لقب الروائي أر. كيه. نارايان بويليام فوكنر الهند، وذلك لاشتراكه مع الأخير في تناول تفاصيل الحياة العادية اليومية مع التعاطف الإنساني وروح السخرية في الرواية. كما وصف أسلوبه بالتشيخوفي لعاملين، أولهما اختياره شخصيات بسيطة متواضعة تحاول تخطي التقاليد إلى الحداثة مع صراعها لتعيش حياتها في عالم متغير، وثانيهما أسلوبه غير المتكلف في السرد مع نكهة خاصة به لا سيما وأنه يكتب باللغة الانجليزية كما لو أنها لغته الأم.

ولد نارايان واسمه الكامل راسيبورام كريشناسوامي آيار ناراياناسوامي في 10 أكتوبر عام 1906 في مدراس، وعاش طفولته حتى مرحلة المراهقة مع جديه بعيدا عن أسرته كثيرة العدد، وترتيبه الثالث بين ثمانية أخوة. درس ثماني سنوات في مدرسة تابعة للإرساليات وبعد ذلك وبصعوبة اجتاز امتحان القبول في الجامعة بعد رسوبه في مادة اللغة الانجليزية. وهو من الكتاب الهنود القلائل الذين أمضوا معظم حياتهم في الهند. عمل في مطلع حياته في العديد من المهن منها مراسلا صحافيا وكان في تلك الأثناء يكتب القصة القصيرة التي كانت تنشر بين الحين والآخر، كما عمل في التدريس إلا أنه انسحب بعد يومين فقط.

أما مهنته في الكتابة فقد بدأت مع روايته الأولى (سوامي والأصدقاء) التي كتبها عام 1935، ولم يستطع نشرها في البداية، إلا أن صديقة له في لندن عرضتها على غراهام غرين للاستئناس برأيه، فأبدى الأخير إعجابه بالعمل وساعد على نشره، ومن حينها ربطت صداقة متينة بين الكاتبين على الرغم من أنهما لم يلتقيا سوى مرة واحدة.

ولم يتوقف نارايان عن كتابة الروايات التي تدور جميع أحداثها في مدينة ابتكرها في مخيلته اسماها «مالغودي» حيث عاشت فيها معظم شخصيات أعماله. وكانت البداية مع أول رواية كتبها، حيث تجلت في مخيلته تلك المدينة عبر شخصية الأرملة.

وقد أنجز خلال نصف قرن من الكتابة خمس عشرة رواية منها،«الغرفة المظلمة» ونشرت عام 1938، و«مدرس الانجليزية» التي حققت نجاحا واسعا لدى نشرها عام 1945، و«الخبير المالي» ونشرت عام 1952، وروايته الأخيرة «حكايا الجدة» ونشرت عام 1993، كما نشر خمسة مجلدات في القصة القصيرة أشهرها «يوم في حياة مشعوذ» ونشرت عام 1947، إلى جانب ترجمته للعديد من الملاحم الهندية.

وكان نارايان في سنواته الأخيرة مشاركا في الساحة الأدبية وناقدا فعالا حتى الأيام الأخيرة من وفاته في 13 مايو 2001. وتمثل روايته «مدرس اللغة الانجليزي»، رحلة إنسان في الحياة، على صعيد الفكر والروح والمشاعر والهوية. وتناول تلك المحاور ببراعة تحسب له على صعيد الإبداع وجماليات اللغة.

ولم يكن لدى نارايان حينما كتب الرواية أي تصور مسبق للحبكة أو مسار الأحداث، ولذا كان تركيزه عند بدئه بالكتابة على تشريح ووصف الحالة التي كان يعيشها بطله كريشنان والمحيط من حوله بصورة حيادية ورؤيا مجهرية لحقائق حياته.

