«مزغنة»، «البهجة»، «دزاير العاصمة » كلها تسميات للعاصمة الجزائرية التي تتميز بقسميها الإسلامي القديم والأوروبي الحديث حيث يعرف القديم باسم «القصبة» التي تعني وسط المدينة، غالبا ما تكون محاطة بالأسوار ومحصنة وتتميز بشوارعها الضيقة ومساجدها العديدة وقلعتها التي بنيت في القرن السادس عشر.
بنيت القصبة على أرضية تتكئ على هضبة تنكسر من على ارتفاع 118 متراً، أزقتها متشعبة وهندسة بيوتها تعطيها سحراً يلقي الضوء على زمان زاهر قد مضى، حيث تحتوي بيوتها على ساحة مربعة الشكل في وسطها عين ماء بنيت من حولها كل شقق البيت في معمار إسلامي متميز. - القصبة... تاريخ عريق: ما زال حي القصبة في وسط العاصمة الجزائرية شاهداً على كل حكايات التاريخ التي ترويها كل زاوية من زواياها، ورغم قدم أزقتها إلا أنها لا تزال محافظة على تراث الجزائر وخصوصيته التي تميزه عن كل الدول العربية. يعود تاريخ بنائها إلى القرن السادس ق.م الذي يدل عليه بقايا أوان تعود للحقبة الكامبدية في القرن الثالث قبل الميلاد، والتي اكتشفت في بئر عمقها 30 متراً في سنة 1940.
وفي العهد الفينيقي سميت إيكوسيوم «جزيرة النورس» وحولت إلى مرفأ تجاري مهم في المنطقة بأكملها، ودخلت تحت الهيمنة الرومانية في سنة 202 ق م ودخلتها الديانة المسيحية في حوالي القرن الرابع، لتتعرض للغزو من قبل الو ندال في 429 وانتقلت بعدها إلى السيطرة البيزنطية حيث تعرضت لهجمات دائمة من قبل قبائل البربر والموريتانيين أدت إلى تدهورها وانحطاطها. ودخل الفتح الإسلامي إليها على يد عقبة بن نافع في سنة 702، وأعيد بناؤها على يد بلغين بن زيري بن مناد وحصنها ووسع في مساحتها المحتلة آنذاك من قبل بني مزغنة حيث كانت تسمى وقتها بمزغنة، وبعدها سميت بالجزائر نسبة لأربعة جزر صغيرة كانت قبالة ساحل المدينة والتي تم وصلها ببعض وبالأرض وبني أول ميناء فيها.
وفد إليها كثيرون من العرب الذين خرجوا هروبا من الأندلس بعد زوال الحكم العربي عنها عام 1492، وتعرضت للتحرش الاسباني في بداية القرن السادس عشر، ليحررها الأخوة عروج و خير الدين بربروس بطلب من مشايخ الجزائر في سنة 1511 وذلك تحت الراية العثمانية وتولاها بربروس بعد أن وحدها في 1516 واتخذها عاصمة للإمارة ووضعها تحت الخلافة العثمانية. واستقلت عن تركيا على يد الداي في القرن 18، واحتلها الفرنسيون في سنة1830 بعد حادثة المروحة وحولوها منطلقا لكل حملاتهم الاستعمارية في الجزائر والمغرب العربي.
البيت التقليدي
تقع القصبة على مرتفعات مدينة الجزائر الحديثة وتعد جغرافيا كمثلث غير متساوي الأضلاع، قاعدته انفراج البحر، تشغل دروبا واسعة تمتد من باب الواد العريق من الشمال حتى شارع باب عزون وساحة بور سعيد من الجنوب،تبلغ قمتها «قلعة الجزائر» التي بنيت في عام 1516 والواقعة في أعالي القصبة مشكلة رأس المثلث المكون لها.
