يقوم فرانسوا جيليت في كتابه «الموت في الجهة المقابلة» بمناقشة ظاهرة اختفت من التاريخ الفرنسي ومن التاريخ عامة، بينما سادت لعدة قرون من الزمن، وهي ظاهرة «المبارزة» وحيث يحدد المؤلف الفترة المدروسة منذ قيام الثورة الفرنسية الكبرى عام 1789 والوقت الراهن.
يركّز جيليت تحليلاته على فرنسا، ويذكّر منذ البداية أن العصر الذهبي للمبارزة في فرنسا لم يكن في ظل النظام القديم الذي سبق قيام الثورة الفرنسية، أي نظام الإقطاع والنبلاء، وإنما بالأحرى بعدها. ذلك أنه بعد هذه الثورة لم تكن هناك حاجة كي يكون الإنسان نبيلا كي يحمل السيف ويدعو للمبارزة خصماً كان لابد من أن يكون من طبقته.
وبالتالي أصبح ممكناً «بعد الثورة» للجميع حمل السيف والرمح والمسدس و«الاقتتال»، وغدا الجميع يتبارزون من أجل أتفه الأسباب، من أجل «دعسة قدم غير مقصودة» أو مقال نقدي في صحيفة أو ممارسة غرامية غير متحفظة ، أو.. لكن بالمقابل يشير المؤلف إلى أن «شيوع» ظاهرة المبارزة ترافق بـ «تضاؤل» عدد الذين يفقدون حياتهم فيها. هكذا تعود آخر مبارزة «قاتلة» في فرنسا إلى عام 1903.
ثم بعد قيام الحرب العالمية الأولى (1914ـ 1918) وما عرفته من عدد كبير في الضحايا، خفّ كثيراً اللجوء إلى المبارزة، لكن ذلك لم يمنع أن بعض المعارك التي تنضوي تحت عنوان «المبارزة» استمرت حتى سنوات الخمسينات من القرن الماضي ـ العشرين.
ويحدد المؤلف آخر «مبارزة» موثّقة في فرنسا إلى عام 1967 حيث التبارز بالسيف غاستون دوفير، وزير الداخلية الفرنسي الأسبق وصديق الرئيس الأسبق أيضاً فرانسوا ميتران. ففي شهر أبريل 1967 وكان سبب المبارزة هو «ملاسنة» جرت تحت قبة البرلمان الفرنسي بين النائب غاستون دوفير، ووزير الداخلية الفرنسي الأسبق وصديق الرئيس الأسبق فرانسوا ميتران، والنائب الآخر رونيه ريبيبر. نعت دوفير زميله ب«الأحمق» وعندما أجابه: لماذا تدعوني بذلك؟ أضاف دوفير: لكون أنني أعتقد ذلك. فكانت المبارزة.
أما آخر مبارزة قاتلة ـ عام 1903 ـ فقد شهدتها »جزيرة« جات الموجودة بين فرعين من نهر السين بضواحي باريس الغربية. وكان المتبارزان هما «هنري لانتييه»، الزوج المخدوع، و»شارل ايبولو«، العشيق الذي دعا للمبارزة، وقد دفع الأول ـ الزوج ـ حياته في تلك المبارزة. كان ذلك هو الموت الأخير «المعروف» في «ممارسة طقوسية» استمرّت بعده لفترة طويلة.
إذا كان المؤلف قد اختار الثورة الفرنسية لعام 1789 كـ «منعطف كبير» في تاريخ المبارزة، فإنه أراد أن يبرز وجهاً آخر لم يكن يشكل قطيعة مع الماضي، وإنما بالأحرى امتداداً وتعميقاً له. هذا على عكس الشعار الذي رفعه أحد الثوريين عام 1791 وقال فيه «إن المبارزة هي اختراع للنبلاء وسوف تنتهي بانتهائهم». الوقائع، كما يثبت المؤلف، أثبتت خطأ ذلك الشعار.
بل تؤكد التحليلات المقدّمة أن الثورة الفرنسية «دشّنت» حقبة من ازدهار المبارزات لم تخمد نيرانها« حتى سنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية. وما يحاول المؤلف أن يركّز عليه هو استعراض الأسباب التي جعلت «المبارزة» باعتبارها ممارسة «عسكرية فردية غريبة، قد استمرت في قرن الحديد والنجار وأسلحة الدمار الشامل الأولى ، كما نقرأ.
