أمام مقهى لندني وقد تجاوزت الساعة العاشرة وقفت امرأة شقراء شبه ممتلئة تحتمي من المطر وتنظر إلى ساعتها، ولان المكان كان مظلما قليلا لم نميز جيدا من تكون فسألناها إن كان المقهى لا يزال مفتوحا ـ مقاهي لندن تغلق باكرا ـ أجابت بنعم، فسألناها ثانية إن كانت تعمل في المقهى.

فأجابت بالنفي، ومجت من لفافتها نفسا عميقا ـ مقاهي لندن تمنع التدخين ـ قالت هل أنتم مصريون، أجاب احدنا لسنا جميعا دالا بإصبعه: سوري، عراقي، مصري. قالت رائع، ثم تركتنا بلا مبالاة متوجهة إلى سيارة توقفت أمام المقهى وفتحت الباب الخلفي ليترجل منها علاء الأسواني كاتب عمارة يعقوبيان وشيكاجو.

كانت المرأة وكيلة أعمال الأسواني في لندن، حيث جرى احتفاء بالكاتب خلال معرض لندن للكتاب وتلك التقليعة منتشرة في الغرب بشكل واسع، ولا يمكن التواصل مع أي مؤلف بمعزل عن وكيله الأدبي، وقد أتاحت هذه الطريقة للمبدع أن يتفرغ للكتابة وأن يهتم أحد ما بقضايا النشر ومتعلقاتها وما ينتج عنها من أمور ذات صلة بالكتابة والمتابعة، ويحدث كثيرا أن تنشأ منازعات أدبية في الكتابة أو مع الناشرين وعلى أحدهم أن يهتم بها.

ولعل الترجمة الانجليزية لكتابي الأسواني دفعت إلى وجود تلك المرأة التي قدمت نفسها لنا لاحقا كوكيلة أدبية وقامت بدور المضيف إلى مائدة فيها أدباء وناشرون وإعلاميون وكانت همزة وصل بين الجميع. عربيا لا أحد يعرف أين تذهب الحقوق، وأين تذهب المؤلفات، ولماذا لا تنظم هذه العملية تحت سقف من الحماية المادية والأخلاقية.

إذ يحدث كثيرا أن يطارد المؤلفون ناشريهم ليس بحثا عن حقوق مادية بل استعطافا للحصول على نسخ من مؤلفاتهم، ويحدث كثيرا أن الناشر يتحول إلى محسن يتعامل مع المؤلف من منطق الصدقة لأنه تكرم بالنشر ولأنه أدرى بمصلحة الكتاب وليس الكاتب، وطالما افتقدت الذهنية العربية مفهوم الوكيل الأدبي تبقى عملية النشر في مهب الريح، ولو حذا الأدباء والناشرون حذو الفنانين والمنتجين الموسيقيين لكان حالهم حال الأسواني في لندن، وكيلة أدبية تنظم لقاءاتهم الصحافية وتقاضي من يسرقون حقوقهم وتسعى لتسويقهم بلغات لم يحلموا بها ذات يوم.

hussain@albayan.ae