ثورة المعلوماتية أدت إلى تغييرات كبيرة في طبيعة العمل والإنتاج وأدت إلى اختفاء العديد من الشركات والمؤسسات التي ازدهرت في عصر الثورة الصناعية التقليدية

يحاول دافيد وينبرغر في كتابه الجديد «كل شيء متنوع» إلى صياغة المبادئ الجديدة ل«النظام الرقمي» الذي أنتجته ثورة المعلوماتية. ويرى أن هذا النظام يعيد صياغة المشارب الرئيسية في حياة البشر خلال الحقبة المعاصرة ابتداءً من الأعمال والنشاطات الاقتصادية ووصولا إلى الثقافة ومرورا بالسياسة والتربية والعلم. الظاهرة الأولى التي يؤكد عليها هي أن البشر «شرهون» دائما لتلقي المعلومات وجمعها وتنسيقها وتنظيم المعطيات.

ولكن هذا «التنسيق العلمي» الدقيق الذي أسس لمجموعة عادات في السلوك العام بحيث «كان لكل شيء مكانه المحدد» في الماضي، أما اليوم فقد أصبح ل«كل شيء عدة «أمكنة»، وعدة «تصنيفات»، وبهذا المعنى أصبح متنوعا بوجود «فئات متعددة». إنه عصر الانتقال من «الفحص الطبي» العادي إلى «الفحص الطبي الرقمي مع ما يتطلب هذا من تغيير. ولا يتردد المؤلف في القول «كل شيء من الألف إلى الياء أصبح متنوعا، وهذا سوف يعيد بالضرورة طريقة التفكير بما تعرفونه ـ فيما يخص العالم».

إن تحليلات الفصول العشرة التي يتألف منها هذا الكتاب لها دلالتها حول حالة الفوضى التي يعيشها العالم اليوم ومدى التغيير حيث أصبحت تسود «قوانين الغابة»، كما جاء في عنوان أحد الفصول. ويولي المؤلف اهتماما مركزيا بمسألة «المعرفة» في عصر الانترنيت، إذ يكرس ثلاثة فصول كاملة لها تحت عنوان: «جغرافية المعرفة» و«آليات المعرفة الاجتماعية» و«صناعة المعرفة».

هذا كله على أساس مرجعية «مجتمع المعرفة» القائم اليوم. لقد أدّت ثورة المعلوماتية وشبكات الانترنت إلى تغييرات كبيرة في طبيعة العمل والإنتاج مما ترتب عليه اختفاء العديد من الشركات والمؤسسات التي ازدهرت في عصر الثورة الصناعية «التقليدية». وفي مقدمة هذه التغييرات أنه أصبح يتم الوصول إلى معلومات عبر «نتف صغيرة» يتم جمعها كلها على «قرص صغير» لا يحتاج تخزينه إلى أية مساحة كبيرة ولم يعد مفهوم المستودع، بالطريقة العلمية التقليدية، له وجود في الواقع.

كما أن تكنولوجيا المعلوماتية وخاصة شبكات الانترنيت، أحدثت مفهوم دورات التسويق الجديدة عبر «آلية جديدة في العرض» عبر الاعتماد على «آراء» الزبائن أو المختصين بهذه السلعة أو تلك. هكذا اختص أحد المواقع الإلكترونية مثلا بإصدار «نشرات إلكترونية» تقدّم آراء ووجهات نظر المستهلكين و«الخبراء» بمنتوجات تتراوح بين الحاسوب وحتى أبسط السلع.

فمثلا إذا أراد أحدهم أن يشتري آلة تصوير فإنه يستطيع اللجوء إلى هذا الموقع الإلكتروني الذي يجمع ما صدر عن أهم المصادر الخارجية في هذا الميدان ويقوم بتصنيفه بحيث يمكن للشاري «المحتمل» أن يجد مبتغاه، حسب الشروط التي يريدها، وقبل أي شيء حسب الإمكانيات المادية المكرّسة ل«المشروع»، ذلك أن الهدف النهائي للدورة كلها هو «الأموال الموجودة في جعبته».

