أي صلة تقوم بين السيشوار ومن يعتمدها في تمشيط شعره، بقابلية معينة؟ بصورة أخرى: أي حوار ضمني يدور بين من يسرّح شعره، والسيشوار في مددها الكهربائي؟ من المعلوم ظاهرياً،أن ثم علاقة وحيدة الجانب، تتبدى بين المشط العادي والشعر الممشوط.

العلاقة هذه، تكون صامتة، حيث تتم في أمكنة مختلفة، سواء كان الشعر ناشفاً أو مبللاً، أما في الحالة الأخرى، فثمة علاقة مركَّبة، إذ يتطلب الأمر مقدرة أو كفاءة نظرية وعملية على استعمال السيشوار، وفي وضعية محددة، من جهة التعامل مع الشعر، وكيف يجري تبليله. في السياق هذا، ثمة لفحات هوائية ساخنة نسبياً، تتسلل داخل الشعر، إنها ترافق حركة المشط الذي يتخذ أكثر من شكل (المشط المبروم يكون أكثر اعتماداً، بسبب المتوخى من نوعية التسريحة، وخصوصاً إذا كان الشعر طويلاً).

وهذا التفاعل بين حركة المشط واندفاع الهواء الساخن، بتقدير معين، هو الذي يغيّر في طبيعة التصورات التي يكون عليها جسد الماشط بالذات، ليكون مصدر الحركة الكهربائي العلامة متداخلاً من ناحية أخرى مع الجسد ذاته، وما في التداخل المتصوَّر هذا، من قوى ممرَّرة، أو تجاذبات، أو استرسالات قوة متخيَّلة كذلك. إن السيشوار، تضع الماشط على عتبة تقانة، مثلما تكاشف فيه عالماً ممزوجاً من النار والماء (هنا تمتزج ثنائية الذكورة بمفهومها الناري، والأنوثة بمفهومها المائي).

وقد خفَّا وطأة، تناسباً مع الجسم وحرارته، لكن الحوار الجاري بصمت. وربما يكون لاندفاع الهواء الساخن، بعض من السحر، أو غواية الهواء، في نفَسه الحي، بإرسال حزم من الدغدغات تكون كفيلة بإحالة الجسد في عمومه، وليس الرأس وحده، من وضعية الحياد، إلى وضعية المُعد لتقبل تهيؤات أو أخيولات، من خلال مغامرة ترسمها المخيلة.

كما ذكرت، خصوصاً وأن المرآة تكوّن تركيباً جديداً للماشط، كما لو أن الجسد هذا، في كليته يتعرض لبعث ناري مستوحى من عالم مستحدث، جديد، مرغوب فيه، طالما أن التحولات التي يتم إخضاع الشعر لها، بمرونة لافتة، لا تعني محيط الرأس وحده، بقدر ما أن بثاً مختلفاً لمؤثرات غامضة، تستولد نشوة صاعدة، أو تعم مضمار الجسد كاملاً، واستسلاماً ضمنياً لحركة المشط المتحوَّلة بتأثير اللفحة الهوائية الساخنة، وما في الإثر، أو في السياق من استهوائيات النظر واللذة التي لا تترجم.

لا يعود الشعر هذا، وخصوصاً أكثر، حين يتميز بطول معين، ويضفي عليه، كذلك قيمة اعتبارية معينة، عند المراهق، أو الذي تستحوذ عليه تهيؤات جماليات المشهد المرئي للشعر المنساب في الجهات كافة، لا يعود مجرد عارض جسدي، وإنما يصبح في متن القيمة الموهوبة للمرء ذاته، كون الشعر الذي تتلبسه أشكال مختلفة، كما يمكن تلوينه (باصطباغه)، تجاوباً مع رغبة ما، لها منحى ثقافي أو ذاتي، وقتي، أو مكاني أحياناً، أو مناسباتي كذلك، يقدّم لصاحبه ما هو مفتقد أحياناً، أي إن الطبيعة المركّبة للسيشوار، تسمح للماشط هنا، في أن يقارب في ذاته، مجموعة من الرغبات التي تكون علامات فارقة فيه، أو تشكل ترجماناً حياً لها. والموضوع أكثر من كونه إجابة عن سؤال من نوع: وماذا في علاقة دخيلة على المرء، حيث العملية لا تعدو أن تكون أشبه بـ (صرعة) ليس إلا؟

