جرت العادة أن تكون طبعة جدي من المسرحيات في صندوق كبير في العلية. وبوسعي أن أتذكر الآن الغلافين المصنوعين من قماش الكرباس القاسي والصورتين المنقوشتين على الفولاذ لـ «كليوباترا» في فلكها، و«لير» وهو واقف على سفح رابية يشتم العاصفة والمغفل عند قدميه.
وكانت تفوح من الصفحات رائحة العفن وقد انطبعت النقوش التي لم يعكر صفوها شيء على الورق الرقيق الذي يحفظها. وكان اسم جدي مكتوباً على الصفحة البيضاء بخط غليظ متميز، وكانت في الصندوق التالي صورة قصديرية له، ذات ملامح غاضبة تتجلى من خلال اللمعان. وأذكر وأنا أفكر أن هذه الأشياء، الصندوق المرصع ومسرحيات شكسبير والصورة القصديرية، لم تكن إلا رفات تلك الحياة بكل ما فيها من وهم مبرح وطموح. وكانت الأشياء الوحيدة. وعندما توفي، في حجرة مفروشة في تشيلسيا، بعد عشر سنوات من انفصاله عن زوجته، ذهبت إلى هنالك لتتعرف إلى الجثة وتطالب بالممتلكات. فلم يكن ثمة إلا الكتاب والصورة القصديرية والصندوق.
كان الكتاب مثقلاً بالتذييلات، وكانت الأقوال الفخمة من كوريو لانوس ولير وماكبث الذين لعنهم الناس لغدرهم وقلة إيمانهم، قد وضعت خطوط تحتها، وأفعمت الحواشي بالثناء على شكسبير. وقد كتبت من دون أي تواضع، ومن دون أي تصور لمسألة أن شكسبير قد كان ملكية الآخرين قبله بقرون. فعنده لم يكن الكتاب عهداً غير شخصي، لم يكن كتابة تقرأ عوضاً عن الممثلين، بل كان شيئاً شخصياً ومرعباً مثل حزمة من الرسائل.
ولا ريب أنه كان على خطأ في أن يتخذ لنفسه هذا العمل الفني، وقد استخدمها إلى حد حرية التصرف في مقدار حقه في الاستيلاء عليها قبل الآخرين. وكان يتخيل أنه يعرف عن حياة شكسبير أكثر من الباحثين. وعندما مثّلت فرقة جوالة مسرحية «قيصر» في دار الأوبرا أو حتى عندما شاهد أداء جيداً في المجمع الأدبي في بوسطن، كان من شأنه أن يقعد هادئاً على مقعده في الشرفة الداخلية، معتقداً أنه كان الشاهد على سوء تفسير فاحش لا يمسك بمفتاحه إلا هو، وهو وحده من دون سائر الأحياء.
وقد نشأ كل ذلك من تلك الفترة المنكودة في أوان ما بعد الظهيرة في عامه الخامس والأربعين حين كان يقعد في القاعة الرطبة، وعندما رفع بصره عن الكتاب، انتابه شعور أنه إذا فتح النافذة ومدّ يده إلى العتمة المتجمعة الماطرة فإنه سوف يلمس يد وليم شكسبير.
ونهض بصورة نصف شعورية عن كرسيّه واجتاز الغرفة إلى النافذة ووقف ثمة ويده على عتبتها، ينظر إلى الحديقة في تشرين الثاني. كانت الأشجار سوداً وعارية عن الأوراق وما عدا بعض النجميات المعفّرة في الغبار، لم يكن على الحواف شيء مزهر.
وانتشر المطر الأغبش، مثل غمامات الدخان، عبر الهواء ودخلت رطوبة اليوم في القاعة. ولم تكن في الموقد نار وكان أشد كسلاً وانشغالاً من أن يضرمها. وقف عند النافذة، دافئاً ومزهواً بما قرأه وكأنه تناول بذلك جرعات من عرق السكّر، ولا يزال في ذاكرته مبهوراً بذلك العرض الملكي ومستأجراً تلك الأصوات الطنانة.
وسمع صوت زوجته اللاغب الموبخ آتياً من المطبخ وقاطعاً هذا الافتتان، يدعوه إلى العشاء. فعاد إليه وعي المكان، هازماً تلك الصور ومقتلعاً إياها لتحل محلها القاعة الرطبة بأثاثها الرثّ ودورتها الرتيبة في الاقتصاد في المعيشة.
وفي تلك اللحظة بدا اقتحامها لحلم يقظته بصوتها الحاد مثالاً على افتقارها إلى الفهم. وعلى الرغم من أنه كان جائعاً، لم يرغب في دخول المطبخ حتى يتحسن ويستعد. وبدا أن المسرحيات تفي طبعه وماضيه. وما يمكن أن يتحدد بأنه إخفاق أو استهتار قد سما كأنه شيء ملكي ومأساوي. ولم يستجب لندائها عامداً بل وقف هناك يتذوق الإحساس. واستطاع أن يسمع أصوات اصطكاك الخزف الصيني واحتكاك الكراسي، وأصوات أولاده الثلاثة وهم يقعدون.
