسمه، حيث مجهوله يبزُّ معلومة.
السرير مائل إلى الامتداد الأفقي، إنه موازٍ لما هو أرضي، متحول ، يكاد يُمحي في الجسد كل بُعد عمودي «شاقولي». يتخذ السرير أكثر من تصور مدمج به، من معبر سلوكي، لاستقصاء هذا الجسد «المقيم» فيه:
الجسد المعافى، الجسد المريض، وكذلك الجسد الشائخ، والجسد العنفواني، دون نسيان انتماء السرير وموقعه، السرير البيتي ، المشفوي، الفندقي، السرير الصغير، الكبير، أو السرير الفردي الزوجي بالنسبة له، وصفته النوعية: جسد الذكر ، الأنثى...الخ.
في المجمل، يمكن النظر إلى السرير، باعتباره نظام الجسد الثقافي والشعائري المختلف كثيراً، أو كلياً، عما هو عليه. السرير رديف قفص ما، لهذا لا أحد يشتهي الركون إليه، ولو كان استجابة لرغبة متعية!
يمكن التحدث عن سرير المتعة،بالمعنى الفلسفي والفرويدي هنا، أنه بالقدر الذي يتجلى الجسد ناشد متعة، يكون مستهلك طاقة .إن طالب المتعة، لو تهيأ له، على صعيد الرغبة في اللذة، لراهن على آخر ثانية قوة فيه، أي وهو يصرف كامل طاقته.
إن السرير هنا، يشبه نهر النسيان الذي يفقد الجسد الذاكرةً، خروجاً عن الزمن المحسوب على الجسد، إذ طالما ننغمر بالنهر في جريانه، وحركة أمواجه، لا نعود قادرين على ضبط حركة الجسد، إنما نخضع كثيراً لـ «أهواء» النهر، لمناخه المائي الذي لا يحاط برموزه بدقة، لشعائر تقلباته ومآلاتها.
السرير لا يؤتمَن في مزاجياته السريعة التحول، ثمة لعبة افتتان بسكينة متوهمة، الحركة الانقضاضية غير الظاهرة ، تكمن في أفقية السرير «ضرب» أفقية الجسد، تلك هي لعبة حسابية، على صعيد المنظور، ولكنها رياضية، لصالح المساحة الضيقة والعميقة بما لا يقاس للسرير، والتي تمثل أحبولة إيقاع بالجسد، عندما يتراءى له، على مقاسه، كأنه معَدٌّ لأجله تماماً.
لكم يفتتنا السرير بنعومة ملمسه، لكنه الانزلاق في هاوية مسطحة، تقذف بنا، في منحى ما، لا إرادي، لا يمكن التنبؤ بما سيحصل.. إن السرير باعتباره متضمنَ ثبات في المكان، يعني تسليم الجسد لحركة لا تتوفر خارج محيطه السريري. كل كتابة، مساءلة، تتخذ السرير قاعدة انطلاق لها، لا بد لها من أخذ العلم بما يلي السرير، بصدد الفراغ القبري أسفله، وما يسهل الانقضاض عليه خارجاً.
ثمة حالة استرخاء تترتب على نشاط سريري المقام، وكأن الاستمرار في الحياة بكامل حركة الجسد، تجلّي نظام قهري هنا. ويمكن اعتبار السرير تابوتاً مفتوحاً. الجسد المسجَّى مأخوذ بالموت، مودع في السرير، والجسد الآخر المستلقي فيه، في حالة شبهه، يستحضر صورته اللاحقة ميتاً!
السرير مقدَّم للجميع، وإن اختلِف عليه: مادة، وموقعاً، الاسم واحد بداية ونهاية، يبقى المستوفى منه، وهو ما يترتب عليه، ما يثيره في ذات المتمدد فيه، وشعوره بحقيقته، بما ينتظره لاحقاً، عندما ينطبق عليه السرير كلياً، ويتحول إلى اسم آخر، يسخر منه في الجوار المقدَّر: التابوت!
هذه النقلة الحيوية، كما يمكن القول، تتبع خفيَّ السرير، ما أسنِد إليه من وظائف، دون الاستبانة عنها في مجموعها، ما يمكن للسرير أن يعزز في الجسد قوى أخرى، لا يتم الشعور بها، إلا من خلاله، لحظة اكتشاف الجانب الآخر من العالم، وهو اكتشاف ناقص باستمرار، وما أوسعه في نفس كل منا، وهو إزاء سريره، أو إزاء سرير الآخر، وفي مختلف الأحوال.
يلتقي الجميع في ذات السرير، والسرير يكون ذاكرة تجميع، ومحو في الوقت نفسه، إذ يغيب الجميع، ويبقى الآخر، هذا الذي ينتظر المزيد في تنوعه الجسدي: يبقى السرير!
هل من حكمة أخرى للسرير؟
إبراهيم محمود