أظن أن إجابة كهذه، تختزل الموقف، بقدر ما أنها تشوّه حقيقة المنشأ النفسي للإجراء ذاته، فلكَم مارست حالات من النوع المذكور في استتباب الأمن النفسي لنا، أو لمن يراهن على ذلك، والمجتمع هو عتبة رؤية، مثلما أنه بفعله السيشواري الطابع، يدفع بالمنتمي إليه إلى أن يكون المتلبس بصفة شَعرية، بالقدر الذي يكون إشباع الرغبة النفسية لديه ملحوظاً.

والحديث المتعلق بثنائية الهواء الساخن والمشط، يجرد المشهد الملحوظ من حسيته، حيث كل مرئي يصبح فعلاً متعدياً، مثلما أن المرئي يحمل في تضاعيف حركته من الداخل، لوناً واحداً على الأقل من ألوان الاستعارة، تلك التي تقلب في جوهر الموجودات، باعتبارها أكثر مما هو ظاهري فيها، أكثر مما هو ملموس فيها، أن السيشوار أكثر من حلبة مشاهدة، بين حركة كل من الهواء المسموع بصوته، ببحة ما، أو بإيقاع معين، مشتهى.

كما أظن، وهو يغمر جلدة الرأس «فروته»، ويتجاوزها، من خلال قابلية مسامات الجسم ذاته للتفاعل (تخيل المسامات وهي تستطيل أو تنفتح شهراً مسشوراً، وفق نداء كامن، يتحرك في أعماق الجسد، كما لو أن فعلاً تدليكياً هنا (مساجاً فعلياً)، لمأثور الهوائي، والمشط الذي يقطّع عمقياً في الحركة الأفقية، أو الممتدة للهواء، ومن ثم المنتثر، وليس المنتشر، وفي الوسط، يكون الشعر في وضعية استيهامية (وهل لنا أن نتخلى عما هو استيهامي في حياتنا اليومية؟).

كما هو المأمول من جهة الماشط، إذ لا يعدم في الشعر المرئي أو المشعور به، ما يمكّنه من الامتداد في الزمن اللامقيد، كما هي حركة الشعر، وتبدّيه بتسريحات مختلفة، وكأن الممشوط في مرونته، أو انسيابيته الجلية، صورة مصغرة عن الجسد ذاته، عن قدرته في تأكيد الذات.

إن المشهد الدائري للمشط اللدن، والذي يختلف في ألوانه وكيفية تصميمه، يحيل الشعر ذاته، إلى قضية جنسانية عالية المستوى، إنما بالتواصل مع مستجدات لا تني تتنوع في مؤثراتها، أو مسبباتها وأهدافها، وذلك عبر النظر في المعطى الرمزي للشعر ذاته، لخاصية كل من الذكورة والأنوثة، للمشهد الدواماتي الذي يقدّم الشعر، حين يكون قابلاً للـ «عبث» به، وتصيير أشكال منه، وهو كما هو المشهد الدائري، أو الحلزوني مقاماً، وهو أيضاً يؤكد ارتباطه من جهة، بالشعر كتاريخ ضليع في صنع (الموبقات) أو التعتيم عليها، أو إيقاظ الغرائز، أو جعلها في وضعية سبات.

وتحين الفرص المناسبة، لإطلاقها من عقالها، وذلك عبر الرهان على الشعر بطريقة ما، ويعني هذا، من جهة أخرى، أنه لا ينقطع عن جذوره، بما له من خلفية أسطورية، أومن بعد أسطوري مبثوث فيه (أعيد هنا التذكير بـ «أسطوريات» رولان بارت اليومية)، حيث النظر إلى الشعر، من زوايا مختلفة، وكيف يتم «سرده» الحركي والمرئي، وتلمس قوة ما فيه، وما للسيشوار من قوة دفع، أو طاقة مؤازرة، لجعل الشعر إمكاناً من إمكانات الإغراء والنفوذ

إبراهيم محمود