وحينما دخل المطبخ أخيراً، وصل إليهم وصار بينهم مسلحاً بالشخوص الذين في كتابه المجلد، ولم يسلم على زوجته ولا على أولاده، الذين كانوا مشغولين في نقع خبزهم في الشحم واحتساء حليبهم، وكان إحساسه كمن جاء من مسافة بعيدة لا من القاعة المجاورة. وأقعد نفسه ببطء وببطء أخذ يقطع قطعة اللحم الباردة التي أبقوها له.
وقد ألف أولاده سكوته، ولم يلاحظوا أنه كان في هذا المساء مختلفاً عنه في الأمسية الأخرى. وكانت زوجته منهكة من عمل النهار، ويداها مخشوشبتين من ثياب الغسيل وظهرها الفتي محنياً ومتصلباً من تنظيف الدار الواسعة. كانوا جميعاً يأكلون بهدوء ونهم ولا يتبادلون إلا بضع كلمات. ووضع اللحم البارد في فمه وهو سارح الذهن.
سألت زوجته، «هل رأيت جايلز اليوم؟». قال: «لا، لا، كان الجو ماطراً بصورة أشد من أن تسمح لي بالخروج». وأزاح أصغر الأولاد الصحون المتسخة وجاء بالحلوى المصنوعة من الأرز والبيض والفاكهة وبالأطباق الصغيرة. وأخذت زوجته توزعها بسخاء، مقدمة إليه القشرة الأكثر اصفراراً حيث هي الجزء الذي يستلذ به أكثر من غيره.
وعندما انتهى تناول الوجبة صبت الشاي وأرسلت الأولاد الثلاثة إلى أسرتهم. وقعدا ثمة يتناولان شايهما ويصيخان السمع إلى الأولاد وهم يتشاجرون ويتضاحكون متجردين من الملابس في حجرة النوم في الطابق الثاني. قالت، «حسناً، ستراه غداً، سترى جايلز غداً، أليس كذلك؟». «أجل، سأراه إذا كان لديّ الوقت. ولكن ليست هناك عجلة. سأطوف في المكان بعض الوقت قبل أن أقوم بأية حركة».
«طيب، يبدو لي أنك كنت تطوف في المكان زمناً طويلاً. مضت الآن ستة أشهر منذ أن بعت المحل التجاري. كان الوقت صيفاً. وعشنا على ذلك المال كل الوقت وإذا استمر هذا الأمر فلن تكون لدينا أية بقية لنستثمرها». قال بعدم مبالاة، «آه، هناك وفرة من الوقت، هناك وفرة من الوقت» وغل يده في شعره القوي الفاحم ووضع مرفقيه على المائدة، ذاهلاً عن سؤالها، وحتى عن وجودها.
وتفرسته بهدوء وسأم. وفي بادئ الأمر أحنقها عدم اكتراثه. كان قد باع المحل التجاري الذي ورثه عن أبيه لتكوين المال الكافي لاستثماره في مخطط ما. وفي الأمسية الأقل عسراً، كان قد قال لها إن إمكانيات الاستثمار لا تحصى، وكان من دأبه أن يحدثها إلى ما لا نهاية عن الصناعات التي سوف يمولها بهذه المئات القليلة. والآن عندما طرحت السؤال كان غير مكترث.
ولم يكن قد رأى جايلز الذي عرض عليه أن يبيعه حصته من مخبزه بسبب الجو ومن الممكن ألا يراه في اليوم التالي بسبب الافتقار إلى الوقت. وفكرت في هذه الأمور وأحست بأن نفسها يضيق وسجيتها تثور. فقد أثار الوجه غير المبالي حالتها النفسية، وزادتها اليد التي تلعب بالملعقة المتسخة حدة. وأحست فجأة بانحناء ظهرها من جراء عمل اليوم وعمل الأيام السالفة.
سألته، «ماذا كنت تفعل اليوم؟».
«أستعد».
«كأنه لديك وقت لتقرأ من دون أن يكون لديك ما يكفي لتأكل في المنزل والشتاء آتي وليس لدينا وقود».
ولم يجبها.
«وأنا أعمل حتى تدمى يداي ويتشنّج ظهري». ورفعت أصابعها العشرة إلى ضوء المصباح لتريه براجمها الدامية وبشرتها المتغضّنة البنفسجية. قالت: «أنظر، أنظر»، بصوت مرتفع وهي تدفع بيديها إلى الأمام مع كل كلمة، «وأنت اقعد في القاعة واقرأ شكسبير.. آه، يا إلهي»، واستمرت «تشهق بالبكاء وتدفن وجهها في ديها». هل تستطيع أن تعمل مثل غيركم من البشر، ألا نستطيع أن نعيش في حدود المعقول؟ والشتاء مقبل».
