الميزة الأساسية لهذا الكتاب: مرآة العالم، هو أن مؤلفه رسام وليس مؤرخاً للفن وبالتالي يركز اهتمامه على طبيعة الفن والأعمال الفنية التي يتعرّض لها بعيدا عن التحديدات المتعلّقة بالمصدر وبقدر كبير من الاستقلالية حيال المادّة المدروسة.
يبدأ هذا الكتاب بالتأكيد على الصعوبات الهائلة ، هذا إذا لم يكن من المستحيل كتابة تاريخ للفن يغطي الإنتاج الفني العالمي من الصين إلى أوروبا ومن العمق الإفريقي إلى أعمال مبدعين ضائعين في المناطق القطبية. والصعوبة ليست على صعيد المكان فقط وإنما هي أيضا على صعيد الزمن إذ لا بد للعودة قرونا إلى الوراء من أجل كتابة تاريخ للفن بشتى تجلياته. وهو يلخص مشروع كتابه في محاولة الإجابة على سؤالين: ما هو الفن وأين نبدأ؟ ولماذا اخترع البشر الفن وما هي الخدمات التي يقدمها لهم؟ وكان هناك عدد من التجارب التي حاول أصحابها كتابة تاريخ للفن . ويرى أنها بالضرورة كانت ذات طابع انتقائي ، إذ ركّز القائمون بها على المناطق التي ينتمون إليها. هكذا مثلا جاء عمل ارنست غومبيش ، ذا ملامح أوروبية واضحة، بل وركّز على الفن الأوروبي لفترة ما بعد الحرب العالمية الثانية.
وكذلك تتم الإشارة إلى العمل الذي كان قد أنجزه سكنت كلارك للتلفزيون عام 1968 وأصبح الآن طي النسيان. ويصف ذلك العمل أنه كان مشرّبا بنزعة الحنين إلى الماضي ولم يركّز على الفن بالمعنى الدقيق للكلمة، وإنما بالأحرى على السمات الحضارية التي احتضنته.
الميزة الأساسية لهذا الكتاب: مرآة الفن ، هو أن مؤلفه رسّاما وليس مؤرّخا للفن . وبالتالي يركز اهتمامه على طبيعة الفن والأعمال الفنية التي يتعرّض لها بعيدا عن التحديدات المتعلّقة بالمصدر وبقدر كبير من الاستقلالية حيال المادّة المدروسة.
ويبدو حرص جوليان بيل ، المؤلف، واضحا منذ البداية على عدم تركيز تحليلاته حول، أو بالقياس إلى، أعمال أصبحت تحظى بنوع من الأحكام المسبقة ، ولا حول إمبراطوريات فنية أو حول الروايات المتناقلة، وإنما ركّز انتباهه حصريا على الأعمال الفنية المتوفرة نفسها.
هكذا يغدو كل عمل فني بالنسبة له هو موضوع قائم بذاته، يقدم حياله سماته كما يراها مع تأكيده على ما يجد فيه من خصوصيات، ولكن بنفس الوقت مع ربطه مع خصوصيات الثقافة المحيطة به. تجدر الإشارة هنا إلى أن العنوان، عنوان الكتاب «خادع» إلى درجة ما، إذ يوحي وكأن الأمر يتعلق بنوع من التأريخ الثقافي للفن.
لكن ما يجده القارئ في الواقع هو تقديم تاريخية هذا العمل الفني أو ذاك، وكأنه، أي القارئ، بصدد القيام بزيارة إلى متحف يدعوه المؤلف إليه بحيث يأخذ دور الدليل الذي يشرح قصة كل عمل وأين وكيف ولماذا جرى إنجازه. تبقى خصوصية هذا الدليل في كونه رسّاما مقتدرا مما يضيف للتاريخ المعروض أبعادا كبيرة.
لكن من الملاحظ بالمقابل أن مؤلف هذا الكتاب يبقى متحفظا باستمرار في التوصيفات التي يقدمها، إلى جانب الحرص في الوقوع ب«نزعة أوروبية للتمركز حول الذات» ، وهذا لم يمنعه مع ذلك من التأكيد بأشكال مختلفة أن عصر التنوير الأوروبي القرن الثامن عشر الذي كان له تأثير كبير على المسيرة الفنية اللاحقة، كبيرا وحاسما، إنما هو ظاهرة أوروبية بحتة .
ومن الواضح أيضا في التحليلات المقدّمة أن المؤلف يأخذ في اعتباره الفروق الكبيرة بين الثقافات التي قد تفتقد أحيانا إلى أية نقاط مشتركة فيما بينها على صعيد الأعمال الفنية، وأيضا يأخذ في اعتباره مسألة التسلسل التاريخي في محاولة لشرح آليات الانتقال من مدرسة فنية إلى أخرى.
شروحات هذا الكتاب مترافقة مع صور ل«لوحات فنية»، وبكل الحالات يعتبر المؤلف أن الفن إطار يبقى فيه تاريخ العالم بكل تجلياته واتساعه، ماثلا أمامنا ، وكذلك إطار يتم في داخله التفاعل و التثاقف بين حضارات العالم.
هكذا يتحدث المؤلف، مثلا عن تأثير النحت في إفريقيا الغربية على أعمال عدد من الرسّامين الأوروبيين، كما أن إحدى قبب صرح بوروميني تتقارب كثيرا مع قبب مسجد شاه في اصفهان. بالطبع تبقى الأمثلة المقدّمة ذات طابع انتقائي، وتطال غالبا أعمالا مغمورة، إلى هذه الدرجة أو تلك.
الخط الناظم في تحليلات هذا الكتاب الذي يقارب عدد صفحاته ال500 صفحة، يتمثل في رصد المسار التطوري عبر آلاف السنوات ولكن أيضا عبر مناطق العالم. ويبدأ المؤلف، كما يقول، منذ أول حجرة حاول إنسان في فترة الصيد ـ القطف من تاريخ البشرية إعادة صياغة شكلها ووصولا إلى آخر صيحات الفن .
إن النقطة التي ينطلق منها المؤلف تؤكد على أن كتب تاريخ الفن تركزت غالبا على التعرّض ل«تاريخ الروائع» الكبرى وهمّشت إنتاج فئات كثيرة، مثل النساء والفنانين الذين لا ينتمون إلى الغرب. وهو يؤكد في النقطة التي وصل إليها على أن الإبداع لم يكن في أي يوم من الأيام حصرا على منطقة أو قارة، أوروبا، أو غير أوروبا.
وهذا ما دعمه في الكتاب بتقديم المئات من الأعمال من مختلف مناطق العالم ومن فئات ومجتمعات مختلفة، وبحيث وصل عدد اللوحات التي يحتويها الكتاب إلى 460 لوحة من بينها 300 لوحة بالألوان. ولم ينس المؤلف أن ينصح القارئ في النهاية باستكمال دراسته ب«الاقتراب أكثر من العمل الفني نفسه» ف«ما يجري في الفن يعود لكم»، حسب تعبيره.
المؤلف في سطور
جوليان بيل هو رسّام وناقد فني وأستاذ لتاريخ الفن، يعرض لوحاته باستمرار في غاليري فرنسيس كايل في لندن. له عدة كتابات من بينها: ما هو الرسم؟ صورة الفن المعاصر والكتاب الذي نقدمه: مرآة الفن: تاريخ جديد للفن .
الكتاب: مرآة العالم، تاريخ جديد للفن
تأليف: جوليان بيل
الناشر: تيمس وهودسون لندن 2007
الصفحات: 496 صفحة
القطع: المتوسط
Mirror of the world, a new history of the art
Julian Bell
Thames and Hudson London 2007
P.496