كتاب «خبايا وأسرار التطرف الصهيوني» للسفير طه الفرنواني كشف من خلاله المؤلف تجاوزات التطرف الصهيوني ضد الأمة العربية من واقع المستندات والوثائق، واستمراره في التعنت والتسويف لإجهاض كل المحاولات التي تجرى لتحقيق السلام الدائم في المنطقة، وإنهاء الاحتلال للأراضي العربية والقدس.

إن هذا التواجد الصهيوني على الأرض العربية سبقه قيام بريطانيا على الفور بالانسحاب من فلسطين في 15 مايو 1948، بالرغم من أن المدة المحددة لإنهاء الانتداب البريطاني على فلسطين وفقًا لقرارات الأمم المتحدة كانت تمتد حتى أكتوبر 1948، وفي تلك الأثناء قامت العصابات الصهيونية بارتكاب المذابح بقيادة «بن غوريون، بيغين، شامير» وغيرهم، كما قامت العصابات الصهيونية بأهم مذبحة لتحقيق أهدافها وهى مذبحة دير ياسين - من ضواحي القدس- في 9 أبريل 1948.

يتحدث الكاتب هنا فيقول »لمواجهة هذه المذابح اجتمع رؤساء الحكومات العربية في القاهرة، وانقسمت الآراء إلى اتجاه تبنته مصر والسعودية، يرى عدم إقحام القوات النظامية العربية والاكتفاء بإمداد المجاهدين الفلسطينيين بالسلاح وتدعيمهم بالمتطوعين العرب، واتجاه آخر تبنته الأردن، ويرى ضرورة إقحام القوات النظامية العربية في الصراع«، وانتهى اجتماع رؤساء الحكومات العربية بالموافقة على عدم إرسال القوات النظامية إلى فلسطين..

ولكن اتضح للدول العربية، بعد ذلك، عدم قدرة المتطوعين العرب والفلسطينيين على مواجهة العصابات الصهيونية ومؤيديها، لعدم توفر الإمكانات الخاصة بالأسلحة والذخائر، ولعدم وجود قيادة موحدة لها مخططات احترافية، وقامت الدول العربية بإخطار الأمين العام للأمم المتحدة والدول الأجنبية بقرارها التدخل في فلسطين حيث إن العدوان الصهيوني في فلسطين قد أرغم السكان العرب على مغادرة ديارهم، وأقام المذابح ضد الشعب العربي الأعزل في فلسطين.

مرحلة جديدة من سياسة التطرف الصهيوني ضد الأمة العربية والإسلامية، بدأت بعد تولي بن غوريون الصهيوني المتطرف وزارة الدفاع الإسرائيلي في 17 فبراير 1955، فقد كان لدى هذا الرجل قناعة أن استتباب السلام في المنطقة وعلى خطوط هدنة 1949 سوف يؤدي إلى إضعاف حماس اليهود في مختلف دول العالم للهجرة لإسرائيل أو لتأييدها ودعمها بالمال والرجال.

ولكن المواجهة مع التطرف الصهيوني، كما يرى المؤلف، لم تتوقف عند الشأن المصري المباشر، حيث انفتحت ساحة المواجهة غير المباشرة عبر ميادين أخرى لا تقل خطورة وأهمية، وبعد إعلان قيام دولة إسرائيل في العام 1948 كان العدوان الثلاثي على مصر 1956، بدعم أميركي وغربي في ظل انشغال مصر بمشاكلها الداخلية والخارجية والعربية لتبدأ إسرائيل توطيد علاقاتها السياسية والاقتصادية والثقافية والعمالية مع الدول الإفريقية قبل استقلالها، فعملت على تدعيم التبادل التجاري معها.

وأقامت المطارات والموانئ، وأنشأت الشركات البحرية المشتركة، وحاولت تدعيم الارتباط بالتنظيمات الشعبية والعمالية مع تبادل الزيارات للمسؤولين بهذه الدول مع إسرائيل استقطابًا لهم وتأييدًا لسياستها. تعتبر حرب 1967 نقطة فاصلة في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي.وقد تحقق للتطرف الصهيوني في أواخر 1966 المجال لاختبار مدى إمكانية تحقيق مخططه العدواني على الدول العربية.

ولذلك صعدت إسرائيل عملياتها العسكرية ضد سوريا ثم ضد الأردن، ولم تستطع القوة العسكرية العربية الممثلة في مجلس الدفاع العربي في اجتماعها بالقاهرة في مارس1967 أن تتخذ أي إجراء عملي لدعم سوريا والأردن في مواجهة الاعتداءات الصهيونية، ما أعطى للتطرف الإسرائيلي ضوءًا أخضر لمزيد من الاعتداءات على الدول العربية، ووضح ذلك في تهديدات قادة التطرف الصهيوني لاحتمالات المزيد من اعتداءاته حتى لو وصلت إلى احتلال دمشق العاصمة السورية.

ويشير المؤلف إلى أن قرار اغلاق خليج العقبة اعتبارًا من 23 مايو1967، ما يعني تهديد للملاحة الإسرائيلية في الخليج، مدللاً على ذلك بشهادة الفريق محمد فوزي - وزير الدفاع المصري آنذاك الذي وصف القرار أنه كان أخطر قرار سياسي عسكري، واعتبره السبب المباشر للهجوم الإسرائيلي في 5 يونيو 1967 وقلب حسابات عبدالناصر.

