عرف قدماء المصريين آلة العود وكانت عبارة عن آلة ذات صندوق بيضاوي الشكل غالباً رقيق الجدران، وقد عثر في مدافن طيبة على عود من هذا النوع، ويدق على الأوتار بريشة من الخشب كانت تعلق بحبل في العود.
تظل صناعة آلة العود معلما رئيسيا في شارع محمد علي أو شارع الفن الأسبق بالقاهرة منذ أوائل القرن العشرين حتى الآن، حيث لا تزال بعض دكاكين هذه الصناعة تقف شاهدة على تاريخ الفن في هذا الشارع الذي تخرج منه أساتذة الغناء والتمثيل مثل: إسماعيل ياسين وكارم محمود، ونعيمة عاكف ومحمد العزبي، وصالح عبد الحي، ومحمد رشدي حتى أحمد عدوية.
لا يزال الاقبال على دراسة فن العود ضعيفاً عند المصريين والعرب عامة كما كان الأمر في الماضي القريب، فقد كان هناك من المصريين من يقبل على تعلم العزف على العود ومن ثم اقتناء عود واثنين، بل إنه إلى وقت قريب كان الكثير من المصريين يرسلون أولادهم الصغار لتعلم العزف على العود سواء في الدورات التي يقيمها معهد الموسيقى العربية أو دار الأوبرا المصرية أو غير ذلك.
كذلك زوار مصر من العرب خاصة أولئك الذين يعشقون أم كلثوم وعبد الوهاب وفريد الأطرش وكارم محمود وغيرهم من الفنانين الكبار الذين كان لهم فضل احتلال العود مكانة مميزة في الموسيقى العربية الحديثة، صناعة العود الآن تعتمد عامة على زوار مصر من الأجانب وقلة قليلة من العرب والمصريين. ومن جهة أخرى لا يخفي أصحاب هذه الصناعة أنها تواجه كارثة الاندثار بسبب الغزو الخارجي للآلات الموسيقية التي تفتقد سحر وإبداع وروح الصنعة اليدوية.
يطل العود كعنصر رئيسي من دكاكين شارع محمد التي تحمل أسماء مثل (بيت العود)، (صوت الموسيقي)، (جوهرة الفن)، (الموسيقي الجديد) وغيرها فضلا عن ورش صناعته والتي غالبا لا تحمل أسماء ولكن (الصنايعية) العاملين في الصناعة يمثلون عنوانا قويا، هذا على الرغم من دخول الآلات الموسيقية الحديث على الكثير من الدكاكين إلى جانب العود كالأورغ والغيتار وغير ذلك، كما توجد الدربكة والرق والدف.
ويذكر أن قدماء المصريين عرفوا العود وكان ذلك العود عبارة عن آلة ذات صندوق بيضاوي الشكل غالباً رقيق الجدران، وقد عثر في مدافن طيبة على عود من هذا النوع، ويدق على الأوتار بريشة من الخشب كانت تعلق بحبل في العود.
ويؤرخ أيضا أنه منذ بداية القرن العشرين أخذت آلة العود في مصر تتقدم نحو الرقي وخاصة بعد إنشاء معهد الموسيقى العربية سنة 1923 م ليثري الحياة الفنية في مصر والعالم العربي بفنانين دارسين للآلات الموسيقية وكان له الفضل الكبير على جيل العشرينات، وكان من أساتذة العود بالمعهد رياض السنباطي ومحمد القصبجي.
ومن مشاهير ورواد العود في هذه الفترة: أمين المهدي وصفر علي ومحمد عبد الوهاب وعبد الفتاح صبري وجمعة محمد علي وعبد المنعم عرفة، علاوة على رياض السنباطي ومحمد القصبجي، وأبرز العازفين في المدرسة الحديثة : جورج ميشيل، فريد الأطرش، محمود كامل، عمار الشريعي، أنغام محمد لبيب، حسين صابر لبيب.
