تحولت أنظار المثقفين والأدباء والفنانين والمعماريين في جميع أنحاء العالم؛ إلى أبو ظبي بعد إطلاقها مشاريع إبداعية عملاقة في مضمار الفن والثقافة وما يندرج تحت ظلهما من فن معماري يرتقى بالإمارة لتصبح أيقونة الدنيا وعاصمة عالمية للثقافة والفنون في شتى المجالات.

فلا يكاد يمر يوم إلا وأخبار مشاريع المتاحف ودور الفنون والمسارح التي يجري تنفيذها في المنطقة الثقافية بجزيرة السعديات -التابعة لأبوظبي ـ تملأ الدنيا من أقصاها إلى أقصاها، ولعل من أبرز ملامح هذه المشاريع الثقافية والفنية العملاقة هو «متحف لوفر أبوظبي» الذي يشكّل طفرة ثقافية كبرى ـ ليس لأبوظبي وحسب، بل للعالم العربي والشرق بصورة عامة. ان أبوظبي التي تكاد تدخل مرحلة جديدة في تطورها المعماري والفني فكأنها بذلك تمهد لولادة جديدة تكرسها وبامتياز كواحدة من أجمل العواصم في العالم وهي اختطت لنفسها بذلك مسار الإبداع والثقافة وهو من أصعب المسارات ولكنه من أفضلها لأنه يكرسها مدينة راسخة في الوجدان التاريخي مهما تعددت التقلبات والمتغيرات ومهما اشتدت لهذا سنحاول في جولتنا على هذه الأعمال المهمة قراءة هذه المشاريع الثقافية والفنية ورسم صورة عن قرب من خلال معطيات التصميم والمعلومات وآراء المعماريين الذين صمموا هذه المتاحف والمراكز الفنية.

تعود حكاية الشروع بتأسيس «لوفر أبوظبي»، إلى عام 2005م حين زار الشيخ سلطان بن طحنون آل نهيان متحف اللوفر الفرنسي الشهير وأبدى رغبة بتوقيع عقد شراكة تعتمد البناء المتوقع لمتحف في أبوظبي، وتم توقيع العقد بين حكومة فرنسا ودولة الإمارات في مارس من عام 2007 لإقامة متحف «لوفر أبوظبي». ومن المتوقع أن يتم افتتاحه عام 2012، أما مصمم المتحف فهو المعماري الفرنسي الشهير جان نوفيل، وتشرف « الوكالة العالمية للمتاحف الفرنسية»، على مراحل التنفيذ والإدارة لمشروع المتحف وبموجب الاتفاقية المبرمة بين الطرف الفرنسي والطرف الإماراتي يسمح للإمارات باستخدام اسم اللوفر لمدة 30 سنة هي مدة العقد المبرم.

وابتداءً من افتتاح المتحف رسمياً ـ ولمدة عشر سنوات ـ سيقدم «لوفر أبوظبي» أعمالاً من مجموعات فرنسية خاصة باللوفر الباريسي، وذات جودة وقيمة فنية عالية، بشكل استعارتها لمدة تتراوح من ستة شهور إلى سنتين، ابتداءً من 300 عمل، يتقلّص عدد الأعمال المُعارة إلى 250 بعد أربع سنوات فيصبح 200 بعد سبع سنوات.

تبلغ قيمة الاتفاقية 1 مليار يورو على مدى ثلاثين عاما، يذهب منها 450 مليون يورو إلى اللوفر الباريسي ـ 150 مليون يورو مباشرة بعد توقيع الاتفاقية و550 مليون يورو لوكالة المتاحف الفرنسية لنقل الأعمال الفنية وللمعارض المؤقّتة، بينما تخصص أبوظبي ميزانية سنوية يبلغ حجمها 40 مليون يورو من أجل مواصلة تكوين مجموعتها الخاصّة، علاوة على ذلك، وافقت أبوظبي التبرّع إلى اللّوفر بمبلغ 25 مليون يورو من أجل تجديد جناح من «بافيّون دي فلور».

