داي وي، بطل رواية «غيبوبة بكين»، رجل أسير بصورة مضاعفة، وعلى الرغم من أنه يخضع لرقابة صارمة من جانب الشرطة الصينية، نظراً لدوره في أحداث ميدان بوابة السلام السماوي عام 1989، إلا أنه في المقام الأول أسير جسده، حيث رقد مدة تزيد على عقد من الزمان منذ أطلق أحد الجنود رصاصة على رأسه في الاحتجاجات الطلابية الشهيرة.
ومع أن ذهنه لا يزال يؤدي وظائفه، فإن جسمه بحسب إجماع الأطباء لم يعد جسماً بشرياً على الإطلاق. ومع التحول السريع الذي تشهده الصين بفعل التحديث الاقتصادي، وانحسار أصداء أحداث ميدان بوابة السلام السماوي على امتداد العالم، يرقد داي وي صامتاً في غرفته بداره، حيث تقوم أمه على رعايته بعد أن أجبرها المستشفى على استلامه بمجرد علم المسؤولين فيه بأن إصابته نجمت عن الصدامات التي شهدها الميدان. وبين الحين والآخر يزوره أصدقاؤه، الذين يقول أحدهم مازحاً إنه حقق أكثر من أي صيني آخر نصيحة ماوتسي تونغ بأن «يبقى بلا تغيير في ظروف متغيرة».
هذه الرواية، التي تعد أحدث روايات الكاتب الصيني البارز ما جيان هي عبارة عن عمل ملحمي هائل يقع في قرابة الستمئة صفحة، ويكاد يكون أقرب إلى جدارية هائلة في صورة «كولاج» تتداخل فيها مشاهد من حياة داي وي في الماضي والحاضر، حيث نلمح مواطنين يتقلبون أسرى لقبضة الحزب والدولة ومعالم دراسة مدهشة لهشاشة الجسم البشري، وإصرار النفس والذاكرة.
تستمد الرواية شكلها، بل ونغمة صوتها ـ التي هي مزيج من الرعب والضحك ـ من الفقر والحرمان اللذين تعيشهما عائلة داي وي، الذي سقط في فخ حاضر لا يتغير، فلا يملك إلا أن يلف نفسه حول التفاصيل الدقيقة التي يختزنها الناس في أذهانهم ولا يتاح لهم المجال قط للتدقيق فيها مجدداً.
يكرس ما جيان المئات من الصفحات لتناول الحياة السياسية في الصين والشخصيات التي شاركت في الاحتجاجات الطلابية الشهيرة، حيث ينقل لنا حشداً من المشاعر يتصدره التعجل والغضب، وتبرز قضايا عديدة بتفصيل دقيق ومفعم بالتعاطف، تبدأ بالحملة ضد الفساد ومن أجل الحرية، ولا تنتهي بأفضل السبل لتحدي السلطات وأحسن الشعارات التي تكتب على اللافتات وكيفية الكشف عن المرشدين الذين تستعين بهم سلطات الأمن.
هكذا فإننا نرى ميدان بوابة السلام السماوي يتحول إلى بلد داخل البلد، ونرصد أنظمة توزيع الغذاء والجماعات المتقابلة ولمحات من الحياة الحميمة للطلاب. وعندما يسفك الدم في الميدان فإن الاستعدادات التي قامت بها السلطات على مهل تبدو لنا باعثة على الشعور بالصدمة بشكل أفظع. يمتد الإحساس بصنع التاريخ إلى المستقبل ثم عودة إلى الماضي، وتستدعي ذاكرة داي وي فظائع لا تنسى من عهد ماو، حيث الناس يدفنون أحياء والنسوة يجبرن على الإجهاض وأكل لحوم البشر.
وإذ يرقد البطل في فراشه مع مقدم الألفية الثالثة، فإنه يصغى لسرد للكيفية التي تعامل بها زملاؤه مع مصائرهم. فأحدهم أقدم على الانتحار بعد أن أجبرته السلطات على إدانة نفسه علناً، والبعض مضى إلى المنافي بلا أمل في العودة يوماً، بينما اهتبل آخرون الفرصة لمراكمة الثروات عبر تقنيات البرامج ومشروعات التطوير العمراني. هكذا على مهل تبرز أمامنا صين أخرى، غير التي نرى ملامحها تحت بريق الكاميرات والأضواء وعبر أجهزة الإعلام ومن خلال محاولات الغرب تحقيق مصالحه بالتعاون التجاري مع الصين.
وعلى الرغم من أن ما جيان يخصص الكثير من صفحات كتابة للسياسة واستراتيجيات العمل الطلابي، إلا أن روايته ليس تعليمية ولا تدور حول الخطب والمواعظ بحال، وحتى عندما تتحدث شخصياته عن القمع فهناك الكثير من المرح والعناصر التي تخطف القلب.
