يعيد عبد الرحيم جيران في كتابه »في النظرية السردية، رواية الحي اللاتيني، مقاربة جديدةْ« النظر في العديد من الدراسات النقدية التي تناولت رواية الحي اللاتيني للروائي اللبناني الراحل سهيل إدريس وتأتي أهمية هذا الكتاب أنه يتعرض لرواية اشتغلت على فكرة الدور الأوروبي في التنوير، والانحياز التام للغرب وللمثقفين الغربيين، وعدم تجسيد الصراع النمطي بين الشرق والغرب الذي انشغل به الكثير من الروائيين مثل الطيب صالح وبهاء طاهر وغيرهم.
كذلك من النقد الموضوعي الموجه للنقد العربي المعاصر الذي احتذى كل أثر للفكر النقدي الغربي أو اقتفى أثر ما تمور به التجربة الإبداعية الغربية، من دون تملك للحس النقدي تجاه المنتج الغربي، ولا تملك رؤية معرفية قادرة على استيعاب ما يفد علينا، دون أن يكون دعوة لتجاهل الآخر أو ثقافته، أو دعوة إلي الاكتفاء بزادنا المحلي، وإنما دعوة إلى إعادة تجديد علاقتنا به على أسس الاحترام الذي يبدأ أولا من تنمية قدراتنا على السؤال المنتج والمستقل.
يغوص عبد الرحيم جيران في أجواء »الحي اللاتيني« حيث يبرر اختياره لها بأنها لم تنل حظها من الدراسة النقدية بما يجعلها تتبوأ مكانتها التي تستحق إلى جانب روايات أخرى اُعتبرت نصوصا ممثلة للرواية العربية، ويؤكد على أن تاريخ الرواية يرشدنا إلى أن الكتاب الجيدين ليسوا أولئك الذين يملؤون الدنيا ضجيجا، أو تحتفي بهم جماعة القرار في عصرهم.
ثم لا يلبث أن يحكم عليهم الزمن بالزوال ويطويهم النسيان بمجرد ما أن تزول أسباب الحاجة الظرفية إليهم. ولعل السبب الكامن ـ برأي عبد الرحيم جيران ـ وراء عدم الاحتفاء برواية الحي اللاتيني، بالقدر الذي خصص لنصوص روائية تماثلها من حيث القيمة أو أقل منها بكثير يعود إلى كون صاحبها من الدعاة الأوائل إلى الاتجاه الوجودي، ولا يهمنا هنا كما يقول الكاتب الدفاع عن اختيار سهيل إدريس وقناعته.
فالناس أحرار في توجهاتهم، بل المهم بالدرجة الأولى عدم الإنصاف الذي سيطر على العقل النقدي العربي ردحا من الزمن، والذي أنكر على البعض الاختلاف باسم التعصب الدوغماتيقي بما يفضي إليه من حرمان للفكر العربي من الإطلاع عل التجارب المختلفة .
يصنف المؤلف الرواية باعتبارها سيرة ذاتية، ثم يفرق في المعنى بين السيرة الواقعية الوثائقية والسيرة الذاتية التي تعتمد في كثير منها على التخيل ويقارن المؤلف بينها وبين السيرة الذاتية قائلا »سنعمل على تحديد الانتماء الإجناسي للرواية اعتمادا على المقارنة بينها وبين السيرة الذاتية، فالرواية في كليتها ليست مادة لها، وإنما لحظة من لحظاتها المميزة والمتعلقة بالدراسة بفرنسا.
ولم يتبد القصد من كتابتها في التأريخ للحياة الخاصة بالكاتب، بل إن لحظة الدراسة ذاتها لم تنقل من خلال هاجس تسجيلها كما هي في جريانها إذ لم تحتل واجهة السرد الأمامية، بقدر ما احتلت واجهته الخلفية«. وتحدث المؤلف عن الصيرورة السردية التي لا تكون واردة إلا بتضمنها التحول باعتباره خاصية مميزة لكل لفظ جدير بالانتماء إلى الحقل السردي وبالتالي لابد من استحضار حين الحديث عن الصيرورة السردية ما به تكتسب قوامها من شروط ومكونات من قبيل النواة السردية والتزمن والمكونات الحقلية الصيغية.