وكريشنان مدرس لغة انجليزية يعيش و يدَرس في ذات المدرسة التي تعلَم فيها. وهكذا عاش في محراب حياة أكاديمية آمنة، محاطا بعالم الفكر والأدب مثل شكسبير وميلتون وغيرهم. وكان راضيا برتابة حياته وإن شعر على الدوام أن شيئا ما ينقصه.

تبدأ خطوته الأولى بخروجه من شرنقة عالمه، حينما تلتحق به زوجته وطفلهما ليعيشا معه حيث ترتب على ذلك عدة تغيرات، كاستئجار بيت خارج المدرسة والعيش في حي يفتقر إلى التمديدات الصحية السليمة بين أناس عاديين وأطفال بريين يجوبون الحي.

كانت زوجته سوسيلا إحدى أسباب هذا التغير، فبحثهما عن بيت لهما، كان يعني لها الخروج عن المألوف واتخاذ طرقات مختلفة لا تؤدي بالضرورة إلى وجهتهما. كان هذا الأمر يثير كريشنان ويشعره بالمتعة والغرابة، وفي بعض الأحيان يسبب له صراعا مع نفسه، مثل اليوم الذي تخلصت فيه زوجته من الساعة الكئيبة التي كانت ترسم بالدقائق إيقاع حياته.

وهكذا بدأ كريشنان بالانتقال من عالم المعلوم إلى عالم يصعب فيه التنبؤ بما سيأتي أو يحدث. وتأخذ الأحداث خطوة أخرى وإن كانت مأساوية، إذ تصاب زوجته بالتيفوئيد نتيجة خوضها في مياه ملوثة. وهنا يستعرض كريشنان صراع الأجيال في الهند بين الجيل القديم الذي يمثل والدتها التي استدعت سواميجي التي كانت تداويها بالأعشاب وبوسائل غامضة، في حين استدعى كريشنان الطبيب الغربي الذي عالجها بالأدوية والعلم الحديث.

ومن خلال تلك المفارقات يكسر نارايان الحواجز بين العالم الحقيقي خارج روايته والحياة داخلها، مثل بطله الذي يواجه الحياة بلا أوهام. ومع وفاة زوجته يتقدم خطوة جديدة حيث يصل إلى قناعة مفادها أنه لا فائدة من الأوهام خلال رحلته في الحياة، وبذا يصل إلى قناعة أن الأدب الذي كان يعيش في محرابه لا يمت بصلة إلى واقع الحياة، على الأقل في بلده.

وهنا ينتقل نارايان إلى محور جديد، أن الحقيقة التي سعى إليها بطله لم يجدها في شكسبير أو كارلايل أو أفلاطون، إنما بين الناس العاديين الحقيقيين ويرى في ذلك قانون الحياة. كذلك الأمر فيما يخص رحلته من حضارة الغرب إلى حضارة ثقافة بلده الأم مع إبراز هذا التباين من خلال الجيل القديم والجديد في الهند. أما واقعية الحياة فتتجسد في موت سوسيلا على الرغم من علوم الحضارتين.

وفي المرحلة الأخيرة من رحلته يذهب باتجاه التأمل الروحي ويركز جهوده على تطوير ملكات فكره للتواصل الوجودي مع زوجته المتوفاة، ومن خلال هذا التحدي الذي يضعه لنفسه يكتشف أنه أكثر سعادة وانسجاما مع نفسه والمحيط.

وحينما ينجح في التواصل مع زوجته ورؤيتها يعيش متعة حقيقية ومحيرة، وعلى أثرها يستقيل من عمله وعالم الكبار ليعمل في الحضانة مع عالم الصغار، ويبدأ بانتقاد المنهج الدراسي الغربي الذي لا يتوافق مع ثقافة وحضارة الهند الروحية.

رشا المالح : ralmaleh@albayan.ae

الكتاب: مدرس الانجليزية

تأليف: أر. كيه. ناراي

الناشر: جامعة شيكاغو 1980

الصفحات: 184 صفحة

القطع: المتوسط

The English Teacher

R K Narayan

Chicago University 1980

P. 184