وربما كان من أبرز العناصر التي يتوقف عندها القارئ طويلاً في «غيبوبة بكين» ذلك الاقتدار الذي يبديه المؤلف في إبداع الحوار، سواء أكان حواراً بين عاشقين أم بين مسؤولين يسعون لتوجيه ضربات إجهاضية أم بين طلاب يعكفون على كتابة الشعارات على اللافتات، ويمتد هذا الاقتدار بشكل خاص إلى حوار البطل الذي لا ينتهي مع نفسه.
غير أن الانجاز الكبير حقاً الذي يحققه المؤلف هو الطريقة التي يجعلنا نعايش بها التردي الهائل لحالة داي وي، فيما جسمه يتهشم إلى أجزاء، حيث نجد أمه مضطرة إلى بيع إحدى كليتيه لتغطية نفقاته الطبية، ويتم استخراج بوله لبيعه للمتحمسين بالعلاج باستخدام البول.
وفي إحدى أجمل مقاطع الرواية على الإطلاق تتخذ عصفورة صغيرة من غرفة البطل مأوى لها، وتتيح حركتها في أرجاء الغرفة لداي، الذي لا يستطيع الرؤية أن يحدد أبعاد الغرفة، ويحدث نفسه بأنه منذ وصول العصفورة ازدادت الغرفة اتساعاً، وفي وقت لاحق تحط على صدره العاري، ثم ما تلبث أن تغفو بفعل إيقاع دقات قلبه، فتمنحه الأمل في أن ينهض من رقدته التي استمرت عقداً من الزمان.
وفيما تستكشف الرواية ورطة داي الغارق في الغيبوبة والمجتمع الصيني المصاب بالشلل من خلال الخوف والنكران، فإن معاني عنوان الرواية تبدأ في الظهور مشيرة إلى التوازي بين جسم داي وي والجسم السياسي الصيني.
وفي النهاية التي تستحضر يوم الدينونة نجد أن المبنى السكني الذي يقيم فيه داي وي وأمه التي أصابها الجنون تهدمه جرافات الحكومة لإنشاء استاد استعداداً لأولمبياد 2008، حيث يغادر السكان المبنى واحداً بعد الآخر تاركين البطل وأمه وحدهما. ويبدو أن ما جيان يشير من خلال مفارقة نهوض داي وي، ونحن نغادر في نهاية الرواية، إلى أنه ينهض من غيبوبة بكينية ليقع في غمار أخرى.
هنا من المهم حقاً أن نتوقف عندما يقوله داي وي من أنه هو وأصدقاؤه على الرغم من الشجاعة التي تحلوا بها إلا أنهم لديهم فهم محدود للتاريخ الصيني. ذلك أن أهم ما في هذه الرواية النادرة أنها تدعونا إلى تحسين فهمنا لذلك التاريخ الذي يكاد يكون مجهولاً تماماً بالنسبة لنا حتى اليوم. ومن المحقق أنه ليس من قبيل الصدفة أن يبادر جاو كسينيجيانج، الفائز الصيني الوحيد بجائزة نوبل للأدب، بوصف ما جيان بأنه واحد من أهم الأصوات وأشجعها في الأدب العالمي .
ويصف شاندراس شودري في مقال مطول بصحيفة «الأوبزرفر» هذه الرواية بأنها رواية قوية ومذهلة تلقى الضوء قوياً على جوهر ما يجري في الصين الحديثة. وتقول ستيفاني ميريت في مقال لها بصحيفة «الغارديان» إن رواية ما جيان تقدم رؤية تصحيحية قوية لتقبل الغرب للصين الحديثة القائم على اعتبارات المصلحة الذاتية وحدها.
وأبرز ما فيها هو أنها تقدم تشديداً من جانب المؤلف على مسؤولية الكاتب في عالمنا المعاصر، وهو تشديد قلما يشير إليه ولو من بعيد الكتاب الغربيون. ويشير توم ديفسون في مقال بصحيفة «صنداي تايمز» عن هذه الرواية إلى أنها تقدم لنا الصين الأخرى التي حجبتها عن عيوننا سحب المصالح التجارية الغربية.
في فجر الألفية الثالثة
من خلال الفتحة الناتئة، حيث كانت الشرفة المغطاة، تلمح شجرة الخرنوب التي أزالتها الجرافة وقد بدأت تنمو على مهل من جديد. وهذا مؤشر جلي إلى أنك من الآن فصاعداً ستحمل حياتك على محمل الجد.تمد يدك متلمساً وسادة، وتدسها تحت كتفيك، وتسند رأسك بحيث يمكن للدم في دماغك أن يتدفق عائداً إلى قلبك، وتسمح لخواطرك بأن تصفو قليلاً. لقد اعتادت أمك أن تسندك على هذا النحو بين حين وآخر.
مقتطف من رواية «غيبوبة بكين»
الكتاب: غيبوبة بكين
تأليف: ما جيان
الناشر: فارار، شتراوس وجيرو، نيويورك 2008
صفحات: 592 صفحة
القطع: المتوسط
Beijing Coma
Ma Jian Farrar,Straus
andGiroux 2008
P.592