يقدم هذا الكتاب للقارئ المتخصص وغير المتخصص على السواء عرضا شاملا للجوانب الأكثر دلالة في علم اجتماع العلوم الذي شهد تقدما كبيرا خلال العقود الماضية. وتنبع أهمية الكتاب من المساهمة الكبيرة التي قدمها هذا العلم إلى جانب تاريخ العلوم وفلسفتها في إغناء معرفتنا بشروط عمل التجربة العلمية.
فمن خلال تحليل أشكال الاتصال والتواصل بين العلماء والباحثين ودور المعايير والقواعد المهنية وكيفية إعداد المقالات العلمية للنشر وحتى كيفية إجراء اختبار علمي داخل المختبرات يقوم علماء الاجتماع بسبر أغوار الآليات الاجتماعية والمعرفية التي تفعل فعلها في بلورة الابتكارات العلمية وفي تعميمها. ويشير المؤلف إلى أن علم اجتماع العلوم لا يحوي مثله مثل أي علم آخر اختصاصات فرعية يتم تحديدها انطلاقا من تحديد مواضيع معينة فقط ؟ على سبيل المثال: تعميم الابتكارات ونشرها، تنظيم العمل الرسمي، الاستدلالات العلمية، دور الأوراق البحثية غير الرسمية ؟ وإنما هو أيضا وعلى مثال عمل الاجتماع العام نفسه لا يملك قاعدة منهجية ونظرية وحيدة.
ويضم الكتاب خمسة فصول يقترح الأول تصورا للدينامية الاجتماعية لعلم اجتماع العلوم، في حين تركز الفصول الأربعة التالية على مقاربة غرضية من خلال جعل دراسة عدد معين من المباحث الكبرى مناسبة لمواجهة ومقارنة مقاربات ذات انتماءات أيديولوجية مختلفة.
ويسمح الفصل الأول الذي يأتي تحت عنوان مقاربات سوسيولوجية للعلوم: الأصول، المنظورات، المجادلات، للقارئ بتكوين فكرة محددة حول ثلاثة موضوعات على الأقل أولها السوابق التاريخية لعلم اجتماع العلوم، أي المحاولات التي جرت لتعريف مقاربة سوسيولوجية مطبقة على العلوم، سابقة على تأسيس الفرع، وطبيعة البحث الذي صاغه في هذا الشأن ر.ك. مرتون والذي سيواصله فيما بعد بعمق مجموعة من علماء الاجتماع الأميركيين، ثم تنوع المقاربات السوسيولوجية التي حدثت في مطلع السبعينات ونتائجها وخصوصا لجهة التشظي المعاصر لمنظورات التحليلات السوسيولوجية.
ويعطي هذا الفصل رؤية إجمالية شاملة عن الفرع، ويمكن قراءته بمعزل عن بقية الفصول. وبالكلام عن السوابق التاريخية لم يشأ المؤلف ولأسباب متعددة الغوص أبعد من مطلع القرن العشرين، أي إلى أبعد من نص أميل دوركهايم ومارسيل موس حول الأشكال الأولية للتصنيف 1903.
ولا يعني ذلك أبدا وفق المؤلف، عدم القدرة على الوصول إلى كتابات الرواد أو الآباء المؤسسين لعلم الاجتماع الذين قدموا أفكارا ونظرات تنتمي إلى ما يسمى اليوم علم اجتماع العلوم إلا لماما وبصورة غير مباشرة باعتبار أن عملا كهذا يتجاوز بكثير إطار الكتاب.
ويستعرض في هذا الخصوص وتحت عنوان العلم والاشتراكية أطروحات ن.بوخارين، وماكس شيلر وغيرهما منتهيا إلى ما وصلت إليه المقاربات السوسيولوجية من تنوع خلال عقد السبعينات. وهنا يشير إلى أن منعطف نهاية السبعينات ومطلع الثمانينات تميز بظهور جمعيتين مهنيتين هما الجمعية الأميركية للدراسة الاجتماعية للعلوم المولودة عام 1975 والجمعية الأوروبية لدراسة العلم والتكنولوجيا التي ولدت ابتداء من عام 1981.
وصار لمفهوم علم الاجتماع نفسه بعد توسعي إذ أدخلت في تعريف موضوعاته منظورات تاريخية وفلسفية وعبر البعض عن ذلك التطور بالإشارة إلى أن هذا التفاعل بين علم الاجتماع وتاريخ العلوم وفلسفته يعتبر أحد المساهمات الرئيسية للفورة الأوروبية لمطلع السبعينات.