وسيتمّ افتتاح دور العرض -الجاليريهات ـ في مراحل متلاحقة، وستترك دور العرض هذا المجال لمواجهات بين الأعمال الفنية من مختلف المراحل الزمنية والمناطق الجغرافية، من أجل الحوار بين الثقافات في مجال الفن، كما سيضمّ المتحف قاعة محاضرات - مدرّج ـ ومركزا تربويّا ومركزا للمصادر العلمية والأبحاث ومساحات تعليمية للكبار والأطفال، واستوديوهات لحِفظ وترميم الأعمال الفنية ومقهى ومطعم.

من أبرز المحطات المعمارية في حياة المصمم جان نوفيل، هي تصميمه لمبنى الأوبرا في ليون ومقر شركة «كارتييه» العالمية، ومبنى «معهد العالم العربي» في باريس وعشرات من الإنجازات، عن الفلسفة المعمارية لمتحف «لوفر أبوظبي» يقول مصممه الشهير جان نوفيل: غطّينا الموقع بقبة ضخمة، وهو شكل مألوف في جميع الحضارات، مصنوعة من شبكة من النقوش المختلفة المتشابكة لتكوّن سقفا شفّافا، تسمح القبة بمرور نور ساحر متشتت إلى الفراغ كما في العمارة العربية التقليدية العظيمة.

متحف «جوجنهايم» و«براجيل» الخليج

ربما طغى اسم متحف اللوفر في فرعه الظبياني على بقية المشاريع الفنية والثقافية التي ستقام على أرض جزيرة السعديات بسبب الشهرة العالمية لهذا الاسم الباريسي، ولو أردنا أن نشير إلى المتحف الآخر فأنه لا يقل أهمية من حيث الشهرة ويشكل قيمة فنية أكبر من نظيره الباريسي بحسب التقييم الفني الحديث، وهو متحف «جوجنهايم» للفن الحديث والمعاصر في السعديات، وسيكون تركيز مجموعات ومعارض هذا المتحف على الفن الحديث والمعاصر منذ الحرب العالمية الثانية.

وستكون الأعمال الفنية المعروضة فيه على قسمين؛ الأول مجموعة عرض فنية خاصة بهذا الفرع الإماراتي لمتحف «جوجنهايم»، أما القسم الآخر من الأعمال الفنية فهو مجموعات منتقاة من أجمل الأعمال الفنية التي تقتنيها مؤسسة «جوجنهايم» العالمية، وسيضمّ المتحف صالات عرض للمجموعات الدائمة وصالات للمعارض الخاصّة وقسما للهندسة المعمارية والتصميم ومركزا للفن والتكنولوجيا ومرافق تعليميّة للأطفال وأرشيف ومكتبة ومركز أبحاث ومختبرا حديثا جدا لحفظ وترميم الأعمال الفنية.

بدأ التخطيط لإقامة هذا المتحف منذ سنوات؛ تكللت في الثامن من يوليو 2006 بالتوقيع على مذكرة تفاهم بين أبوظبي ومؤسسة «جوجنهايم» ومقرها نيويورك لتأسيس متحف عالمي المستوى مخصص للفن الحديث والمعاصر، وسيدعى «جوجنهايم أبو ظبي ـ اء»، ومن المتوقع أن ينتهي بناء المتحف في غضون خمس سنوات.

وفي نوفمبر 2007 وقعت شركة التطوير والاستثمار السياحي التابعة لإمارة أبوظبي مع مؤسسة «جوجنهايم» هيكلية عمل للإشراف على تصميم وتنفيذ وإدارة المتحف، وحرصاً من إمارة أبو ظبي على أهمية اليد والعقل المواطن في جميع مراحل التصميم والتنفيذ والإشراف، فقد قضت هذه الهيكلية على اشتراك عشرات المواطنين من ذوي الخبرة في جميع هذه المراحل، كما تم الإعداد لتنفيذ برامج مكثفة لتدريب مواطنين إماراتيين في مجال الفنون المعاصرة وإدارة المتاحف.

صمم متحف «جوجنهايم» أبوظبي المعماري العالمي فرانك جيري، والناظر لهذا التصميم يشده اليه العمل الفني الذي يوحي بماهية المكان وما يحتويه، فالأشكال المخروطية التي تؤلف بناية المتحف في جميع أقسامه؛ مستوحاة ـ بحسب المعماري «جيري» من العمارة التقليدية في منطقة الخليج، وهو يذكّر بصورة خاصة بأبراج «البراجيل» التقليدية التي تعمل على تبريد الهواء.