وسمع توم، وهو أكبر الأبناء، صوت أمه عندما استلقى على الفراش في الطابق الثاني. ولكن ذلك لم يكن شيئاً جديداً، فقد كان الأطفال يتشاجرون باستمرار وفي مرة أو مرتين في الأسبوع كانت توقظهم الأصوات البغيضة. ووضع توم يديه على أذنيه وبرغم أنه لم يعد يستطيع أن يسمعها، فقد ظلا في ذهنه يوبّخان ويستهزئان، ذلك أن فزّاعة حبهما المضحل القبيحة هي التي كان من شأنها أن تقتل في ذاكرته إلى الأبد.
قالت: «إذاً لم تعمل شيئاً سريعاً جديداً، فسأرحل. إنني أستطيع أن أذهب وأعيش مع أخي. وهو الذي طلب إليّ ذلك». قال بمرارة: «إذن فقد قمت بالترتيبات، إذن فقد استشرت أخاك ووضعت خططك». قالت: «لا، لا، أنت لا تفهمني. أنا لا أريد أن أرحل. ولكنك جعلت الأمر لا يُحتمل. فلا طعام ولا مال، وعلينا ديون في كل مكان، ومع ذلك لا تريد أن تذهب لتعمل، ولا تريد أن تستثمر مالك».
«طيب، أنا لا أريد أن أستثمره حتى أعثر على شيء، له مردود معين». «ولكنك لا تبحث عن أي شيء. أنت لا تغادر البيت، ولن يطوف الناس حولك يتوسلون إليك أن تستثمر المئتين». قال «تلك هي البليّة، فأنت عديمة الصبر. تلك هي بلية كل شيء، فيك. إن روما لم تُبنَ في يوم واحد. ولمجرد أنني لست قاضياً، ولست تاجراً كبيراً، ولأنني لا أقدر على دهن الدار، يقول الناس إنني خائب».
«وما الذي سيعطيهم السبب في أي وقت للاعتقاد بغير ذلك»؟
قدّمت السؤال بجفاف من دون أن تكون لديها أية فكرة عن الغيظ الذي ستجلبه.
وعندما أجالت الآن نظرها في وجهه الشاحب الملوّي أحست أنه كان غريباً عنها في كل سنوات حبها.
ودق قبضته على المائدة فارتجّت الصحون وأخذ القنديل المهتزّ يرسل الدخان. وصاح: «وأنت كالآخرين، متشككة، متشككة، متشككة، سليطة اللسان، متقلّبة. أعطني الوقت لأريك. وقد كان على كل العظماء أن يتحملوا ذلك». ونهض عن المائدة وجرّ كرسيّه إلى الوراء. وكان في مقدورها في غضون ذلك أن تسمع المطر مثل حفنة من الحصى تُرمى على النافذة.
وصاح، «ولكنني في وجه كل ذلك الشك سوف أريهم». وشعر أنه مخمور بالغضب والرفعة، محنور بالتفوق. وخرج من المطبخ، وأخذ سترته وقبّعته من الخزانة التي في المدخل وخرج من المنزل إلى المطر الغزير، صافقاً الباب وراءه حتى فعقع زجاج النوافذ.
ولم تبدأ له هذه الأُنْسة بشكسبير وهو في الخامسة والأربعين من العمر. فقد قرأه أولاً عندما كان يواظب على المدرسة الابتدائية. وكانت في كتاب ممارسة الكلام العام أقوال من «لير» و«قيصر». وكان حتى في ذلك الحين شاعراً بجزالتها، وكان جزءاً من الواجب المدرسي تقديم التسميع الأسبوعي أمام الصف.
وبأخذ القارئ الصغير وملء فمه بالحصى كما كان ديموستين يقرأ، كان يسير صعوداً ونزولاً على الساحل الطويل فجزيرة الخوخ وهو يغط الأمواج. وبالحديث العام كان يقف في أعلى صفه. وكان يضج فيه على الدوام هاتف في ختام أدائه وكان المعلم يفترض أنه يدرس من أجل الكهنوت.
وفي سن السادسة عشرة أبحر إلى كلكوتا في إحدى سفن عم أبيه. وفي ذلك الحين كان يُعدّ جزءاً ضرورياً من تربية صبي في صفّه وسنّه وميله. وصار بحاراً جيداً وعمل في السفن حتى غدا ضابطاً، متقاعداً في سن الخامسة والعشرين. ولكنه كان في ذلك الحين مالك ذلك الكتاب القاتل المجلّد بقماش الكرباس. فقد رآه في حوض مخزن للكتب المستعملة في «كورن هيل» في أثناء إحدى مأذونياته.
