بعد عقد من الزمن على رحيل الشاعر المكسيكي أوكتافيو باز،لا تزال قلوب المكسيكيين تنبض حنينا واشتياقا لهذا الأديب الكبير الحائز على جائزة نوبل للآداب عام 1990 وأحد أكبر ممثلي الأدب الإسباني ـ الأميركي في القرن العشرين. لكن الاحتفالية بهذه المناسبة العزيزة على قلوب الكثيرين حول العالم لم تقتصر على المكسيك فحسب، بل إنها امتدت لتطال إسبانيا وعددا كبيرا من بلدان أميركا الجنوبية أيضا.
اعتبارا من يوم السبت التاسع عشر من أبريل الماضي عندما اكتملت عشر سنوات على الغياب المادي للكاتب ، الذي توفي عن عمر ناهز 84 عاما جراء إصابته بمرض السرطان، شهدت العاصمة المكسيكية وعلى امتداد عدة أيام احتفاليات تكريمية عديدة ومتنوعة، عروض لأفلام وثائقية، منتديات ، حوارات، قراءات لأشعاره، معارض ومؤتمرات متنوعة بغية تذكر إرثه الغني.
اللافت هو أن الزمن لم يقلل بأي شكل من الأشكال من تأثير هذا الشاعر، الباحث، الصحافي ،المناضل من أجل السلام، الدبلوماسي، المحاضر وحتى الكاتب مسرحي، في الثقافة والمجتمع المكسيكيين، إذ لا يزال يعتبر المرجعية الفكرية المكسيكية الرئيسية في القرن الماضي.
لكن وعلى الرغم من أن مؤلف« متاهة الوحدة «كان يقر للقارئ اليساري بأنه محاوره الطبيعي، إلا أن اليسار المكسيكي يبدو أنه لم يعذره بسبب تخليه عن الماركسية في شبابه واقترابه من مواقف اليمين، الذي يقوم اليوم من موقعه الرسمي في السلطة باستغلال تراث الكاتب قدر المستطاع.
الرئيس المكسيكي، اليميني فيليبي كالديرون، معتاد على الاستشهاد به بصورة متكررة وخصوصا عندما يدافع عن مسألة التكامل الأميركي اللاتيني. كما قامت وزارة التعليم، مؤخرا، بكتابة اسم صاحب النوبل وإحدى قصائده على مدخلها الرئيسي.
في غضون ذلك، رفض مجلس النواب المكسيكي وضع إسم الكاتب على حائط الشرف الخاص به على اعتبار أنه لم يساهم في تشكيل الدولة المكسيكية، بينما اضطر مجلس الشيوخ إلى إلغاء حفل تكريمي له لأن منبره يشغله مشرعون من اليسار يقاطعون نقاشا حول إصلاح الطاقة.
بيد أن باز، وعلى خلاف مثقفين آخرين من القرن العشرين، تنازل عن المناصب السلطوية المريحة للحزب الثوري الدستوري، الذي تلاعب بالحكومة، وبالتالي عن دعم الثقافة طوال سبعة عقود من الزمن( 1929- 2000) وذلك بتركه منصب سفير المكسيك في الهند في عام 1968 إثر مذبحة طلابية ارتكبت في أكتوبر من ذلك العام.
من بين الفعاليات الأخرى التي شهدتها المكسيك، تبرز مبادرة المجلس الوطني للثقافة، الذي كرم باز هذا العام بعقد لقاء حضره الكاتب ديريك والكوت الحائز على جائز نوبل للآداب عام 1992 ومثقفين مكسيكيين، وإحياء حفل موسيقي.
كما تم تكريس ملتقى الكتاب الأميركيين اللاتينيين الرابع لذكرى رحيل باز أيضا والذي عقد في نهاية أبريل الماضي في إطار مهرجان المكسيك في المركز التاريخي لعاصمة البلاد وشارك فيه أكثر من 40 مؤلفا من تسعة بلدان من المنطقة.
وكانت الفعاليات التذكارية قد بدأت ببث برامج خاصة بهذه المناسبة عبر الإذاعة والتلفزيون وحفلا للموسيقى الكلاسيكية وإصدار كتاب» رسائل إلى توماس سيغوفيا»، وهو عمل غير منشور سابقا صادر عن مؤسسة» صندوق الثقافة الاقتصادية» في المكسيك.
هذه الاحتفالات التكريمية لم تقتصر على المكسيك فحسب، فلقد تم تذكر مؤلف «الغول المحب للبشر» أو «سمندل» في بلدان أخرى مثل تشيلي، حيث نظمت الجامعة الكاثوليكية سلسلة من المحاضرات والندوات ولقاء للكتاب.
في إسبانيا، جمعت دار أميركا عدة مؤلفين للوقوف على تأثير باز في الأعمال التي تخص كل واحد منهم.
أوكتافيو باز في سطور
أوكتافيو باز أديب وباحث مكسيكي ولد في 21 مارس 1914 وتوفي في 19 أبريل 1998 ونال العديد من العديد من الجوائز أبرزها جائزة نوبل للآداب عام 1990، عرف بمعارضته الشديدة للفاشية وعمل في السلك الدبلوماسي لبلاده في عدة دول حول العالم. باكورة أعماله كان ديوان «تحت ظلك الواضح» الصادر في برشلونة عام 1937. وكان على علاقة وثيقة مع مثقفي الجمهورية الاسبانية.
باسل أبو حمدة