قبل عام مضى، خرج أحد نجوم «ستارتس ببلشينغ» من الهاتف المحمول على الرغم من أنه يكتب باستخدام الإبهام بطريقة أسرع من الكمبيوتر بكثير. إذ تقول ماتسوشيما، وهي من «ستارتس»: «بما أني كنت أكتب على الهاتف المحمول فقط، فإن ظفر الإبهام نما مكانه اللحم وأدى لجرح في الإصبع»، فضلا عن أن مفرداتها أصبحت غنية منذ أن انتقلت إلى عالم الكمبيوتر وباتت جملها أطول وأفضل.
النقاد يعتقدون، أن رجحان كفة روايات الهاتف المحمول من شأنه، تسريع عملية انهيار وانحطاط الأدب الياباني وذلك جراء افتقاره للجودة الأدبية الرفيعة. من لائحة أكثر عشر روايات مبيعاً في اليابان العام الماضي ثمة خمسة منها مصممة أصلا من أجل الهاتف المحمول، ويكتبها جيل يستخدم لوحة المفاتيح بإصبع الإبهام وتروى عن طريق رسائل نصية، لكن يؤخذ على نميمتهم هذه افتقارها للجودة الأدبية في حين يقول قراؤها إن الأمر يتعلق بجنس جديد من الإبداع الإنساني.
حتى وقت قصير، كانت الروايات الخاصة بالهاتف المحمول لا تلقى قبولا من قبل الناس عموما وكان ينظر إليها نظرة ازدراء في اليابان لأن الناس هناك اعتبروها جنسا قبيحا ومشينا في البلاد التي قدمت للعالم منذ ألف عام روايتها الأولى «حكاية جينجي». غير أن مؤشر أفضل مبيعات الكتب أظهر في الشهر الأخير من العام الماضي أن روايات الهاتف المحمول، المنشورة لاحقا على شكل كتب، قد غزت صفوف الجماهير وراحت تفرض نفسها كظاهرة جماعية عامة تطال المجتمع الياباني بأسره.
الأرقام لغة صماء تعكس حقائق مجردة على شاكلتها وهي تفيد بأنه من أصل أكثر عشر روايات مبيعاً العام الماضي، هناك خمسة منها مصممة خصيصا للهاتف المحمول ومعظمها قصص غرامية مكتوبة على شكل جمل قصيرة تنتمي إلى عالم الرسائل النصية المستخدمة عادة في الهواتف المحمولة. وعلى خلاف الروايات التقليدية، فإن هذه الأعمال لا تقوم بتطوير حبكاتها ولا شخصياتها على النحو التقليدي المتكامل، في حين أثار هذا الواقع الجديد نقاشات حامية الوطيس في وسائل الإعلام وفي أروقة ما يطلق عليه عالم الـ «بلوجوسفير» أي شبكة التواصل الاجتماعي- الثقافي.
هناك مجلة أدبية شهيرة وهي «بونجاكو ـ كاي» أطلقت السؤال التالي على غلافها في شهر يناير الماضي: «هل ستقتل روايات الهاتف المحمول المؤلف؟» في حين يقولون بين صفوف المعجبين بهذا الصنف الكتابي إن هذه الروايات هي جنس أدبي جديد يبدعه ويستهلكه جيل كان قد قرأ أقاصيص وحكايات قصيرة في المقام الأول. لكن النقاد يعتقدون، من جانبهم، أن رجحان كفة روايات الهاتف المحمول من شأنه، تسريع عملية انهيار وانحطاط الأدب الياباني وذلك جراء افتقارها للجودة الأدبية الرفيعة.
الرواية الخاصة بالهاتف المحمول ولدت في عام 2000، عندما أدرك أصحاب موقع إلكتروني (ماهو نوآي ـ راندو) المتخصص في إنشاء صفحات على شبكة الانترنت أن الكثير من المستخدمين كانوا يكتبون روايات في مدوناتهم وبالتالي قدموا للكتاب اليافعين غير الناضجين إمكانية تحميل الأعمال التي كانوا يكتبونها وأتاحوا الفرصة أمام القراء للتعليق عليها. وهكذا ولدت الرواية المتسلسلة الخاصة بالهاتف المحمول، لكن أعداد المستخدمين الذين كانوا يحملون تلك الروايات بدأت تتزايد منذ سنتين أو ثلاث سنوات خلت إلى أن وصلت إلى مليون عنوان في نهاية العام الماضي حسب «ماهو نوآي ـ راندو».