كان ثمنه دولاراً ولكنه يستحق ذلك. فعدد الصفحات، والنقوش الفولاذية، والطلاء الذهبي وحده يستحق ذلك. وقد اشترى النسخة وأخذها معه إلى البحر في رحلته التالية. وحين فتحه من دون ثقة به قرأ إحدى المسرحيات، وهي «كوريولانوس». وفي أثناء السهرات كانت لديه وفرة من الوقت للتأمل ونفذت شخصية ذلك الأمير الغضوب والمعتزّ بنفسه بتميّز إلى ذاته.
كان متكبراً ومستبداً في كل حال ولم يُضف إليه الكتاب إلا أن زاده من ذلك. وكان من دأبه أن يترك ويمضي في سهره وكأنه سكران فعلاً. وعندما تزوج واستقر في دار أبيه الميت، أحضر معه الكتاب. وكثيراً ما ترك غير ملموس سنوات قابعاً على مائدة في البهو إلى جانب طبعة كبيرة مثله من الكتاب المقدس. ولكن عندما وُلدت ابنته أصرّ على أن يسميها عند العماد «ديدمونة». وسألته زوجته، «ولكن لماذا؟ لماذا ذلك الاسم؟ من أين أتى؟ أمن الكتاب المقدس؟».
أجابها، «لا، كانت زوجة عطيل المغربي. قتلها عطيل خنقاً. وهي شخصية في إحدى مسرحيات شكسبير».
«ولكن لماذا تسميها به؟ لماذا تسميها باسم من قُتلت مخنوقة؟»
ونظرت إليه زوجته بفضول وهزّت رأسها. وكانت تعرف أنه لا يمكن تغيير رأيه. فهو لن يغيّره. وكانت تعرف كذلك أنه ليس في مُكنتها أن تضغط عليه ليزيد تفسيره لاختياره. فلم يكن من دأبه إلا أن يزيد سكوته. وكان يتصرف بالطريقة نفسها عندما تجده متسكعاً على غير هدى في الشرفة وتسأله ماذا يفعل أو فيم يفكر وهو يتفحص الأشجار وكأن في مقدوره أن يقرأ شيئاً فلي ذلك الضياء الصريح في الغرب.
وقد أُطلق على الطفل الثاني، وهو ولد، اسم مقنع، ولكن ابنهما الثالث قد استدعى تلك الرغبة الخطرة التي لا يمكن تعليلها في تسمية الأطفال على أسماء شخصيات شكسبير. وفكرت أن من شأن «لير» أو «هنري» أن يكون لأبأس به، ولكن «كوريولانوس» شيء زايد عن الحد. سألته، «من كان كوريولانوس» فأجابها ببضع كلمات جافة. ولم تفهم لماذا يجب أن يسمى ابنهما على اسم من كان كبرياؤه يعادل الماقة. وعلاوة فقد كان الاسم أثقل من أن يحمله أي شخص في طفولته. ووضعت حداً لذلك فسمي الطفل في آخر الأمر وليم. وبرغم ذلك كان اسمه الأوسط كوريولانوس.
ثم سار كل شيء بعد ذلك بسلاسة وكاد ينسى الكتاب حتى اشترى في عامه الخامس والأربعين مخزن أبيه الشراعي. ولم تكن تعرف حقاً هل كان شكسبير مسؤولاً عن هذه الخطوة، كما أصرّت على هذه الفكرة ذات مساء. وقد قال لها، إنه اشتراه لأنه فضلاً عن انه يدّر عليهم دخلاً صغيراً يعوَّل عليه، لم يكن في المحل التجاري عنصر المخاطرة، فلم تكن ثمة إمكانية أن يؤول المحل إلى الخراب المطلق أو إلى الازدياد.
ولذلك اشتراه وفي أَمْسية الخريف الطويلة في المطبخ كان يتحدث عن إمكانيات استثمار رأس المال. فهو يمكن ان يفتتح مخزناً في القرية، أو أن يشتري مزرعة أو حصة من مخبز جايلز حيث كانوا يصنعون فيه بسكويت الطيارين للطائرات المغادرة. ولكن مضى شهر بعد شهر ولم يستثمره في شيء. وكانت تأتي إليه كل أسبوع تطلب المال لشراء الطعام ولوازم البيت.
وكان يأتي إلى البيت كل أسبوع من الحانة وكانت تسمع، وهي مستلقية يقظى على السرير، صوت قدميه المترجرجتين على الدرج وصوته العميق المبتهج. وأمس كان الجو ماطراً فخيل بينه وبين الخروج ويمكن ألا يكون لديه الوقت في اليوم التالي. وفكرتْ وهي قاعدة في المطبخ، ماذا عليه أن يفعل غير ذلك، بعد أن صفق الباب وغادر المنزل؟ إنه إلى الآن لم يفعل شيئاً غير القراءة والتسكعّ والسير مسافات طويلة إلى «جزيرة الخوخ» وفي الريف خلف القرية.