ومر العود بمراحل كثيرة من التغير في الشكل والحجم حتى استقر على الشكل المتعارف عليه الآن وهو العود ذو الخمسة أوتار أو الستة أوتار، ورغم ذلك فقد تعددت أحجام العود المستخدم في مصر، فهناك ثلاثة أحجام أساسية لآلة العود مناسبة لكل عازف من حيث الحجم هي العود الكبير 4/ 4، والعود المتوسط 3/ 4، والعود الصغير 2/ 4، وعرف من أشكال العود نوع على شكل كمثري، وآخر على شكل البصلة، وغيره بشكل مدور أو أكثر استطالة الخ.
وكذلك حدث تطوير في صناعة العود حيث عرفت عدة استحداثات وتعديلات في مصر بدأها بشكل واضح محمد القصبجي حيث قام بتصميم مقاييس جديدة وأحجام مختلفة من آلة العود حتى يمكنه عزف مختلف الأوضاع بسهولة، ولتصدر صوتاً أكثر ضخامة وقوة مستخدماً في ذلك قواعد حسابية ونظريات هندسية معينة في تحديد طول الوتر من الأنف إلى الفرس، ورأى في ذلك أن الوتر إذا زاد طوله عن 60 سم ضاع صوته هباء.
في جولتنا في الشارع تعرفنا علي (الصنايعي) العجوز ذي الخبرة والتاريخ و(الصنايعي) الشاب الطامح لاكتساب سر الصنعة، وتعرفنا على المزيد عن هذه الآلة الجميلة، وكان أن توقفنا طويلا في أقدم دكان جميل جورج لصناعة وبيع العود والذي تأسس عام 1906 حيث تعرفنا أولا على أشهر أنواع الخشب الذي تقوم عليه صناعة العود ومراحل هذه الصناعة : خشب الجوز والصاج الهندي والأبنوس والماهوغني والبلي سندر والبالوط .
وكل نوع يتم استخدامه في جزء معين من العود بدءا من الوجه الذي يصنع من الخشب الأبيض أو ظهر البيانو، ويتم تقطيعه شرائح بمقاسات محددة يتم لصقها فيما بعد لتصبح الوجه الذي يراه الناس. أما (القصعة) وهي تلك التي يحتضنها العازف بجسده مثل (الأم) التي تحتضن وليدها، فتصنع من خشب الجوز والماغوجني وصاج هندي وأبنوس، وهي عبارة عن قالب وهذا القالب هو الذي يميز أنواع العود المختلفة مثل العود التركي والمصري والعراقي.
وبعد تقطيع الأخشاب يتم لصق كل قالب حسب مقاسه، ولذا يوجد قالب ثلاثة أرباع وقالب نصف وقالب ربع وهو أكبر القوالب. إن مرحلة (الرقبة) و(البنقا) تعد أهم جزء في آلة العود لأن بها مفاتيح الأوتار والرقبة تتحكم في مقاسات ومسافات التنغيم، أما الفتحات الموجودة في وجه العود هي مرحلة طقم السماعات وهي التي تعطي منفذا لصوت العود.
وأيضاً تعطي الشكل الجمالي للعود مثل عود فريد الأطرش الذي كان يتميز بزخارف تختلف عن غيرها، وتأتي المرحلة الأخيرة التي تعتبر مرحلة التكوين وتشمل قشطه وصنفرته وتلوينه. وفي بيت العود تعرفنا على المكونات الرئيسية التي تقوم عليها صناعة العود ولكن كل مكون على حدة : القصعة: وهو الصندوق المصوت البيضا على شكل نصف كمثري ويغطي وجه هذا الصندوق بغطاء من الخشب الخفيف.
الرقبة: هي الجزء العلوي للعود، وأهم أجزائه، فهي موضع العفق على الأوتار، ومصدر حدوث الأصوات. الدساتين: ومفرده دستان.. وهو لفظ فارسي مُعرب يطلق على العلامات التي توضع فوق الرقبة لتحديد مواضع عفق الإمساك بقوة أصابع اليد اليسرى المستعملة في العزف وهي السبابة والوسطى والخنصر والبنصر.