وعلى ما يبدو، فإن هذا الازدهار واسع النطاق لرواية الهاتف المحمول قد شق طريقه بهذه القوة بسبب واقع لا علاقة له لا من قريب ولا من بعيد بالثقافة ولا الروايات، بل إنه متصل بقرار اتخذته شركات الهاتف المحمول ينص على تقديم وقت لا محدود لإرسال الرسائل النصية كجزء من تعرفتها الشهرية.
ولقد راقت هذه الظاهرة لغالبية تنتمي لجيل من اليابانيين الذين كانت الهواتف المحمولة تعتبر بالنسبة لهم، ومنذ المرحلة الابتدائية في المدرسة، أهم من الكمبيوتر نفسه حيث تعودوا على قراءة الروايات على هواتفهم المحمولة، على الرغم من أنه كان بوسعهم الدخول إلى المواقع نفسها عبر أجهزة الكمبيوتر الخاصة بهم. ولقد اعتادوا على كتابة الرسائل النصية بإصبع الإبهام وبسرعة مدوخة وعلى استخدام تعبيرات وانفعالات ونوط موسيقية لا يستطيع فهمها وفك شفرتها من تجاوز عمره 25 عاما.
«المسألة لم تكن تتعلق بأن الشبان يشعرون بالرغبة في الكتابة وبأن الهواتف المحمولة كانت في متناول أيديهم»، كما تقول تشياكي إتشيهارا الخبيرة في الأدب الياباني التي قامت بدراسة ظاهرة الهواتف المحمولة. «لا بل على العكس من ذلك، فأثناء عملية تبادل الرسائل النصية أيقظت هذه الأداة الجبارة التي يطلق عليها الهاتف المحمول في مستخدميها الرغبة في الكتابة». وبحسب ما يؤكده الكثير من الناشرين، فإن الكثير من هذا الصنف من القراء لم يقرأوا أي روايات قط.
أما الكتاب، فعادة لا يتقاضون أجرا مقابل عملهم على الشبكة ولا يهم كم مليون مرة تزار فيها أعمالهم. أما عمليات التسديد حديثة العهد فإنها تتم في حال طباعة تلك الروايات على شكل كتب تقليدية. في حين أن القراء يتمتعون بإمكانية الدخول إلى المواقع الإلكترونية التي تتيح لهم الاطلاع على تلك الروايات مجانا أو أنهم يدفعون كحد أقصى دولارا واحدا أو دولارين اثنين شهريا ليس إلا، بيد أن المواقع الإلكترونية تحصل على الجزء الأكبر من أرباحها عن طريق الإعلانات.
في الروايات الخاصة بالهواتف المحمولة عادة ما تكون الشخصيات لها طابع تخطيطي مبسط الشرح حيث الأوصاف شحيحة والحوار هو سيد الموقف. فلقد أكدت نيكا نايتو وهي روائية أن «اليابانيين عادة ما يصفون مسرح الأحداث بشكل عاطفي كما في الجملة الأولى من رواية «بلاد الثلج» للكاتب ياسوناري كاواياباتا، إذ تقول تلك الجملة: «القطار خرج من النفق الطويل ودخل إلى بلاد الثلج».
«في روايات الهاتف المحمول ليس ضروريا القيام بذلك»، كما تضيف نايتو البالغة من العمر 35 عاما، والتي بدأت كتابة هذا الصنف من الأدب بناء على طلب ناشرها. وهي تؤكد أنه «إذا حصر المرء حكايته بمكان محدد بعينه، فإن القراء يفقدون الألفة مع ما يقرأون». وكونها مكتوبة بصيغة المتكلم، فإن الكثير من هذه الراويات تبدو أقرب إلى المذكرات الشخصية، في حين أن معظمها كتب من قبل نساء فتيات ويتحرى قضايا القلوب.