وفي هذا الصدد يقول: « في بعض الحالات، تُستخدم الأشكال المخروطية كأجنحة للمداخل؛ مدخل رئيسي للمتحف، ومدخل على شكل زورق، وممرّات تحتمل المشاهد الطبيعية للصحراء، واستعمال التهوية الطبيعيّة أمر مستوحى من المعمار التاريخي في منطقة الخليج على مدى أجيال وأجيال عديدة».

متحف الشيخ زايد الوطني

يصنف متحف الشيخ زايد الوطني بأنه المتحف الذي سيكون تكريما لذكرى المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، ورئيس دولة الإمارات العربية المتحدة ومؤسس الدولة الحديثة وصاحب الرؤية الحكيمة في تطورها ونهضتها.

ينقسم المتحف إلى خمس قاعات رئيسية تعرض لجوانب من تراث الإمارات والتحول الذي طرأ فيها، إضافة إلى مراكز تعليمية وصالة مسرح ومحلات تجارية وصالات ترفيهية للزائرين، وقد شارك في التنافس على تصميم وتنفيذ المتحف 12 مكتباً معمارياً من أشهر المكاتب من 10 دول، لم يُعلن -حتى الآن ـ عن الجهة التي حظيت بهذا الشرف، وقد خصصت إمارة أبوظبي لهذا المتحف 12000 متر مربع في جزيرة السعديات.

دار المسارح والفنون

الصرح الثقافي الآخر في مجموعة صروح المنطقة الثقافية في جزيرة السعديات في أبو ظبي هو «دار المسارح والفنون» الذي يحارُ المرء حين يكتب عنه؛ أيكتب عن مصممته المهندسة العراقية زهاء حديد ـ الحائزة على وسام الإمبراطورية البريطانية ـ التي اعتبرها معماريو العالم « مايكل أنجلو الألفية الثالثة» أم يكتب عن التصميم الرائع الذي يبدو كسفينة فضائية تنبض بالحياة قدمت من المجهول اللامكاني في الكون الواسع.

ويتكون المبنى الرئيسي لهذه الدار ـ ذات التصميم العضوي بحسب المصطلحات المعمارية ـ من خمس صالات للحفلات الموسيقية وداراً للأوبرا وقاعة للموسيقى ومسرح كلاسيكي وآخر تجريبي يبلغ مجموع مقاعده 6300 مقعد، كما ستضم الدار أكاديمية للفنون الأدائية، ويبلغ ارتفاع المبنى 62 متراً.

في بيانها التعريفي عن تصميمها لدار المسارح والفنون؛ تقول المعمارية الشهيرة زهاء حديد: المحور لمنطقة أبوظبي الثقافيّة هو ممر للمشاة يمتد من متحف الشيخ زايد الوطني نحو البحر، ينطلق الشكل النحتيّ لدار المسارح والفنون من هذه الحركة الخطيّة، وتتطوّر تدريجيّا لتصبح كائنا عضويّا تنبثق عنه فروع متتالية، والمشروع يمتدّ في الموقع، يزداد تصميمه تعقيدا، ويزداد ارتفاعا وعمقا ويحقق عددا من القِمم في أجسام تحتوي مساحات العروض الأدائيّة، التي تنطلق من هياكل مثل عناقيد الفاكهة وتتجه نحو الغرب، نحو الماء.

منتزه «البينالي»

لم تغب عن بال القائمين على مشاريع المنطقة الثقافية في السعديات، حقيقة الجمال المقرونة بالثقافة والفن، فتم الاتفاق مع 10 معماريين وفنانين لتصميم منتزه «البينالي» المكوّن من 19 جناحا، توازي القناة المائية المحاطة بالزهور والخضرة الممتدة ما بين المتاحف الرئيسية، وتختلف هذه الأجنحة في الحجم من حيث علاقتها بمحيطها لتوفر برنامجاً فنياً مدهشاً للزائرين المتجولين في أرجاء المنطقة الثقافية.