إنه لو كان قد وُلد قبل خمسين سنة لكان بالإمكان أن يغدو بيوريتانيا متعصباً أو لو عاش في الحاضر لكان بالإمكان أن يصير سياسياً متحمساً. وكنت قد رأيت ملامح غاضبة مثل تلك الملامح في الصورة القصديرية على وجه الإنجيلي المتعصب، تحيط به زوجته وطفله المتهيّبان، وهو يدعو عابر السبيل غير المكترث إلى الله في عتمة «ميدان الاتحاد». وأتخيل أنه كان يبدو مثل ذلك كثيراً. الحلّة القاتمة التي نفضت الأيام زئيرها، واليدان الضخمتان، يدا بحار تظهران من الكمّين. ومع ذلك فإن لحظات الافتتان وسرعة التصديق من شأنها أن تكذّب هذه الصورة.
وعندما يعمل كان يعمل باندفاع شديد فوق الحد. وقد تودّد إلى زوجته بما يشبه ذلك. كان يذهب إليها ليلة بعد ليلة وفي النهاية فاز بها عملياً، على أن الأمور قد تغيّرت، وكثيراً ما كانت زوجته تفكر في ذلك، ومنذ تلك السنوات كانت تغيّرات لم تتوقعها، ولم تتأهّب لها. وفي كل شيء، كانت هجماته شديدة ولكنها مختصرة. وفي غضون بضع سنوات تلاشى الحب بينهما. والآن لا يجمع بينهما إلا رباط العادة المصوَّح الذي لا لون له. وفي كل أزمة بينهما كان لديه على رأس لسانه استشهاد بشكسبير طبق المرام. وكانت تعتقد في بعض الأحيان أنها ستُجنّ وهي تراه واقفاً في منتصف أرض المطبخ قائلاً لها إن صفة الرحمة ليست متكلفة.
والزمن وئيد الخطى ومُجهد وقد بدأت السنوات القاسية ترغم يده، ترغمه على أن يدفع، دولارا في إثر دولار، ثمناً لكل خيبة من خيباته. حسناً، لقد كان خائبا. وإذا كان له أن ينظر في ماضيه فإنه سيري نفسه، من الملاح إلى مدير المخزن الشراعي، وبوصفه عاشقاً وأباً، كيف وعدته لجاجته الطفلية مخادعة إياه ثم أوصلته إلى الخزي مرة إثر مرة. ولم يمنحه الزمن زيادة إلا في الوعي الكامن لهذا الأمر. ولكنه أبي أن يعترف بذلك لنفسه. ومازالت اللجاجة تُعده ومازال يتبعها. كان خائباً في أعين ميناء نيوبيري ولكنه بدلا من الإقرار بذلك كان يسفّه مجموعة قيم ميناء نيوبيري.
وكان في طبعه قدر كبير من المتحمس. وإنك لن تفكر في أن تتحدث إليه بالمصادفة في إحدى القاعات أكثر من أن تفكر في التحدث إلى متعصب ديني أو سياسي. وستنبّهك ملامحه أن تبتعد عنه. ولعلك تتوقع أن يستشهد بالمزامير أو أن يفسر في ذلك اللقاء، أن معاناة البشرية قاطبة إنما هي عقاب على معاملتنا للعبيد السود.
وكانت إحدى أشقى مراحل تطوره أنه لم يكن يوجد لديه في ذلك الحين إيمان، ديني أو سياسي من شأنه أن يوظف طاقته ويقنعه أنه مخلص موعود يحمل الكلمة ـ فقد كان هذا الإيمان من شأنه ان يجعل هذا الأمر أيسر على كل شخص.
وكان كالكثير من رجال هذا النوع منعزلاً وشبقاً. وحتى في السنوات التي حافظ فيها هو وزوجته على غبطتهما أطول مدة، كان يشعر بذلك الإحساس المبرّح بالمجهولية والعزلة وعدم اليقين وهو في مدخل البناية المظلم أو منعطف الدرج. وكان من العبث اللواذ بكل الممتلكات والمنجزات والخبرات ضد تلك الهجمات. فكانت تتركه مرتجفاً ومصاباً بالغثيان. وبدلاً من تفسيرها بالحساسية، كان يقرأ شكسبير. وكانت أية تجربة اذا كانت جليلة فهي لا تطاق. وكان شكسبير وسيلة لبلوغ الجلال. وكان ذلك بمثابة الإيمان.