«سماء الحب» وهي الرواية الأولى لشاب يدعى ميكا تمت قراءتها حتى الآن من قبل 20 مليون شخص عن طريق الهاتف المحمول أو عن طريق جهاز الكمبيوتر، حيث يتعلق الأمر بعمل تسيل له الدموع فيه جانب جنسي يخص المراهقين واغتصاب وحمل ومرض فتاك ولقد أسر هذا العمل قلوب الجيل الشاب، ونمطه يستجيب بشكل مباشر للعادات الشفاهية المضحكة لهؤلاء الفتيان ولوجود الهاتف المحمول أينما ولى المرء وجهه. وعندما نشرت هذه الرواية على شكل كتاب، فإنها تمكنت من شق طريقها إلى المرتبة الأولى في قائمة أفضل المبيعات العام الماضي، كما أنها شقت طريقها إلى عالم السينما وتحولت إلى فيلم أيضا.
وقالت رين وهي فتاة عمرها 21 عاما إن الروايات التقليدية لا تحرك مشاعر جيلها مؤكدة أن «أبناء جيلي لا يقرأون أعمال الكتاب المحترفين لأن جملهم صعبة على الفهم. ونمطهم فيه الكثير من الثرثرة والإطناب بصورة متعمدة وما يروونه ليس مألوفا بالنسبة لنا». وأضافت رين: «من جانب آخر، أنا أتفهم أن اليابانيين الأكبر سنا لا يريدون الاعتراف بها كروايات، ذلك أن الفقرات والجمل بسيطة للغاية والحبكة يمكن التكهن بها دوما. لكني أريد منهم أن يعترفوا بروايات الهاتف المحمول كجنس أدبي مستقل».
بينما تدفع شعبية هذا الصنف «الأدبي» المزيد من الناس لكتابة هذا النوع من الروايات، ثمة آخرون يطرحون السؤال الوجودي التالي: هل يمكن لرواية خاصة بالهاتف المحمول ألا تكون قد كتبت من أجل الهاتف المحمول عينه؟ عندما يكتب المرء على الكمبيوتر يكون عدد السطور مغايرا ويكون الإيقاع مختلفا أيضا عن الكتابة على الهاتف المحمول على حد تعبير كيدو كانيماتسو وهو ناشر يعمل في شركة «غوما بوكس» التي تنشر روايات الهاتف المحمول، والذي يضيف: «ثمة معجبون قساة يعتبرون أن رواية الهاتف المحمول يجب أن تكتب على الهاتف المحمول نفسه».
بيد أن آخرين يرون أن الجنس الأدبي لا يحدد من خلال الأداة التي يكتب بها، فهناك عضو واحد من جيل الهاتف المحمول على الأقل انتقل إلى عالم الكمبيوتر. فقبل عام مضى، خرج أحد نجوم «ستارتس بوبلشنج» من الهاتف المحمول على الرغم من أنه يكتب بطريقة بالإبهام أسرع من الكمبيوتر بكثير. إذ تقول ماتسوشيما، وهي من «ستارتس»: «بما أني كنت أكتب على الهاتف المحمول فقط، فإن ظفر الإبهام نما مكانه اللحم وأدى لجرح في الإصبع»، فضلا عن أن مفرداتها أصبحت غنية منذ أن انتقلت إلى عالم الكمبيوتر وباتت جملها أطول وأفضل.
سؤال أدبي
مجلة «بونجاكو ـ كاي» الأدبية أطلقت السؤال التالي على غلافها في شهر يناير الماضي: «هل ستقتل روايات الهاتف المحمول المؤلف؟» يقول المعجبون بهذا الصنف الكتابي إن هذه الروايات هي جنس أدبي جديد يبدعه ويستهلكه جيل كان قد قرأ أقاصيص وحكايات قصيرة في المقام الأول. لكن النقاد يعتقدون أن رجحان كفة روايات الهاتف المحمول من شأنه، تسريع عملية انهيار وانحطاط الأدب الياباني وذلك جراء افتقارها للجودة الأدبية الرفيعة.
بلاد الثلج
في الروايات الخاصة بالهواتف المحمولة عادة ما تكون الشخصيات لها طابع تخطيطي مبسط الشرح حيث الأوصاف شحيحة والحوار هو سيد الموقف. فلقد أكدت نيكا نايتو وهي روائية أن «اليابانيين عادة ما يصفون مسرح الأحداث بشكل عاطفي كما في الجملة الأولى من رواية «بلاد الثلج» للكاتب ياسوناري كاواياباتا، إذ تقول تلك الجملة: «القطار خرج من النفق الطويل ودخل إلى بلاد الثلج».
باسل أبو حمدة