ومواضع هذه الدساتين أو العلامات على الرقبة يخضع بعضها لحسابات دقيقة تحدد نسب أصوات السلم الموسيقي بعضها إلى بعض مبتدئة من جهة (الأنف)، وهي القطعة الرقيقة الموضوعة في نهاية الرقبة لإسناد الأوتار عليها ورفعها قليلاً عن الرقبة.
المفاتيح: وهي قطع صغيرة من الخشب وعددها 12 مفتاحاً عادة، تثبت في ثقوب الجزء النهائي بعد الرقبة.
الريشة: وهي القطعة التي يضرب بها على الأوتار وتصنع دائماً من قدم النسر، ويستعمل ظهرها الأملس للعزف على الأوتار لتخرج لنا أعذب الألحان.
أما أحدث ما دخل على العود فهو ما يطلق عليه (البنجأ) وهو الجزء الذي يحمل مفاتيح التحكم في الأوتار سواء كانت خماسية، أو سداسية، أو سباعية، أو ثمانية.
وحول صناعة العود موهبة وحرفة ومدى فنية الشباب فيها قال أحد الكبار في الصنعة : الحرفة وحدها لا تكفي، فالخيال مطلوب، والإبداع أيضا، والصنايعي الماهر هو الذي يتخيل شكل العود وشكل زخرفته قبل أن يبدأ في تقطيع الخشب، وينبغي أن يرسم مخططاً له مثل (الباترون) خاصة واجهة العود، أما التجويف الخلفي فتقوم بإعداده ماكينات خاصة هي التي تستخدم في تقطيع الخشب وفق المقاسات المحددة، فالشغل الفني والجمالي والمهني كله موجود في واجهة العود.
ويشير إلى أن الأصداف المستخدمة في زخرفة الواجهة يتم شراؤها من شارع الصاغة بحي الحسين، وهي تكون معبأة في أكياس بأحجام وأعداد معينة، هناك عود يحتاج إلى 300 قطعة صغيرة من الصدف الملون (أبيض وأسود) وهناك 200 قطعة، وأيضاً هناك الأقل من ذلك، ويحدد سعر العود وفق نوعية الخشب، وعدد الأصداف المستخدمة.
أما أسعار العود فالأغلى يصل ثمنه إلى ثمانية آلاف جنيه، وهو عادة المحلّى بالأحجار الكريمة، مثل الياقوت أو الزبرجد الأخضر، وأرخص عود يصل سعره إلى 800 جنيه. ويذكر أحدهم أن العود الذي غنّى به فريد الأطرش أغنية (الربيع) تكلف 4 آلاف جنيه (كان الجنيه يساوي مائة بأسعار هذه الأيام) وكان قد صنعه جميل جورجي أشهر صانعي العود في شارع محمد علي، وظل يعمل في هذا العود حوالي ستة شهور كاملة، وقد أهداه الفنان فريد الأطرش ساعة ذهبية تكريماً له.
مقاييس جديدة
قام محمد القصبجي بتصميم مقاييس جديدة وأحجام مختلفة من آلة العود حتى يمكنه عزف مختلف الأنغام بسهولة، ولتصدر صوتاً أكثر ضخامة وقوة مستخدماً في ذلك قواعد حسابية ونظريات هندسية معينة في تحديد طول الوتر من الأنف إلى الفرس، ورأى في ذلك أن الوتر إذا زاد طوله عن 60 سم ضاع صوته هباء.
غزو خارجي
صناعة العود تعتمد عامة على زوار مصر من الأجانب وقلة قليلة من العرب والمصريين، ولا يخفي أصحاب هذه الصناعة أنها تواجه كارثة الاندثار بسبب الغزو الخارجي للآلات الموسيقية التي تفتقد سحر وإبداع وروح الصنعة اليدوية.
محمد الحمامصي