أما النواة السردية، فهي لفظ يصطنع عن طريق اختزال النص برمته، أو يستنبط من النص باعتماد إحدى ملفوظاته المدونة فيه من التقيد بحرفيتها، إذ يكون من الممكن اللجوء إلى إدخال تغييرات عليها حتى تستجيب للصيرورة السردية التي يتأسس النص السردي بحسبها .
ثم يعرض المؤلف لما يسميه »مستويات التحميل»حيث يبدأ فيه بتعريف مفهوم الحامل الذي يستمد ضرورته من التصور الطبولوجي لعملية التسريد، ولذلك فهو لا يخرج عن الوظيفة التجسيمية التي بفضلها يتأسس العالم التخيلي الذي ينشأ من جراء إعادة موضعة العلاقة بالعالم وفق ترابطات جديدة بين عناصره، ومن ثم لن يكون الحامل إلا بنية تخيلية تضطلع بدور المتلقي الذي تتضافر داخله عناصر عديدة، ثقافية وتعبيرية وإجناسية، فالحامل لا يتميز بما يفعله فقط، وإنما بما يحمله من تعبير لغوي عن العالم، بل لا يتميز إلا بما يجسمه من رمزية الفعل .
أما حين يأتي الحديث عن »الموقع والكيفيات »يوضح عبد الرحيم جيران أن استعمال مفهوم الموقع يقتضي إعادة النظر في طبيعة السارد، ولا يعني ذلك التخلي عن المفهوم وإنما تجاوز المماثلة بينه وبين الذات الإنسانية وذلك بجعله بنية مفترضة ممكنة مجهزة بتوسط رمزي وظيفتها نقل الغياب أو سرده، وتستهدف بعدا استراتيجيا ما، ونزع خاصية الكائن من السارد تتطلب تجاوز ما ألصق به من خصائص الذات الإنسانية ووجود فيزيقي وفعاليات ذهنية، وتحويله إلي بنية من التوسط تستمد ماهيتها من أساليب نقل الغياب المنتجة وفق تنوع الحقب التاريخية .
ثم يبسط المؤلف الكيفيات التي يتأسس عليها الموقع وحصرها في سبع كيفيات موقعية وظيفتها تنضيد الغياب بوصفه خاصية السرد المميزة، ثم بسط هذه الوظائف في رصد العالم وهو في حالة غياب دون أن يذكر مجمل وظائفها الأخرى لأن الإطار النظري الخاص بها يتطلب حيزا هاما لا تتسع له دراسة تطبيقية .
و يعرض المؤلف لمصطلح »التوزيع« ويقصد به الطريقة التي يتحين بها انتشار بنية السارد الممكنة بوصفه وضعا تعبيريا لا ينفصل البتة عن إشكالية الكتابة باعتبارها حادثا داخل تنميط رمزي للغياب والحضور في زمن ما، بما يعنيه ذلك من تخصيص تعبيري لنقل العالم سرديا، حيث لا يكون الانتقال بين الأنماط التعبيرية المختلفة داخل النص الواحد أمرا متروكا للصدفة، وإنما يخضع لضرورة داخلية قوامها الذاكرة النصية الداخلية التي تتكفل بالتضافر بين مستويات النص المختلفة.
عناصر التجريب
ركزت الدراسات التي تناولت رواية«الحي اللاتيني »على أنها نوع من السيرة الذاتية أو عن موضوعة المرأة، أو مسألة الصراع بين الشرق والغرب أو تتعقب فيها، في أحسن الأحوال التأثر بالاتجاه الوجودي، ولم تنتبه إلى ما تحمله هذه الرواية من عناصر التجريب الأولى في الكتابة الروائية العربية والانتقال بها من الكتابة المستندة إلى الواقعية إلى نمط آخر له مقومات التجديد ما لم يتوفر لما سبقه من الكتابات الروائية، ثم يسوق أمثلة لفكرة التجريب التى لعب بها« سهيل إدريس في روايته. القاهرة ـ هويدا صالح
المؤلف في سطور
الدكتور عبد الرحيم جيران ناقد من المغرب رئيس شعبة اللغة العربية بالمدرسة العليا بمرتيل، له عدة كتب نقدية منها: «إشكالية النص السردي»،«أوضاع السارد في النص الروائي» «في النظرية السردية».
الكتاب: في النظرية السردية .. رواية الحي اللاتيني مقاربة جديدة
تأليف: عبد الرحيم جيران
الناشر: أفريقيا للنشر المغرب 2007
الصفحات: 376 صفحة
القطع: المتوسط