وضمن نفس السياق يشير المؤلف إلى تجربة شخصين هما «بارتون ريتش ولويد فرينك» اللذين أنشآ موقعا إلكترونيا في ميدان نشاطهما المهني المتمثل في سوق بيع الأبنية الجديدة. لقد لاحظا عندما شرعا بالبحث عن المعلومات أن هذا الميدان «مغلق» تماما على «وكالات بيع الأبينة الوطنية»، فما كان منهما إلا أن شرعا بتقديم «معلومات إضافية» يمكنها أن تساعد الشاري للحصول على ما يريده بدقة.

هكذا يوفّر موقعهما معلومات عن القطاعات «غالية الثمن» والقطاعات «ذات السعر المعتدل« مع تقديرات حول وضع المدارس في القطاع المعني وسبل المواصلات والوضع الأمني، الخ. أما تمويل «الموقع الالكتروني» فهو عن طريق الإعلانات ف«الزائرين» تتزايد أعدادهم باستمرار. ونفس التوجه يجده المؤلف في مختلف القطاعات، وخاصة قطاع الخدمات مثل السفر والسياحة وغيرها. ويبيّن في جميع الحالات الأثر الكبير الذي أحدثته الثورة الرقمية من تغييرات جوهرية على عمل الشركات وعلى العالم الذي يحيط بها.

وهو لا يتردد في القول إن العالم الرقمي الجديد قد شكّل أيضا «ثورة» في الطريقة التي ينظم فيها البشر حياتهم، فإذا كان لا بد من «تنظيم» العالم المادي ـ الفيزيائي ـ بطريقة «منسّقة» و«ملموسة» بحيث يكون «كل شيء في مكانه المحدد» ، و«الوحيد» الذي يسمح بالعودة إليه عند الحاجة. لأن العالم الرقمي يسمح ب«مليون طريقة مختلفة» ويمكن وضعه على ما لا نهاية على «الأرفف الإلكترونية». أن إمكانيات «التنظيم» المختلفة تجعل «كل شيء متنوعا»، وهذا ما يمكن أن يبيّن بنفس الوقت مدى «السلطة التي تمتلكها الفوضى الرقمية الجديدة»، كما جاء في عنوان هذا الكتاب.

المؤلف في سطور

دافيد وينبرغر من مواليد مدينة نيويورك. درس في جامعة تورنتو، ونال منها شهادة الدكتوراه في الفلسفة. لكنه أولى اهتمامه الرئيسي للمسائل التكنولوجية وأصبح مستشارا في التسويق ومديرا في عدة شركات تعمل في حقل المعلوماتية. ونال صفة «زميل» في مركز بيركمان للانترنيت التابع لجامعة هارفارد.

نال وينبرغر شهرة عالمية بعد نشره لكتاب «بيان كلوريتان: نهاية الأعمال التجارية بالصيغة المعتادة» بالاشتراك مع باحثين آخرين وحيث بيع من هذا الكتاب ملايين النسخ في مختلف أنحاء العالم. كإشارة سريعة كان هذا الكتاب قد بدأ ك«موقع إلكتروني» ثم تحوّل إلى عمل مكتوب. ومن كتبه أيضا: «قطع متناثرة مرفقة: نظرية موحّدة للويب». ويساهم بالكتابة في عدة مجلات مثل «أميركا اليوم ـ يو اس آ توداي» و«مجلة هارفارد للأعمال». يعيش في مدينة بوسطن بالولايات المتحدة.

الكتاب: كل شيء متنوع سلطة الفوضى الرقمية الجديدة

تأليف: دافيد وينبرغر

الناشر: تايمز بوك نيويورك 2007

الصفحات: 288 صفحة

القطع: المتوسط

Everything is miscellaneous, the power of the new digital disorder

David Weinberger

Times Bookـ New York

P.288