من الثابت أن عدداً كبيراً من روائع الأدب الروسي قد شق طريقه إلى الوعي والذائقة العربيين منذ أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، إما عبر الترجمة عن الروسية مباشرة أو من خلال لغات وسيطة وبصفة خاصة اللغة الفرنسية، لكن هذه القاعدة لا يمكن القول إنها تنطبق على التجليات الحديثة للأدب الروسي، وذلك في ضوء التراجع، بل الانحسار الكبير والمفجع، لحركة الترجمة إلى العربية.

لهذا بالضبط لم يقدر إلا للكثيرين على امتداد العالم العربي أن يحققوا الحد الأدنى من المعرفة بتطورات الأدب الروسي الحديث وانجازاته، وبالتالي فإن الكثير من المبدعين الروس الذين يقرأ العالم أعمالهم اليوم لا وجود لهم على الإطلاق على خارطة القراء العرب. ومن هؤلاء المبدعين يبرز الروائي الروسي أندريه ميكاين الذي يقرأ العالم روايته الحادية عشرة هذه الأيام والتي تحمل عنوان «حب إنساني». ولكن لماذا الاهتمام بهذه الرواية بصفة خاصة من بين أعمال ميكاين العديدة ومن بينها روايته «أحلام مواسم الصيف الروسية» التي دخلت تاريخ الأدب الفرنسي بحصول مؤلفها عنها على جائزتي جونكور وميديتشي معاً في استثناء نادر حقاً؟ ربما لأن ميكاين في هذه الرواية يقتحم آفاق إفريقيا عبر رؤية مختلفة تماماً عما شاهدناه في المعالجات الغربية لقضايا القارة السمراء، التي إما أن تعكس تجاهلاً لإفريقيا الحقيقية أو ابتعاداً عنها من خلال إضفاء الطابع الرومانسي عليها. وربما أيضاً لأنه ميكاين يكشف عبر هذه الرواية الجديدة جوهر مفهوم التاريخ كما يراه ويحسه.

وفي صياغة ميكاين للتاريخ كما تتجلى من خلال رواية «حب إنساني» نحن على موعد مع شذرة يتم العثور عليها في كراسات تشي جيفارا بعد موته، وهي تحمل عنوان لماذا تموت الثورة؟ وبمعنى من المعاني فإنه رواية ميكاين الحادية عشرة هي إجابة مطولة عن السؤال الذي يطرحه جيفارا في شذرته تلك. حيث يتساءل إلياس ألميدا الثوري الإفريقي الذي تروي حكايته في هذا الكتاب: »ما معنى هذا الاضطراب المحرر إذا لم يغير بطريقة جذرية النحو الذي نفهم به حب إخوتنا من البشر؟ .

من الغريب أن ميكاين يحظى بالتقدير الكبير الذي لم يعرفه إلا القليل من كبار الكتاب في فرنسا التي هاجر إليها من روسيا في عام 1987، بينما لا يحظى بحماس يذكر في بريطانيا، وذلك على الرغم من أن الكثيرين على امتداد العالم يعتبرونه من كبار الكتاب الأوروبيين المعاصرين.

الواقع أن جانباً كبيراً من روايات ميكاين يتركز على حياة روس عاشوا في ظل التجربة السوفييتية وحلموا طويلاً بالغرب، وهو في «حب إنساني» ينتقل إلى تناول فشل النموذج الماركسي في سياق آخر، هو انهيار الثورات التي دعمها السوفييت في إفريقيا والصدمات التي أعقبت ذلك وترددت أصداؤها في حياة الكثيرين حتى اليوم.

يشب إلياس ألميدا عن الطوق في أنجولا المحتلة في الستينيات، وقد مضى أبوه للقتال في الكونغو، بينما تجد أمه نفسها مجبرة على احتراف البغاء وبيع جسمها للجنود البرتغاليين. وينطلق إلياس للانضمام إلى أبيه، الذي ينغمس في ذلك الوقت في مشاركة تشي جيفارا في تجربته النضالية في إفريقيا.

وفي البداية يجد إلياس نفسه وقد أغوته طروحات المناضل الثوري البارز، ولكن سرعان ما يرصد الهوة القائمة بين التحمس للمثل العليا المجردة والتعاطف الحق مع نضال الجماهير الغارقة في العذاب والمعاناة. عندما يجيء رجل عجوز إلى المعسكر، ويشكو من أن رجال جيفارا قد سلبوه طعامه، فإن القائد الثوري لا يظهر إشفاقاً يذكر عليه.

حيث نقرأ: يلاحظ إلياس أن هناك نوعين من الناس، أحدهما يتجمد في خطاباته عن الجماهير العاملة التي يعد لدخولها الظافر لفردوس الشيوعية، الناس المثاليين إن صح التعبير، ثم هناك الناس الآخرون الذين بفعل انعزالهم جلبوا العار على المشروع الثوري العظيم . هذه الملاحظة سيطرحها إلياس مرات عديدة في رحلاته عبر إفريقيا وكوبا وروسيا، حيث يتم تجنيده للعمل في صفوف جهاز المخابرات السوفييتي العتيد المعروف باسم الكي جي بي .

ويقول إلياس للكاتب الروسي، الذي لن نعرف اسمه أبداً، والذي يحكي لنا تاريخه بعد سنوات عدة: عندما يحدق الموت فينا ببرود، فإننا ندرك أنه في حياتنا كانت هناك سويعات من النور أو الظلام، وجوه قليلة نعود إليها باستمرار، وهذا هو ما يبقينا أحياء، وهو في الحقيقة الأمل البسيط في العثور عليها مجدداً .