وإن قرار المشير عامر بإبعاد قوات الطوارئ كان كافيًا لتحقيق أهداف مصر للسيطرة على الخليج، إلا أن قرار الاغلاق هيأ لإسرائيل المبررات لقرار الحرب والفرصة المواتية لأميركا والغرب للإطاحة بعبد الناصر والهجوم على مصر، وأشار الفريق فوزي إلى أنه أطلع على الرقيات المرسلة من السفارة المصرية في دمشق التي أكدت خطورة غلق الخليج.

إن تخطيط المعركة كان هجوميًا عدوانيًا، وتم بتدبير وتخطيط مع الأجهزة الأميركية، ولم تكن حربًا دفاعية خاضتها إسرائيل مرغمة ردًا على استفزازات عبدالناصر هذا هو ملخص وصف الجنرال الصهيوني الإسرائيلي بيلير لحرب 1967 ، وأيدت ذلك أقوال أبا ايبان - وزير الخارجية الإسرائيلي السابق، الذي شارك في تخطيط العدوان الصهيوني بمساعدة الرئيس الأميركي جونسون، كما أشار قائد الطيران الصهيوني الإسرائيلي هود إلى أن استعدادات حرب 1967 بدأت منذ حرب السويس مباشرة، وجرى التدريب على هذه الخطط عشرات المرات طوال الستينات.

وينتقل المؤلف إلى هزيمة التطرف الصهيوني العام 1973، عندما استطاعت مصر وسوريا والأمة العربية أن تفرض على التطرف الصهيوني معارك التحرير في 6 أكتوبر 1973 - العاشر من رمضان - وتوجه له ضربة قاضية، فأصدر مجلس الأمن الدولي قراره 338 في 22 أكتوبر 1973 بوقف إطلاق النار.

وتنفيذ قرار 242 لسنة 1967، وذلك بعد رفض التطرف الصهيوني رسالة الرئيس المصري في 16 أكتوبر 1973، وهو في قمة الانتصارات العربية باقتراح وقف إطلاق النار، وعقد مؤتمر دولي للتوصل لتسوية سلمية شاملة للصراع في الشرق الأوسط، وبشرط استرجاع الأراضي العربية المحتلة وإقرار حقوق الشعب الفلسطيني.

لم تكن زيارة الرئيس السادات إلى القدس لتغيب عن ذهن المؤلف في عرضه للتطرف الصهيوني سافر السادات إلى القدس يوم 19 نوفمبر 1977، وصلى العيد في المسجد الأقصى في اليوم التالي، وألقى بعد الظهر خطابًا في الكنيست، أشار فيه إلى ضرورة إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي المحتلة بما فيها القدس وتحقيق حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره بما في ذلك حقه في إقامة دولته، وحق كل دول المنطقة في العيش في سلام داخل حدود آمنة، وإنهاء حالة الحرب من المنطقة .

استراتيجية مهاجمة العرب

كان«بن غوريون» يرى أن تحقيق التطرف الصهيوني، وحصوله على تأييد يهود أميركا وأوروبا يقتضي استمرار إيجاد معارك مع الدول العربية والفلسطينيين بحيث يستطيع إيهام يهود وصهاينة العالم بوجود خطر دائم على إسرائيل، ولذلك أصدر بن غوريون تعليماته لموشيه ديان بالقيام بهجوم واسع على قطاع غزة الفلسطيني، والذي تشرف على إدارته مصر مع الأجهزة التنفيذية والتشريعية والقضائية الفلسطينية، وذلك في يوم 28 فبراير 1955، ما أدى إلى استشهاد العديد من العسكريين المصريين، ومئات الجرحى والشهداء من المدنيين المصريين والفلسطينيين.

المؤلف في سطور

قدم السفير طه الفرنواني للمكتبة العربية العديد من المؤلفات أشهرها كتاب بعنوان «الصراع العربي الإسرائيلي في ضمير دبلوماسي مصري»، ونشر للمؤلف العديد من المقالات في المجلات المصرية والعربية منها مجلة الدبلوماسي الدولي، وداوم المؤلف على إلقاء المحاضرات في أكاديمية ناصر العسكرية العليا.

كما شارك في العديد من الاجتماعات والندوات بصفته رئيس اللجنة المصرية العليا لشؤون فلسطين، ومساعد وزير الخارجية المصري، والمؤلف محلل سياسي بارز عايش القضية الفلسطينية لأكثر من 35 عامًا، رأس خلالها إدارة فلسطين في وزارة الخارجية المصرية لسنوات، كما شارك في العديد من المنظمات منها المنظمة العربية لحقوق الإنسان، النقابات المهنية العربية، اللجنة المصرية لدعم جهاد الشعب الفلسطيني وغيرها.

الكتاب: خبايا وأسرار التطرف الصهيوني

تأليف: طه الفرنواني

الناشر: الهيئة المصرية العامة للكتاب 2008

الصفحات: 493 صفحة

القطع: الكبير