والأعوام الثمانية في البحر قد علّمته السكوت، علّمته أن يعيش من دون إيمان إزاء الخطر المستمر. وعندما تخلى عن الملاحة وعاد ليعيش في بيت أبيه كان منساقاً إلى البواطن، عاجزاً عن فهم مسؤوليته عن الناس الآخرين. لم تكن لديه فكرة عن معنى الحقيقة النسبية. وكان في مقدوره أن يعد الوعود المرتجلة التي تعادل الأكاذيب ولكنه كان عاجزاً عن إيفاء هذه الوعود. ولم يكن لديه أي إحساس بالقيمة النسبية للمال.
وقد أفضت به كل هذه الصفات الشخصية إلى أسلوب معوجّ يتراجع عن وعوده وأجبرتها أشهر البطالة التي تلت تصرفه بالمخزن التجاري على الوصول إلى الأزمة. وإذ وجد في حوذته وقتاً غير محدود، عاد إلى كتبه واستأنف نزهاته على القدمين.
ودان بالمال لكل جزار وبقال في القرية وعندما كان يسير في الشارع الرئيسي كان يشعر أن أعينهم كانت ثابتة على ظهره. وكان شاعراً كذلك أنه في أعينهم خائب، كسيح، لا قرار له. ولكي يقاوم مفعول الشك كان يقرأ في كل وجه، ويزرج عدم الاكتراث بآرائهم. كانوا الرعاع. كانوا أعداء الدين. وكان هؤلاء هم الذين أرادوا البرهان بلمس جروح كوريولانوس وسيطر عليهم انطونيو. ووهم العظمة هو التعويض بلا استثناء عن الشك والاضطهاد.
وفي أثناء ذلك الخريف كان يتمشى على الشط في «جزيرة الخوخ»، ويتمشى في المزرعة المجاورة ويمضي الساعات متسكعاً على غير هدى في غرفة الاستقبال أو رواق المطبخ. وكان إذا سأل نفسه عن تبرير تلك الساعات أجاب من دون تحديد أي شيء. كان ذلك ممارسة لما يعده رؤيته الثاقبة. فإذا لمع من خلال ذلك باطل كل حادثة درس الذكر والجمجمة. وكان يرى في عزلته عزلة العظماء كافة.
وكان من دأبه في بعض الأحيان ان ينهض عن مائدة العشاء من دون أي تفسير ويسير إلى الحديقة وكأن ذلك السياج والنور المشجر كانا صيحة لا مراء فيها تناديه. كان يتابع شيئاً ما، ما هو ليس يدري. وأعطته البطالة كل ما يحتاج إليه من أجل هذه المتابعة. وفكر، لقد كان الأمر الذي استهوى ماكبث وهاملت وكوريولانوس وأساء سمعتهم، الأمر نفسه.. كان كأنه يحمل صورة في قلبه، وكان مرغماً على أن يبحث عن شبهها بهذه الشوارع المخددة.
ولم يستثمر ما له بعد. وكما صور له وهمه، فقد بدت فكرة الدخول في المخبز دنيئة وحمقاء. ثم خطر له ذات مساء أنهم قد يشهرون مطالبتهم بالأرض في «أوهيو» أو «أورغون». واستمعت إليه زوجته ممسكة عن تصديقه كأنها تكلم مجنوناً. ورفضت ذلك بصورة قاطعة. ونجم عن ذلك شجار وأيقظت أصواتهما ابنهما الأكبر، الذي لم يستطع بعد ذلك أن يذهب إلى النوم من جديد. ولم يعرف لماذا ـ كان في ذلك الحين لا يتجاوز الثلاث عشرة سنة ولكنه أحس كأن أصواتهما القصيرة قد أعطته ألماً جسمياً.
وكان رد فعل زوجته على كل هذه التعقيدات هو الحسد. ولم يكلمها عن هذه الأمور لأنه شعر أنها لن تفهمه. ولأنهما كانا وحدة لا تقبل التجزئة. كانت تجسده على تفكيره. ولم تكن تفهم عاشقها فهماً كاملاً وعندما كبرت في السن وجدت ان الفهم القليل الذي حققته كان يتضاءل. وقالت لإحدى صديقاتها، «لقد تزوجت مجنوناً، وفي الليلة الماضية في منتصف العشاء نهض وخرج من المنزل. لحقت به فوجدته في أسفل الحديقة، مرفوع الرأس كأنه كان يستمع إلى أصوات. وعندما رآني أتجسس عليه كان يضربني. انه مجنون» وشهقت بالبكاء، «هذا هو.».
وأدت مسرحيات شكسبير دوراً مهماً في هذه التطورات. وكانت هذه المسرحيات هي الأولى التي فاجأت تصوره للعظمة الذي هدأ الخوف والاضطهاد. وكان قد استمد منها ذلك التصور الملكي الهدام عن نفسه. ولم تكد زوجته تعرف ماذا يحتوي الكتاب وكانت من ثم عاجزة عن أن توجه إليه اللوم الذي يستحقه.
