يعتبر النقد المعاصر أن موازيات النص (العنوان، التمهيد، المقدمة، الحواشي...) عتبات أساسية للدخول إلى ردهات النص. وأكثر من ذلك أنها كائنات لتقديم النص وتأكيد وجوده في العالم لحظة تلقيه واستهلاكه. وعليه فإن الاكتفاء بالنظر إلى هذه الموازيات كمجرد تكملة أو إضافة أو ملحق للنص الرئيس يغفل أهميتها الجوهرية: لو أن النص ـ المتن مكتفٍ بذاته فلماذا يتوسل الموازيات لتحديده وتوضيحه وتأكيد حضوره في العالم؟
يبدو جليا أن السؤال السابق هو الباعث الحاسم الذي دفع المؤلف خالد حسين حسين لاختيار عنوان كتابه »في نظرية العنوان« لمعالجة ظاهرة العنونة كموضوع، هذا البحث الذي استغرق منه خمسمئة صفحة ربما تثير بحجمها استغراب المتلقي المتسرع الكتاب. ودفعاً لمثل هذا الموقف، أحسب أن المؤلف عرَّف كتابه على الغلاف الأخير (وهذا التعريف هو إحدى عتبات النص) بسطور غاية في الروعة والكثافة والدلالة أثبت فيها الخطورة الأنطولوجية التي يتمتع بها العنوان، فنقرأ فيها: تنبثق أهمية العنوان ـ سليل العنونة ـ من حيث هو مؤشر تعريفي تحديدي ينقذ النص من الغفلة؛ لكونه ـ أي العنوان ؟ الحد الفاصل بين العدم والوجود، الفناء والامتلاء؛ فإن يمتلك النص عنوانا هو أن يحوز كينونة. والاسم (العنوان)، في هذه الحال، هو علامة هذه الكينونة: يموت الكائن ويبقى اسمه.
إذن، بالعنونة ينتقل النص من سديم العماء (الشواش أو الكاوس كوفَُّ) إلى فضاء الكينونة والتحدد والنظام. ولعل هذه الأهمية الأنطولوجية تفسر المشقة التي ترمي بثقلها على المسمِّي أو المعنون(المبدع) وهو يقف إزاء النص ـ الغفل كما لو أنه أمام وليد جديد. فيستبدل الاسم/العنوان إثر الآخر إلى أن يرتضي النص عنوانه ويستكين إلى ألفة الوجود ويحوز هويته.
وقد جاء الجانب التطبيقي من الكتاب حافلا بالدراسات العينية، حيث خصص المؤلف ثلاثة فصول للعنونة في الخطاب الشعري تناولت ثلاثة نماذج رئيسية. فقد أبانت قراءة عنوان مثل (غرفة الشاعر) لرياض الصالح حسين كيف يتخذ الشاعر من العنوان نواة يتناسل منها النص وتتكوَّن القصيدة حيث يصبح النص تكرارا للعنوان معجميا ودلاليا في توزيع لغوي أوسع وأكبر.
وبيّن المؤلف كيف تحاول العنونة الشعرية في قصيدة (يطير الحمام) لمحمود درويش إثراء الفضاء الدلالي للنص وضمان تماسكه البنائي من خلال اتخاذ النص للعنوان لازمة تكرارية يبدأ به المقطع الشعري وينتهي به. وفي تمثيل ثالث للعنونة الشعرية (بالشباك ذاتها بالثعالب التي تقود الريح) لسليم بركات يصبح النص تفسيرا للعنوان ذاته الذي يتكئ على خلخلة العلاقات الدلالية المتلائمة بين العلامات بحيث اعتمد النَّاص على هذه الزحزحة من أجل تأسيس جماليات العنوان.
وخصص المؤلف فصلين لشؤون العنونة في الخطاب السردي (قصة قصيرة ورواية) ملاحظا عراقة العنونة في السرد قياسا إلى الشعر، ذلك أن المرويات والسرود الكبرى في التراث العربي الإسلامي ولدت معنونة. وقد تمتعت القصة القصيرة بعنونة متفردة ومتميزة اتخذ المؤلف نموذجا لدراستها خطاب العناوين لدى زكريا تامر الذي يتبع استراتيجية تقوم على البنية التركيبية البسيطة للعنوان وتتوسل الصيغ الشعرية في بنائه وذلك في مجموعاته الأولى (صهيل الجواد الأبيض، ربيع في الرماد، الرعد، دمشق الحرائق) ليتحول فيما بعد إلى العناوين الكثيفة الموحية بالسمة السردية والمنفتحة على الخطاب الاجتماعي (نداء نوح، سنضحك، الحصرم، تكسير ركب).
أما العنونة الروائية فقد اكتسبت مشروعيتها من عراقة العنونة في السرديات التراثية من جهة، ومن خلال التثاقف مع الآخر لاسيما أن الرواية جنس أدبي جديد على الأدب العربي. وقد أظهر المؤلف في تحليله للعنونة في رواية حيدر حيدر (وليمة لأعشاب البحر: نشيد الموت) الطاقة الجمالية والرمزية التي تكتنف عنوان الرواية وانتشار ثيمات العنوان في النص كله، إذ تبدو الآثار الدلالية للعنوان على مختلف القوى الفاعلة في النص: النص الموازي، الفاتحة النصية، الزمن، المكان، الشخصية، والخاتمة النصية.
وحظي الخطاب الدرامي (المسرح) بفصلين أخيرين رصد فيهما المؤلف تحولات العنونة خلال المراحل الثلاث التي مر بها الإبداع المسرحي عند سعد الله ونوس ملاحظا السمات السردية والشعرية التي شابت عناوين المرحلة الأخيرة لدى ونوس (يوم من زماننا، منمنمات تاريخية، طقوس الإشارات والتحولات، أحلام شقية، ملحمة السراب، الأيام المخمورة) حتى أن هذه العناوين ربما تخدع متلقيها نظرا لكثافتها الشعرية وطابعها السردي مما يخيل إليه أنه سيلتقي بنصوص سردية وشعرية.
إذن، لعلنا نصل مع المؤلف إلى خلاصة فحواها أن العنوان، على وجه العموم، ليس بذلك الطارئ المهمَّش الذي يستجدي عطايا النص بل هو في كثير من الأحيان النواة التي يتشكل منها وحولها النص ذاته.
جدلية العنوان
اختار المؤلف استراتيجية منهجيّة للقراءة النصية وفق مفهومات التفكيك وذلك على ثلاثة مستويات: أولها بنية العنوان في أبعادها التركيبية والدلالية والمجازية. وثانيها جدلية العنوان والنص بما تنطوي عليه من علامات متنوعة ومختلفة: الحضور الدلالي واللفظي للعنوان في النص، وتكثف النص في العنوان، وعلاقة العنوان بالعناوين الداخلية. وثالثها العنوان في التناص الذي يرصد تفاعلات العنوان مع النصوص والعناوين الخارجية.
المؤلف في سطور
د.خالد حسين حسين كاتب سوري متخصص في شؤون اللغات وله العديد من الأبحاث والدراسات المتعلقة في مفاهيم السيميولوجيا وعلم الدلالة. كما يشارك في العديد من المطبوعات المتخصصة في هذا المجال.
معين رومية
الكتاب: في نظرية العنوان مغامرة تأويلية في شؤون العتبة النصية
تأليف: د. خالد حسين حسين
الناشر: دار التكوين دمشق 2007
الصفحات: 521 صفحة
القطع: المتوسط