أما الفصول الثاني والثالث والرابع فلها أهداف تختلف عن تلك التي للفصل الأول فهي لا تبحث عن إعادة بناء تصور عن التطور المتعدد الخطوط لعلم اجتماع العلوم بقدر ما تريد أن تلقي الضوء على الطريقة التي يعتمدها علماء الاجتماع، بغض النظر عن مدارسهم وعن المرحلة التي حققوا خلالها أبحاثهم، في تطوير تفكر جمعي حول جملة واحدة من المسائل وهى مسائل تجري إعادة تعريفها بكل تأكيد منذ لحظة صيرورتها موضوعا لإعادة تخصيص نظرية.
وعلى ذلك نتابع مع المؤلف في الفصل الثاني وتحت عنوان «منظورات سوسيولوجية حول أسس الجماعة العلمية» ثلاث مقاربات حول المبادئ المؤسسة للجماعة العلمية: المقاربة المعيارية، المقاربة الباراديغمية، المقاربة التصالحية. ويقدم في هذا الفصل تعريفا لمفهوم الجماعة العلمية أو الفاعلين العلميين، مستعرضا التحليلات السوسيولوجية الرئيسية حول طبيعة العلم بصفته جماعة أو تنظيما جماعيا أيضا وعلى ذلك يهتم بالتحليلات المتعلقة بالمبادئ المؤسسة لهذه الجماعة حتى يصل في مرحلة ثانية إلى تلك المتعلقة بشكل أكثر تحديدا بما يصفه ب«مورفولوجيا» هذه الجماعة، أو بأوليات التمايز والتواصل المرتبطة بذلك وهو الأمر الذي يناقشه في الفصل الثالث.
وفي هذا الفصل الذي يأتي بعنوان « التراتب، التنظيم الاجتماعي للعمل، الشبكة» يحلل المؤلف نتائج التصورات الفارقة حول مصادر الجماعة العلمية على تمثل الأشكال التنظيمية المعتبرة أنها مميزة للبحث العلمي ويقدم الدراسات المكرسة للتراتب الاجتماعي للجماعة العلمية بمجموعها ولوحدات البحوث مثل المختبرات ولتراتبيتها الداخلية، ولشبكات توصيل وتداول الوقائع العلمية.
وفي الفصل الرابع وتحت عنوان »حول مفهوم الاصطلاح يدرس المؤلف التضمينات الإبستمولوجية لعلم اجتماع العلوم، ويدرس بشكل خاص العلاقات التي تقيمها جماعة من علماء اجتماع العلوم متأثرين عموما بقراءة معينة لكتاب توماس كون بنية الثورات العلمية مع التراث الفلسفي الاصطلاحي.
ويوضح أن الإسهام الأساسي ل«كون» يتمثل فعليا في أنه بين أن القرارات العلمية مثل تلك المتعلقة بتقويم المزايا الخاصة بكل واحدة من النظريات المتنافسة، ليست أبدا النتيجة لبراهين قوية تحصلت من خلال معاينة الوقائع الإمبريقية، مضيفا أن هذه القرارات يمكن تفسيرها قبل كل شئ من خلال العادات الثقافية الخاصة بكل جماعة عملية وأن إثبات صحة نظرية حديثة الصياغة هو دائما إثبات صحة تصديق اجتماعي فهي ذات صلة قرابة بعملية اندراج في مجموع من الأعراف ـ التقاليد ـ الاجتماعية قبلته الجماعة العلمية فيما قبل.
ثم يتناول المؤلف في الفصل الخامس: الخيارات والنظريات والاستدلالات العلمية« ويقدم من خلاله التحليلات السوسيولوجية المكرسة للأبعاد المعرفية تحديدا للعلوم، وهنا يميز بين أعمال تتناول اختيار المسائل العلمية ومحتوى النظريات العلمية والاستدلالات العلمية.
المؤلف في سطور
ميشال دوبوا باحث في المركز القومي للبحوث العلمية في فرنسا وأستاذ في جامعة باريس 10 ـ نانتير، صدر له مؤخرا كتاب بعنوان premieres lecons sur la sociologie de Raymond boudon، 2000 ومترجم الكتاب هو د. سعود المولى أستاذ علم الاجتماع السياسي في معهد العلوم الاجتماعية ـ الجامعة اللبنانية، ومن مؤلفاته: الحوار الإسلامي المسيحي، وكتاب «العدل في العيش المشترك» .
مصطفى عبد الرازق
الكتاب: مدخل إلى علم اجتماع العلوم
تأليف: ميشال دوبوا
ترجمة: د. سعود المولى
الناشر: المنظمة العربية للترجمة بيروت2008
الصفحة : 543 صفحة
القطع: المتوسط