بالنسبة إلى إلياس فإن الوجه الذي يندرج في هذه الوجوه المشار إليها هنا هو وجه أنَّا، وهي حسناء روسية قابلها في موسكو، وهي تتزوج من دبلوماسي لا تحبه، وهي تتجمد متحولة إلى »دمية كبيرة، جميلة«. غير أن فكرة حبها، الذي احتفظ بالهالة العذرية التي تميز قصة حب رومانسية ريفية منحت كلاً منهما سبباً ومبرراً لاحتمال سنوات المرارة وخيبة الأمل.

بهذا المعنى فإن رواية »حب إنساني« هي عمل إبداعي جميل، ولا يفارق ذاكرة من يقرأه، ويحمل ثقل عقود طويلة من المعاناة في القارة السمراء التي يفضل الكثير من الكتاب الغربيين إما أن يتجاهلوها أو يتناولوها من خلال إضفاء الطابع الرومانسي عليها، وهما المنهاجان اللذان حرص ميكاين على الابتعاد عنهما تماماً.

ويجمع الكثير من القراء على أن قراءة هذه الرواية هي بمثابة تجربة عميقة، خاصة بالنسبة للقراء الذين لم تقع في أيديهم أي من روايات ميكاين العشر السابقة، فهو يكتب عبر رؤية تعانق الصراعات التي همشها الغرب طويلاً، والتي امتدت في أرجاء القارة خلال السنوات الماضية، وهو يحرص على إنارة ما تعنيه مواصلة الحياة في أوقات ملطخة بالدماء كهذه السنوات. ومن ثم فإن الرواية تقوى وتعمق الاعتقاد السائد في القارة الأوروبية بأن ميكاين واحد من أهم كتاب الرواية وأكثرهم عمقاً في زماننا.

بقي من المهم، أخيراً، أن نشير إلى أن ميكاين كتب روايته هذه، شأن العديد من رواياته الأخرى، بالفرنسية مباشرة، وليس بالروسية، الأمر الذي يدعم من جديد تشديد ما أكده العديد من النقاد من أنه يتلقى دفعة كبيرة من كونه مؤلفاً روسيا يبدع باللغة الفرنسية، وهو في عمله هذا شأن كل أعماله الأخرى يعود بإصرار يكاد يكون استحواذياً إلى تحليل العلاقة الملتبسة والمعقدة بين روسيا والغرب، حتى وإن امتدت هذه العلاقة ـ في روايته هذه ـ على الساحة الإفريقية.

وربما ليس من قبيل الصدفة أن تؤكد لنا الناقدة ناتاشا فيرويزر في مقال مطول لها حول الرواية في صحيفة «الإندنبدنت» أقوى الملامح الروسية في إبداع ميكاين إيمانه العميق بقوة الكتابة وبتأثير الكتب، والتزامه بالإصرار على مواصلة الإبداع في مواجهة أصعب الظروف يردد أصداء إصرار سولجنتسين، وكثيراً ما يشدد في المقابلات التي تجري معه وفي أحاديثه الخاصة على أنه يواصل الكتابة لأن يؤمن بأن الكتب يمكن أن تعيد صياغة العالم ببهائها.

وعلى الرغم من أن الكثيرين في عالمنا العربي قد لا يشاركون الكاتب الروسي اقتناعه هذا، في ضوء تجاربهم العملية المريرة، إلا أن ذلك لن يمنعهم من التحمس لرواية «حب إنساني» إذا قدر لها يوماً أن تترجم إلى اللغة العربية، وهو يوم نأمل ألا يكون بعيداً.

في الايام الخوالي

بينما كنت لا أزال طفلاً، ضمنت أن هذه الابتسامة ذاتها تمثل انتصاراً صغيراً لكل من النسوة، نعم، انتقام سريع لآمال منيت بالخيبة، لندرة الأشياء الجميلة والحقيقية في هذه الدنيا. لو أنني كنت قد عرفت كيف أقولها في الوقت الذي سميت فيه هذه الطريقة في الابتسام بالأنوثة.. ولكن لغتي كانت أكثر تحدداً من أن تسمح بذلك في تلك الأيام. فاقتصرت على دراسة وجوه النسوة في البومات صورنا وتعرف وهج الجمال هذا في بعضها.

مقتطف من رواية « حب إنساني»

ذلك أن هاته النسوة كن يعرفن أنه لكي يكن جميلات، فإن ما ينبغي أن يفعلنه قبل ثوان عدة من تألق ضوء الكاميرا أمامهن هو تقليد النطق بالمقاطع الغامضة التالية باللغة الفرنسية التي لم يفهم معناها إلا القليلات منهن (بتيت بوم).. وكأنما بفعل السحر، فإن الفم بدلاً من أن يمتد في قداسة مزيفة، أو ينقبض متخذاً شكل ابتسامة مفعمة بالقلق، يشكل استدارة رقيقة.

وهكذا يتغير شكل الوجه بكامله. وتقوست الحواجب قليلاً، واستطالت بيضاوية الوجنات. لقد قلت (بتيت بوم) فحجبت نظرتك ظلال عذوبة نائية وحالمة، وأضفت الرقة على ملامحك، وجعلت الضياء الرقيق للأيام الخوالي يحوم حول الصورة«.

الكتاب: حب إنساني

تأليف: أندريه ميكاين

الناشر: أركيد - نيويورك 2008

الصفحات: 288 صفحة

القطع: المتوسط

Human Love

Andrei Makine

8002 Y.N edacrA

882.P