ولكنها وجدته ذات مساء يقرأ، في مساء كان يوترها العمل اليومي، فخطفت الكتاب من يديه وهو قاعد في البهو ورمته في الموقد حيث كانت حطبات عدة تحترق احتراقاً بطيئاً من دون لهب. فضربها على طرف وجهها فترنحت مدفوعة إلى الجدار. وانتشل الكتاب من النار. وتذكرت أن جلد الكتاب قد ظل محترقاً قليلاً ومسوداً في عدة مواضع. وتناول قبعته ومعطفه وخرج من البيت يحمل الكتاب تحت ذراعه.
وكانت تقف مرتجفة بجانب الجدار وفكرت هنيهة ان تخرج في الليل وتقول له إنه من الحماقة ان يتشاجرا حول رجل اسمه شكسبير قد مات منذ قرون. وصعدت إلى الدور العلوي وإذ أيقظت ابنها الأكبر قبلته بعاطفية وتوسلت إلهي ألا ينساها، ألا ينساها.
كانت ليلة باردة صاحية من ليالي تشرين الثاني، وكانت الشوارع مهجورة والدور مظلمة، وكان الزقاق مغطى بالأوراق المتساقطة وأشجار الدردار جرداء، تتلمس اتجاه السماء كالأيدي. وقد ذهب إلي حانة كارتر في الشارع الرئيس وشرب زجاجة من «الرم» ثم تناول ثانية وثالثة. ولم يعد في ذهنه أي مجال للتحفظ الواهي. وشع أن عقله يميد بالاعتزاز الشامخ و «الرم» والسخط.
وكانت تخدمه فتاة الحانة القذرة، وهي شابة في زهاء الثلاثين من العمر، نحيفة ذات مشية طويلة ومشوشة. وكان شعرها سبطا وقاتما وعلى وجهها الشاحب تتدلى جديلة فالتة. وكان ذقنها مكتنزا وشهوانيا، وكانت شفتاها نديتين ومجذوبتين عند طرفيهما إلى الأسفل. وكان يلحظها من قبل ولكن ليس بهذه الصورة، ومن دون رغبة، وبدا أنها تتهكمه بمشيتها الفالتة. وعندما وضعت الزجاجة على دفة الحانة أخذ يدها فتركته يمسك بها إلى أن بدأ أحد الزبائن يشير باصبعه إلى قدحه ويطلب الخدمة. وراقبها بتشوق وهي تسير مبتعدة، تدفع شعرها عن جبهتها.
وشعر أنه قد عثر على ذاته حقا في حبه لها. كان شيئا من الظمأ إلى السف، وإلى السلوك، شيئا من الهروب من مشهد إخفاقه المتواصل الكاوي، وعندما أغلقت الحانة صادفها في الخارج ولحق بها إلى البيت بالقرب من جانب المدينة المواجه للبحر حيث كانت تسكن، وكان الدرج ملتويا وغير مضاء وكانت تسكن في غرفة في أعلى البناء، وفي أثناء الليل كانوا يسمعون ضجيج العوامات، يهزهزها القنال، وعند الفسق سار إلى البيت، يتأبط نسخة كتاب شكسبير.
وبعد ظهيرة اليوم التالي اكتشفت زوجته ذلك الأمر. فكان ميناء نيوبيري صغيراً بعد. وكان أحدهم قد رأه خارجا من المنزل وأبر غيره بذلك قال الجار، «أعتقد أنك يجب ان تعرف، إنه لصعب عليّ ان أخبرك ولكنك يجب ان تعرف» وعندما وصل البناء إلى زوجته لم تبك، وبدلا من أن تشعر بالعجز شعرت بالقوة، ورأت بربطة جأش أنه لم يعد إصلاح العلاقات بينهما مقدوراً عليه،ورأت أن كل جهودها المخلصة في الماضي ميؤس منها وحمقاء، وهي لا تزال شابة إلى حد يكفي لتبدأ من جديد، وستصطحب أولادها، وتذهب إلى البلدة وتعيش مع أخيها، وستفتح نزلاً، وفي أوان ما بعد الظهيرة من ذلك اليوم كتبت رسالة إلى أخيها وأرسلتها بالبريد تنبئه فيها بقرارها.
وعندما عاد إلى البيت في تلك الليلة لقيته في المطبخ، وقرأ في وجهها المعرفة ورأت في وجهه الذنب الذي لا يخفى. ولم يكن ثمة ارتباك، ولكنه رفض مجددا أن يعترف بالأمر ولو سألته لأنكر كل الوقائع إنكاراً قاطعا، صارفا إياها عن ذهنه قليلا بإيماء من يديه كما يصرف بهتان الوثنيين وحسدهم، وحاول بالكلان ان يتملص من المشهد الذي كان لا مناص منه.