وقد خصصت هيئة أبوظبي للسياحة ـ الجهة القائمة على تنفيذ جميع هذه المشاريع ـ هذا «البينالي» لاستضافة فعاليات واسعة؛ من استديوهات للفنانين الزوار والمعماريين والمعارض التجارية للفن والتصميم، وتضم مجموعة المعماريين المشتركين أسماء لامعة في فن المعمار، منهم ديفيد أدجايا من بريطانيا،و يوري آفاكوموف من روسيا، وسيونغ سانغ من كوريا،و خالد النجار من الإمارات وغيرهم من معماريي العالم.

المتحف البحري

من المتاحف التي سيتم تنفيذها في السعديات؛ هو المتحف البحري الذي جرى تصميمه على يد المعماري تاداو آندو، وستكون وكالة استشاريي المتاحف «لورد كالتشير ريسورس» هي المسؤولة عن تخطيط الأمور المتعلّقة بالمضمون والعمليّات.

وسيكون المتحف على شكل سفينة عملاقة، وللتعرف على الطبيعة المعمارية لهذا المتحف نقتبس مقولة مهندسه ومصممه «آندو» الذي يقول: يلقى المفهوم وحيه في تقاليد المحيط الطبيعي والمشاهد الطبيعية والبحرية في أبو ظبي، سيقود داخله ـ المُصمَّمُ مثل السفينة بسطوح عائمة ـ الزوّار عبر مساحة المعرض، حيث يبدأ التصميم المعماريّ الأنيق بمساحة متميّزة محفورة لحجم بسيط الشكل، يقف الشكل المنفرد مثل بوّابة فوق ساحة مائيّة واسعة، تحدد فراغا للقاء بين عنصرين طبيعيين هامّين من ثقافة المدينة: الرمل والبحر، بسطحها العاكس، يختلط البحر والموقع بصريّا في الساحة المائيّة، فتعزز بذلك المفهوم البحريّ للمتحف.

السعديات.. جزيرة تغفو على صوت الموسيقى

لغاية عام 2004؛ لم تكُ جزيرة السعديات التي تبعد 500 متراً عن شاطئ أبو ظبي، سوى جزيرة صغيرة تتوزع فيها بعض المرافق السياحية البسيطة وبعض الخدمات، وفي السنوات الأخيرة الماضية أضحت هذه الجزيرة التي تبلغ مساحتها 27 كلم مربع، محط أنظار العالم بأسره لما أطلق على أرضها من مشاريع عملاقة في السياحة والفن والثقافة.

ويبلغ مجموع الأموال الاستثمارية التي خصصتها إمارة أبو ظبي لهذه المشاريع 27 مليار دولار، ويتوقع أن تصبح الجزيرة محلاً لإقامة 150 ألف شخص بحلول عام 2018 عند اكتمال جميع المشاريع فيها، فإضافة للمنطقة الثقافية التي ستقام فيها المتاحف ودور الموسيقى والفنون، سيقام على أرضها 29 فندقاً فخماً وملعبي غولف وستصل الجزيرة بالعاصمة أبو ظبي بواسطة جسرين أحدهما لنظام السكك الحديدية الخفيفة.

متحف الشيخ زايد الوطني

يصنف متحف الشيخ زايد الوطني بأنه المتحف الذي سيكون تكريما لذكرى المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، ورئيس دولة الإمارات العربية المتحدة ومؤسس الدولة الحديثة وصاحب الرؤية الحكيمة في تطورها ونهضتها. ينقسم المتحف إلى خمس قاعات رئيسية تعرض لجوانب من تراث الإمارات والتحول الذي طرأ فيها.

إضافة إلى مراكز تعليمية وصالة مسرح ومحلات تجارية وصالات ترفيهية للزائرين، وقد شارك في التنافس على تصميم وتنفيذ المتحف 12 مكتباً معمارياً من أشهر المكاتب من 10 دول، لم يُعلن -حتى الآن ـ عن الجهة التي حظيت بهذا الشرف، وقد خصصت إمارة أبوظبي لهذا المتحف 12000 متر مربع في جزيرة السعديات.

محمد الأنصاري