تحيلنا الريشة إلى الجناح، والجناح إلى الحركة الدائمة، فلا تحديد للاتجاه! الطائر موهوب للريشة، وليس العكس. التعريف المنطقي مازال يؤخذ به: الطائر حيوان ذو ريش، ليكون الدمج بين ما لا يمكن اعتباره طائراً حقاً، للاريشيَّته، أي الخفاش، وما هو سيد الطير: النسر، وما هو خرافي: الرخ، والملهِم للأدباء والفنانين وسواهم: الفينيكس، أو العنقاء

الدمج بين الذي يحلق عالياً في الفضاء: النسر وسواه، وما لا يحسن الطيران: النعامة وغيرها، ولندرج هنا أهل العرفان: عبر طائرهم المميَّز: الباز. فالريش هنا أنساب وألقاب وأعراف مختلَف عليها. إنما المؤكَّد، هو أن الطائر مأخوذ بريشه، الريشة تحمل طائرها، تمتلك مزايا، ربما لا تمتلكها سواها، لحظة المقارنة بين كائنات الأرض، في ربطها بين بيئات مختلفة، عبر النعامة والبطريق.

الريشة تمثل صلة القربى فيما بينها، فهي إذاً عرابة المسافات والبيئات المختلفة. الريشة ذاكرة تمتد بين الأسطوري والخرافي والواقعي والرمزي والمقدس (الريشة اُعتبِرِت لدى المصريين القدماء رمزاً للدقة، وعياراً للموازين، لوزن الأرواح، وكانت علامة موسيقية أساسية للناي، وتسمى «ماعت»، فهي هنا علامة كونية متميزة إذاً.

إن الريشة المتميزة بالخفة والمرونة الهائلتين، تصعد بنا نحو أكثر الآفاق رحابة. إنها أفق للنهر، في تركيبها. في وضعيتها هذه، تقود الذاكرة اللحمية ذاتها، إلى خارج الحسي، باستشراف ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، جمعاً ومواءمة بين الكتابة والرسم! الخط العربي كتابة ورسم، بين شعائرية النقش والوشم، ومآثر الموسوم في التنوع الخطي، ولا نهائية الانتشار اللوني. الريشة أداة كتابة (ريشة القلم تشهد)، وأداة رئيسة في الإبداع الفني، وفي التخطيط. إن الأقلام باختلاف أسمائها، ترتد إليها نسَبَاً. يلتقي فيها السلف بالخلف.

ففيها تاريخ حافل بالتحولات الكونية، خلَل المصاهرة بين المرئي واللا مرئي. في هذا التسلسل بين الأدنى والأقصى اعتباراً، من جهة مآثر الكتابة والفن، كما هي الأنساب الفرعية للطير: مائيَّها وأرضيها، وبرمائيها وفضائيها، خرافيها وواقعيها، طفيليها وحقيقيها، وضيعها وبديعها، وسلسلة متوسطاتها، تكمن الذائقة الريشية معايشة.

لكأننا منذورون للريشة، في مهبّها، مأخوذون بها دلالةً، فهي المعادل الفعلي لما نقول ونكتب، باعتبارنا طيريين، ضمناً،، إن جاز التعبير، أي ريشيون، كما يدرك ذلك صاحب (منطق الطير) المتصوف، وليس المتريش، في جلي منه، إلا إحالة إلى الريش الناعم والوثير. ليس النافذ بجلده، أو الصاعد بروحه نحو الأسمى، إلا المتحرك في إهاب مرونة، تتمثلها الريشة.

الريشة: أفق للنهر، والنهر أكثر من خط طولي، من عمقه. الأهم، فيما يستثيره أدائياً، ما يتراءى تخيلياً في الفضاء، النهر ذاته ريشة أسطورية، في انسيابيته، في قدرته على النفاذ والتحرك في الجهات كافة، فهو ارتعاشة مستمرة للمجهول في قلب المعلوم في نذره اليسير، النهر ريشة، حيث الأرض قرطاسها المنبسط، وفي الريشة تتلاقى أعماقنا وآفاقنا، وما أقل الأقل اكتشافاً فيها: فينا!

حتى نعومة العشب، غضاضة النبات، طراوته، يمكن ربطها بالريشة، لكأننا نضم داخلنا كل مخلوقات الأرض، وما هو مبتدَعٌ: مسرد غرائبنا وعجائبنا. الريشة أفق نهري، يتيح النظر في ظاهره، إمعاناً في باطنه المبهر، لاكتناه ما نبتغيه، وما أكثره، في اجتلاء الحكمة الكامنة، وهي في لا تناهيها صغراً، وما يمكن الانطلاق منه، أو البدء به، والعود المستمر إليه، لمكاشفة المزيد. ليس معتبَراً، إذاً، من لا يريد التعرف باسمها، من لا يشتهي أن تكون (على رأسه ريشة)، ليكون التنويع الهائل والمتواصل بين صنوف المادي، وجموع المعنوي.

وحده منتوف الريش، يكون خارج دائرة التاريخ، الأضواء، الاعتبارات الكبرى في مقام الذات، وفعاليتها، منجرفاً في نهر الزمن. وحده النجم الصاعد باسمه في سماء التاريخ، عندما يومض بروحه، كما لو أن حزماً ريشية تكلله، في اندفاعاتها الضوئية المشعة!

إبراهيم محمود