إن أكثر ما يلفت النظر في البنية العمرانية للقصبة تلك الأشكال التخطيطية البسيطة على المرتفع الجبلي الذي تقوم عليه المدينة، لذلك فقد جاءت أزقتها ضيقة لدواعي المناخ والأمن، تحتوي على فراغات حيوية تشكل قنوات تنفيس صغيرة تتبدد فيها السماء وذلك وفقا للنظام العضوي لهذه المدينة المميزة، التي حددت مداخلها بغلاف من جدران مبان يتجانس فيها الحجر والخشب والرخام، من مداخل المنازل المقوسة وشرفاتها التي تطل على الحارات في بناء هندسي متألق.
يتميز البيت التقليدي في القصبة بتقسيم فريد من نوعه حيث تحتوي السقفية على فراغ يفصل العام عن الخاص أي يفصل الزقاق عن وسط الدار «أرض الديار، الحوش الداخلي» كلها أسماء لمسمى واحد، هذا المسمى يشكل القلب الذي يتعايش عليه البيت التقليدي، فهو مغلق من الجهات الأربع ومنفتح إلى السماء جدرانه عبارة عن أقواس أندلسية «على شكل حدوة الفرس» مرصوفة بالرخام والجير ومزينة بقطع السيراميك الذي تتميز به العمارة المغاربية والأندلسية مع خطوط زخرفية تعتمد على قاعدة التشكيل الرباعي.
وتطل غرف الدار على الفناء الداخلي عبر نوافذ جميلة مؤطرة بالجبس أو الرخام أو السيراميك، وتتوسط فناء الدار نافورة لها تأثير وظيفي في الاكتفاء الذاتي من المياه التي تخزن عادة تحت أرضية هذا الفراغ في خزان تتجمع فيه الأمطار في الشتاء لاستعمالها في الصيف.
الإهمال والخراب
تعد القصبة أحد أهم المعالم الأثرية التاريخية التي تكشف أهم مراحل تطور البشرية وحقيقتها قائمة في مسار الحضارات الإنسانية عبر التاريخ،إلا أنها تعاني حالياً من الإهمال والخراب، وغياب كامل لأية رعاية رسمية تجاه معالمها الأثرية كرمز لحضارة عريقة عرفها تاريخ الجزائر في فترات تاريخية ترمز للسيادة والمدنية في عهد الدايات آنذاك وما سبقه، ولد وترعرع فيها قادة المقاومات الشعبية المختلفة ضد الغزو والاستعمار.
تعد القصبة «البوابة البحرية الأولى» للجزائر العاصمة نحو العالم الخارجي ولها أهمية ثقافية،اقتصادية، واجتماعية، كما أنجبت العديد من الفنانين الذين مثلوا «الفن الجزائري الأصيل» في جغرافية الإبداع والمواهب، حيث تعتبر نموذجاً حياً للتراث الجزائري العريق والمهمل في الوقت نفسه، وتعاني أعمدتها من التساقط، وأسقف الدويرات فيها تكاد تنهار، باستثناء قصر الداي وبعض المزارات التي رممت، و لكن تبقى القصبة بحاجة قصوى لإعادة التأهيل والترميم الكاملين باعتبارها أهم معلم تاريخي في الجزائر العاصمة، وارتبطت أزقتها ودروبها بتاريخ مجيد من الصعب تجاهله.
موئل جميلة بوحيرد
ارتبطت شوارع القصبة القديمة بالثورة والتمرد فمنها تخرج أبطال كبار على غرار جميلة بوحيرد، وحسيبة بن بوعلي، ويأسف سعدي وغيرهم الذين حرروها من الاستعمار الفرنسي الذي دام قرناً واثنتين وثلاثين سنة، كما اقترنت بمختلف منعطفات الأزمة الوطنية الدامية سنوات التسعينات وصولاً إلى التظاهرات الاجتماعية المنادية بالتغيير.
تراث عالمي
تعد القصبة تراثاً معمارياً تاريخياً مهماً وسجلت من قبل منظمة اليونسكو كتراث عالمي سنة 1992، وتضم العديد من القصور والمنازل الفاخرة ذات الطراز العربي الإسلامي ومن أبرز مساجدها المسجد الكبير ومسجد كتشاوة
ناهد رضوان