وبدأ بقوله، «أنت تعلمين أنني كنت أتحدث مع أبوت منذ قليل عن الذهاب إلى الغرب، وأعلم أنك لا تحبين الفكرة ولكنك قد تغيرين وجهة نظرك، ولا شك أننا لا نعرف شيئا عن الزراعة ولكنها لا يمكن أن تكون بالغة الصعوبة. فما نحتاج إيه هو البداية الجديدة. ذلك ما نحتاجه جميعا. لقد عشنا في هذه البلدة الصغيرة زمنا طويلا. ونحن جميعا بحاجة إلى ...».
وقالت مقاطعة كلامه، «في الأسبوع المقبل، سآخذ الأطفال وأذهب إلى المدينة لأعيش مع أخي، واستدارت وسارت صوب فرن الغاز، وخرج من المطبخ من دون أن ينبس بكلمة. وصعد إلى الدور العلوي نحو العلية وأنزل الصندوق الصغير الذي كان قد أخذه معه في أول رحلة إلى كلكوتا، وحزم فيه حلة من الثياب وبعض الأحذية والألبسة الكتانية ونسخة كتاب شكسبير. وسمعته ينزل من الدرج وعرفت أنه كان يحمل صندوقا بسبب مشيته الشاقة المضطربة. وخرج من المنزل من دون ان يقول شيئا وسمعت إغلاق الباب.
لا أحد يعلم أين أو كيف أمضي تلك الليلة، وفي اليوم التالي ذهب بعد الظهر بالقطار إلى المدينة وفي الليلة التالية كان في حانة «دار راندوولف» القديمة، يطلب «الروم» ويشرب مثل لورد. وإذ أحس بالدفء برز لذهنه الأمير هاملت، ولير، وكوريو لانوس، لأنه مثلهم قد ساقه حلم الكبرياء ولم يخضع له من دون مبالاة إلا ليلقى نهاية وضيعة.
ولاح وهو واقف عند دفة الحانة أكبر سنا من خمس وأربعين بكثير. لقد نحل في الأشهر الستة وصارت ملابسه الصدئة تتدلى فضفاضة فوق أطرافه، وكان شعره شائبا وفي وجهه الأعجف صغر الموت. وبدا مثل عجوز لا معين له يعاني من صبية ذات مكائد.
وبعدئذ غادر في ذلك المساء الحانة وخرج إلى الشارع يبحث عن امرأة ما، وكان أشد ثملا من أن ينجح. واصطدم بأعمدة قناديل الشارع والجدران، ثم تلمس طريقه عائدا إلى «دار راندولف» ولكنه حين وصل إليها كانت الحانة مغلقة، وارتفع السخط في ذهنه، ودق بقبضته الباب الذي أحكم إغلاقه بالرتاج وشأن ماكبث راح يبكي حتى أشرف على الموت ونام من الإعياء وجاء عتال هرم نعسان يفرك عينيه وطالبه أن يرحل إلى جنهم، ودق الباق مرة أخرى ولكن ما من جواب، ولا شيء إلا الصمت المطبق. وعلى البعد قعقعة مجنونة لعربة ما.
وبوسعي أن أراه وأنا أكتب هذه القصة في الغرفة المفروشة في مدينة أجنبية. أراه متعثراً في مشيته على ممرات المشاة الملتوية، يتمتم وهو يتعثر بسطر من «تيمون الأثيني» حول كيف يحكم الناس إغلاق أبوابهم في وجه شمس غاربة.
جون شيفر
ولد الأديب الأميركي جون شيفر في 27 مايو 1912 في كوينسي، وهو كاتب قصة قصيرة وروائي، لقب بتشيخوف الضواحي لتمحور معظم أعماله حول الخواء الروحي والعاطفي في الحياة وازدواجية الإنسان، كما تميز بنقده وسخريته من الطبقة الوسطي. نشر أول مجلد قصص قصيرة «طريقة بعض الناس في العيش» عام 1943، وحقق له كتابه الثاني «المذياع الضخم وقصص أخرى» الذي نشر عام 1953 الشهرة والنجاح. وحاز على جائزة ناشيونال بوك عن روايته الأولى «تزامن وابسشوت» عام 1957. توفي شيفر بالسرطان في 18 يونيو 1982 وعمله الأخير «يا له من فردوس كما يبدو» نشر بعد وفاته.
محمود منقذ الهاشمي
ناقد ومترجم سوري ولد في حلب عام 1945 يكتب النقد والبحث ويهتم بالترجمة من إعماله: الرؤية النقدية، رواية المستقبل، جنازة الأم العظيمة.
قصة: جون تشيفر
ترجمة: محمود منقذ الهاشمي