تتم الإشارة هنا إلى أن القرن التاسع عشر كان قد شهد ازدهار روايات المبارزة مع أبطال ألهبوا مخيلة القرّاء من أمثال «ارتانيان» و«لاغاردير» والكابتن «فراكاس». ويتم التأكيد في نفس هذا السياق أن ظاهرة «المبارزة» كانت أعمق وأشمل بكثير من بعض الأمثلة المعروفة وحيث يشار إلى أن حوالي «500» مبارزة كانت تجري كل سنة في فرنسا خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر.
بالتوازي مع ذلك تعاظم عدد «صالات الأسلحة»، كما تعددت القواعد التي «تقنون» آلية سير المبارزات. وزاد بنفس الوقت اهتمام الصحافة فيها وبنشر أخبارها. لكن بنفس الوقت ارتفعت أصوات عديدة ضدها، وينقل المؤلف عن أحد القضاة قوله عنها انها تعني «فوضى حقيقية بالنسبة للمجتمع وخرقاً للدين واعتداء على الأخلاق».
وكانت الكنيسة الكاثوليكية التي منعت المبارزة منذ فترة طويلة قد قررت عام 1869 طرد جميع المتبارزين وشهودها وجمهورها من «بركتها». أما القضاء فقد كان أكثر تفهماً وأكثر تسامحاً . وفي عام 1837 طلبت محكمة النقض الفرنسية المنع الصارم للمبارزة إذا كان قد ثبت أنها بقصد القتل، ولكن «لجان المحلّفين» فضّلت دائماً التساهل إذا كان قد جرى «احترام الشكل» في المبارزة.
ويصل المؤلف إلى القول ان «البورجوازية» التي قامت بالثورة تبنّت لـ «حسابها» بعض قيم «طبقة النبلاء» والتي كانت قد «أزاحتها» عن السلطة، وذلك تحت غطاء استمرار «واجب الشرف والشجاعة». يضاف إلى هذا تشجيع الظاهرة بفعل زيادة أهمية الجيوش و«عسكرة» المجتمع الفرنسي في القرن التاسع عشر. «المبارزة» شاعت لتسوية أمور «القلب» و«السياسة»، ودفاعاً عن «الشرف». فـ «هل ينبغي اعتبار نهاية المبارزة سبباً في ضياع مشاعر الشرف» ؟ يقول المؤلف في أحد تساؤلاته.
مبارزات لا تنسى
أشهر المبارزات ، ومن بينها، على سبيل المثال لا الحصر، الطلقة النارية التي قتلت عام 1836 الصحافي ارمان كاريل بيد «غريمه»في المهنة «ايميل دو جيراردان». والمبارزة التي تواجه فيها عام 1888 الجنرال بولانجيه مع رئيس الوزراء شارل فلوكيه والمبارزة التي كان أحد طرفيها جان لوران، والطرف الآخر هو الروائي الشهير مارسيل بروست وحدثت عام 1897، ومبارزة «جان جوريس»، المفكر اليساري المعروف الذي عارض قيام الحرب العالمية الأولى، مع المدعو «ديروليد» عام 1904.
المؤلف في سطور
فرانسوا جيليت مؤرخ فرنسي جعل من التأريخ بعض المظاهر والمناطق مركز اهتمامه الرئيسي. دافع عن أطروحته لنيل الدكتوراه حول موضوع ولادة النورماندي، فترة تكوّن وازدهار صورة إقليمية في فرنسا خلال سنوات 17501850 ، هذه الأطروحة صدرت في كتاب تحت نفس العنوان.
الكتاب: الموت في الجهة المقابلة تاريخ المبارزة منذ الثورة الفرنسية إلى اليوم
تأليف: فرانسوا جيليت
الناشر: اوبييه باريس 2008
الصفحات: 428 صفحة
القطع: المتوسط
La mort en facehistoir du duel de la révolution à nos jours
François Guillet
Aubier Paris 2008
P.428