رنين الصاجات ونداء البائع (يا عرق سوس.. شفا وخمير)، و(بارد وخمير وتهنى يا عطشان) مع ارتفاع درجة الحرارة يعني الارتواء والانتعاش، فما أن يهل فصل الصيف وتشتد حرارة الجو ويزداد احتياج الجسم للسوائل حتى يطل باعة العرقسوس حيث يمكننا متابعة نداءاتهم ورنين صاجاتهم من شارع إلى شارع في القاهرة، لا فرق بين شوارع الأحياء الراقية وشوارع الأحياء الشعبية.
فالعرقسوس مشروب يحظى بمحبة كبيرة بين المصريين حيث يبقى شرابا يقبل عليه الفقراء والأغنياء لحلاوة مذاقه ورخص سعره، كما أن البائع يتمتع بإعجاب الزبائن نظرا لبراعته في إدارة أدواته الثقيلة المكونة من الإبريق الزجاجي أو النحاسي الكبير الحجم الذي صنع خصيصا ليحافظ على برودة العرقسوس طوال اليوم، ويحمله بواسطة حزام جلدي عريض يحيط بالخصر ويتدلى منه إناء صغير للأكواب. بينما يداعب بأنامل يده اليمنى صاجين من النحاس يصدر عنهما صوت مميز وإيقاع جميل ويحمل في يده اليسرى إبريقا بلاستيكيا صغيرا مملوءا بالماء لغسل الأكواب التي استبدلت بالأكواب البلاستيكية، وقد يرتدي بائع العرقسوس طربوشا فوق رأسه للفت الأنظار إليه كدلالة على اعتنائه بنفسه. يذكر أن هذا البائع لفت نظر الفنان التشكيلي الرائد محمود سعيد فخلده في لوحته الشهيرة «بائع العرقسوس» عام 1937..
تشير المراجع إلى أن كلمة عرقسوس عربية الأصل تتكون من مقطعين، الأول عرق بمعنى جذر، وسوس بمعنى متأصل، فالكلمة تعني امتداد جذور النبات في الأرض، وتعني في بعض اللغات الأخرى الخشب الحلو. والسوس عبارة عن نبات معمر من فصيلة البقولية ويطلق على جذوره عرقسوس أو أصل السوس، وهو مشهور في البلاد العربية منذ أقدم العصور وينبت في الأرض البرية حول حوض البحر الأبيض المتوسط. وهذا النبات له قيمة علاجية عالية وقد عرفه البابليون منذ أكثر من أربعة آلاف سنة كعنصر مقوٍ للمناعة، كما عرفه المصريون القدماء وكان يقتصر استخدامه وشرابه على الملوك الفراعنة، وساد الاعتقاد أنه يطرد الشيطان من الجسد ويزيل الآلام والمتاعب النفسية.
كما عرف قدماء العرب هذا النبات حيث ورد وصفه في كثير من المراجع القديمة، كما يعتقد أن منقوعه المخمر يفيد في حالات القيء والتهيج المعدي، ويقول عنه ابن سينا في القانون: «إن عصارته تنفع في الجروح وهو يلين قصبة الرئة والحلق، وينقي الصوت ويسكن العطش وينفع في التهاب المعدة والأمعاء وحرقة البول»، وقال عنه ابن البيطار في كتبه: أنفع من نبات العرقسوس عصارة أصله، وطعم هذه العصارة حلو كحلاوة الأصل، لذلك صارت تنفع الخشونة الحادثة في المريء والمثانة، وهي تصلح لخشونة قصبة الرئة إذا وضعت تحت اللسان.
تحضيره سهل
يحضر العرقسوس بطريقة سهلة للغاية، امتدت إليها يد الحداثة لتجعلها أسهل شأنا ككل شيء آخر، فبعد أن كان يستلزم إعداده النقع في إناء زجاجي ليلة كاملة ومن ثم تصفيته عن طريق قماشة نظيفة متباعدة النسيج تسمى «شاش» أصبح الآن يباع على شكل مسحوق سريع...
تعامل به الفراعنة
وجدت جذور العرقسوس في قبر الملك توت عنخ آمون الذي تم اكتشافه في عام 1923، فقد كان الأطباء المصريون القدماء يخلطونه بالأدوية المرة لإخفاء طعم مرارتها وكانوا يعالجون به أمراض الكبد والأمعاء، وكان الطبيب اليوناني ثيوكريتوي يعالج به السعال الجاف والربو والعطش الشديد. وهكذا توارثته الأجيال الفرعونية الحاكمة لاعتبار العرقسوس شرابا ملكيا حتى جاء الفاطميون فأقبل عليه الناس ليصير مشروب العامة، خاصة في شهر رمضان.
محمد الحمامصي